No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ معاناة ممتدة لعقود يعيشها مكتومو القيد في سوريا بين الحرمان القانوني وبصيص أمل متجدد لنيل حقهم في المواطنة، خاصة بعد المرسوم رقم (13) لعام 2026.
وُلدت غالية ونسرين كما يولد آلاف السوريين، لكن دون أن تُسجَّل ولادتهما في أي سجل رسمي، لتكبرا وهما “غير موجودتين” على الورق، رغم أنهما يعيشان بين الناس ويشاركان في تفاصيل الحياة اليومية، وهذه الحالات ليست حالات فردية، بل جزءاً من معاناة عشرات الآلاف ممن يُعرفون بـ “مكتومي القيد” في سوريا، أولئك الذين حُرموا لعقود من أبسط حقوقهم المدنية، ليبقوا عالقين بين واقع يثبت وجودهم وقانون ينكره.
قوانين حبر على ورق
تنص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948، والتي تقضي بأن “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما، وأنه لا يجوز، تعسفاً، حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته”.
أنه وفقاً لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وصل عدد مكتومي القيد في الحسكة حتى العام 2011 لأكثر من 171300 شخصاً، حصل حوالي 50400 منهم على الجنسية، بحلول العام 2018، بعد تحويل وضعهم القانوني من فئة المكتومين إلى فئة الأجانب، ومن ثم إلى فئة المواطنين السوريين. لكن؛ هناك قرابة 41000 شخصاً منهم، لم يستطيعوا تغيير وضعهم بسبب مشاكل صادفتها مديرية النفوس، أثناء إدخال ملفاتهم إلى قيود فئة أجانب الحسكة، فيما لم يحضر 5000 منهم للمديرية لتصحيح وضعهم القانوني.
وبحلول 2018، كان غالبية أجانب الحسكة قد حصلوا على الجنسية 326489 من أصل 346242 شخصاً، وفقاً لنفس المصدر. ترجع جذور هذه الأزمة إلى الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة بتاريخ الخامس من تشرين الأول 1962، بموجب المرسوم التشريعي رقم 93، والذي تم تنفيذه خلال يوم واحد فقط بهدف “التحقق من السكان الشرعيين”.
أدى هذا الإحصاء إلى تصنيف الكرد في سوريا إلى ثلاث فئات رئيسية مواطنون سوريون وهم الأفراد الذين تمكنوا من إثبات إقامتهم في سوريا قبل عام 1945، وأجانب الحسكة الأفراد الذين لم يتمكنوا من إثبات الإقامة وفق الشروط، فجُردوا من الجنسية ومنحوا بطاقات حمراء وصارت حالتهم قانونية كأجانب.
وأنه في عام 2011، أصدر النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد، المرسوم رقم 49، حيث نصت المادة الرابعة منه على إلغاء كافة التدابير الاستثنائية والقوانين الناتجة عن إحصاء عام 1962، مع منح الجنسية السورية بشكل فوري وشامل لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، لكنه استثنى فئة مكتومي القيد، وجعلهم مضطرين أولاً لتصحيح وضعهم ليصبحوا أجانب قبل أن يتمكنوا من التقدم بطلب الحصول على الجنسية، وهي عملية معقدة عقّدت حصولهم على حقوقهم.
وبقيت الأزمة قائمة طوال فترة الثورة السورية، مع توسع الفئة المتضررة بفعل فقدان الوثائق أثناء التهجير القسري، والولادات في مناطق خارج سيطرة الدولة، وتدمير سجلات الأحوال المدنية، واستمرار عدم تسجيل بعض الأطفال الذين ولدوا في مناطق التهجير. هذا وأصدر رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026 الذي يؤكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، حيث استهدف المرسوم إنهاء معاناة “مكتومي القيد” التي استمرت لأكثر من ستة عقود.
بصيص أمل
ومع ذلك، تبرز تحديات لوجستية هائلة تتعلق بآلية إثبات الوجود للمكتومين الذين لا يملكون أي ورقة رسمية، وكيفية إعادة بناء قاعدة البيانات المدنية في المناطق التي تعرضت سجلاتها للتدمير الكلي.
عاش مكتومو القيد لعقود طويلة في حالة انعدام الجنسية، مما ترتب عليه آثار كارثية على حياتهم اليومية ومستوى معيشتهم، أبرز هذه الآثار تمثلت في الحرمان من التعليم، وعدم القدرة على الحصول على شهادات دراسية رسمية أو الالتحاق بالجامعات، ما أعاق فرصهم في التطور المهني والاجتماعي، وهذا ما أكدته “غالية عبيد كلش”: “لم نكن نملك أي حقوق فمنذ ولدت كنت مكتومة القيد فوالدي لا يملكان الجنسية السورية وقد قدمنا أوراقنا كثيراً ولكن كانت تقابل بالرفض”.
تابعت: “إضافة لذلك كانت هنا قيود على التنقل، حيث كان من الاستحالة الحصول على جواز سفر أو التنقل بحرية داخل البلاد، بسبب غياب الهوية الشخصية والوثائق القانونية”.
وأضافت: “لقد حرمنا من حق تملك العقارات أو السيارات، وصعوبة التوظيف في القطاع العام أو الخاص بشكل قانوني، ما جعل حياتنا الاقتصادية محدودة جداً وهذا قد أثر كثيراً على أولادنا أيضاً فقد تعرقلت أمور أوراقهم لغياب هوية وجنسية للأم”.
كما طالبت غالية في ختام حديثها بأن تحفظ حقوقهم ككرد سوريون في سوريا الجديدة وأن المواطنة حق لجميع الشعوب السورية.
فيما ترى “نسرين يوسف إبراهيم” أن مكتومي القيد قد عانوا كثيراً وأن العديد من القرارات التي صدرت بحقهم سابقاً كانت تنتهك حرياتهم، وتمنت أن يستمر التسجيل وينال كل محروم من الجنسية والمواطنة حقه وألا يكون قرار التسجيل هذه المرة حبر على ورق.
وبينت: “لقد آمنا في مشروع الإدارة الذاتية في مناطقنا وقد كان مشروعاً ناجحاً نال فيه كل مواطن حقه في التعلم وممارسة طقوسه الدينية والاجتماعية بحرية، واليوم نرى نتاج هذا النضال فلولا قواتنا وأولادنا ما انتزعنا حقوقنا والتي أبسطها حق المواطنة، ونثمن الجهد الذي بذل من أجلنا كشعب كردي أصيل في سوريا”.
وعن معاناتها: “لقد عانينا وحرمنا الكثير من الأمور أبسطها الهوية وكان تسجيل أولادنا صعباً بسبب عدم وجود سجل لي، أما زوجي فله هوية ومواطن، ومع ذلك لم نستسلم وبقينا نتشبث بجذورنا وهويتنا الكردية، وسننال الهوية التي تحمل الجنسية الكردية السورية، وبذلك سيكون لنا اعتراف أننا مواطنون وكرد”.
هذه المعاناة تضافرت مع ظروف الحرب بعد بدء الأزمة السورية عام 2011، حيث تدمرت سجلات الأحوال المدنية في مناطق واسعة، وظهرت فئة جديدة من مكتومي القيد بسبب الولادات في مناطق خارج سيطرة الدولة أو في مخيمات النزوح والتهجير، وفقدان الوثائق الرسمية أثناء التهجير القسري، ورغم المراسيم الجديدة، يبقى السؤال: كم من السوريين ما زالوا غير موجودين على الورق؟.
No Result
View All Result