No Result
View All Result
يونس بهرام
لم تعد مسألة إعادة تجنيس الكرد “المكتومين” في سوريا قضية قانونية أو إدارية يمكن التعامل معها بوصفها إجراءً تصحيحيًا متأخرًا، بل تحولت إلى مدخل كاشف لطبيعة الصراع العميق حول الهوية، وشكل الدولة، ومستقبل العلاقة بين المركز والأطراف، فهي اليوم تمثل لبّ الإشكالية السياسية والاجتماعية بين دمشق والإدارة الذاتية في روج آفا، وتختصر في تفاصيلها الصغيرة أسئلة كبرى مؤجلة منذ عقود.
تعود جذور هذه القضية إلى الإحصاء الاستثنائي في ستينيات القرن الماضي، والذي جرّد عشرات الآلاف من الكرد من جنسيتهم، دافعًا بهم إلى هامش الحياة القانونية والاجتماعية. وعلى مدى سنوات طويلة، شكّل هذا الحرمان أحد أبرز تجليات السياسات الإقصائية التي استهدفت الهوية الكردية. لذلك، بدا ملف إعادة الجنسية، نظريًا، فرصة تاريخية لتصحيح ظلم بنيوي، وإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها الكرد.
غير أن ما يجري على أرض الواقع يكشف مسارًا مختلفًا. فإعادة التجنيس، بدل أن تكون اعترافًا صريحًا بالحقوق والهوية، تُطرح ضمن إطار توصيفي أحادي: “عربي سوري”. هذا التوصيف، في ظاهره إداري، لكنه في جوهره سياسي بامتياز، إذ يعيد إنتاج تعريف الدولة لنفسها ككيان قومي مغلق، ويختزل التنوع القائم داخلها. وهنا، لا يعود السؤال متعلقًا بمنح الجنسية، بل بالشروط الضمنية لهذا المنح: هل يُسمح للفرد أن يستعيد حقه كما هو، أم يُطلب منه، ضمنيًا، أن يعيد تعريف نفسه ليتوافق مع السردية الرسمية؟
تتجلى خطورة هذه المسألة بشكلٍ أوضح في الممارسات المتداولة، حيث يُفهم أن الإصرار على تسجيل الهوية “كردي” في طلبات التجنيس قد يؤدي إلى التعطيل أو الرفض. في هذه اللحظة تحديدًا، تنكشف البنية العميقة للمشكلة: الحق لا يُمنح بوصفه حقًا مجردًا، بل بوصفه امتيازًا مشروطًا. والهوية، بدل أن تكون معطى معترفًا به، تتحول إلى عبءٍ إداري ينبغي التحايل عليه أو التنازل عنه.
من هنا، تتجاوز القضية بُعدها الفردي لتتحول إلى مؤشر سياسي بالغ الدلالة، فإذا كان اسم “الكردي” غير قابل للاعتراف في وثيقة إدارية، فكيف يمكن أن يجد طريقه إلى نصٍّ دستوري مستقبلي؟ وإذا كان استرداد الجنسية مشروطًا بالتخلي الضمني عن الانتماء القومي، فما الذي يمكن أن يعنيه الحديث عن شراكة وطنية أو عقد اجتماعي جديد؟
بهذا المعنى، يُعاد تعريف “الاندماج” بطريقة تُفرغه من مضمونه. فالاندماج، في سياقه الطبيعي، يفترض تكافؤًا بين الشعوب، واعترافًا متبادلًا بالخصوصيات، ضمن إطار جامع، أما حين يُطرح كمسارٍ أحادي الاتجاه، يُطلب فيه من طرف أن يذوب في تعريف الآخر، فإنه يتحول إلى شكل من أشكال الانصهار القسري، الذي يعيد إنتاج التوتر بدل تجاوزه.
وفي امتداد طبيعي لهذه الإشكالية، تبرز قضية “الحزام العربي” بوصفها الوجه الآخر للصراع على الهوية والأرض، فهذا المشروع، الذي أُطلق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم يكن مجرد سياسة إسكان، بل إعادة تشكيل ديمغرافي قائمة على نزع ملكيات من الكرد وتوطين عائلات عربية مكانهم، وهو ما رسّخ شعورًا عميقًا بالغبن التاريخي، لا يزال حاضرًا في الوعي الجمعي حتى اليوم، غير أن التعقيد هنا لا يقل عمقًا عن قضية الجنسية. هنا لا يمكن تجاهل الحقوق الأصلية، بل يفرض البحث عن مقاربات أكثر تعقيدًا وعدالة.
فمعالجة آثار “الحزام العربي” لا يمكن أن تتم إلا عبر مسارات قانونية وسياسية متدرجة، تأخذ بعين الاعتبار حق الملكية من جهة، وحق الاستقرار الإنساني من جهة أخرى، وقد يشمل ذلك إعادة الأراضي إلى أصحابها الأصليين وتعويضًا عادلًا بدل أعوام الاستيطان.
هنا تحديدًا تتقاطع مسألتا الهوية والأرض: فكما أن الاعتراف بالاسم “الكردي” في وثيقة رسمية يشكل اختبارًا سياسيًا، فإن التعامل مع إرث الحزام العربي يشكل اختبارًا أخلاقيًا وقانونيًا لطبيعة الدولة القادمة. هل ستكون دولة قادرة على تصحيح أخطاء الماضي دون أن تقع في فخ الانتقام؟ أم ستعيد إنتاج الصراع بأدوات جديدة؟
في السياق الأوسع، لا يمكن فصل هذه الملفات عن الرؤية المركزية التي لا تزال تحكم مقاربة الدولة السوريّة لمسألة السلطة والهوية. فدمشق، وهي تسعى إلى إعادة بسط سيطرتها، لا تبدو حتى الآن مستعدة لإعادة تعريف نفسها كدولة متعددة القوميات، بل تميل إلى استيعاب الوقائع الجديدة ضمن أطرها التقليدية. وفي المقابل، تمثل الإدارة الذاتية نموذجًا مختلفًا، يقوم – نظريًا على الأقل – على الاعتراف بالتعددية واللامركزية، ما يجعل التناقض بين المشروعين بنيويًا لا تكتيكيًا.
ورغم ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية صدام حتمي أو نهاية وشيكة، فالتوازنات القائمة، داخليًا وخارجيًا، تفرض حالة من التعليق السياسي، حيث لا يستطيع أي طرف حسم المسألة بشكلٍ نهائي. لكن ما يمكن قوله بثقة هو إن الطريقة التي تُدار بها هذه الملفات “التفصيلية” ستلعب دورًا حاسمًا في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.
في المحصلة، لا تختبر هذه القضايا نوايا السلطة فحسب، بل تكشف حدود تصورها للدولة والمواطنة. فإما أن تتحول إعادة الجنسية ومعالجة ملف الأرض إلى مدخل لاعتراف حقيقي يعيد صياغة العقد الوطني على أسس تعددية، وإما أن تبقى إجراءات شكلية تُعيد إنتاج الإقصاء بصيغٍ أكثر نعومة. وبين هذين المسارين، يتحدد المستقبل لا بالشعارات الكبرى، بل بتفاصيل دقيقة:
هل يُعترف بالهوية كما هي؟ وهل تُعاد الحقوق دون خلق مظالم جديدة؟ أم يبقى كل شيء مؤجلًا… كما كان دائمًا؟
No Result
View All Result