No Result
View All Result
قامشلو/ رفيق إبراهيم ـ يعدُّ الشرق الأوسط إقليماً جيوسياسياً، وتكتسب أهميته من موقعه الاستراتيجي، الرابط بين ثلاث قارات، إضافة إلى احتوائه الممرات البحرية العالمية، وثروات هائلة من النفط والغاز والمعادن، وقد جعلت هذه الخصائص المنطقة محوراً دائماً للصراعات الدولية والتنافس بين القوى الكبرى، إضافة إلى امتلاكه قيماً تاريخية، لأن الأديان السماوية نزلت في أراضيه، وقيماً حضارية تمدد آلاف السنين، وبالرغم من هذا تعجز دولها عن تجاوز الأزمات والقضايا العالقة منذ قرون عديدة؛ نتيجة ممارسات الأنظمة المهيمنة على المنطقة.
برز مفهوم الشرق الأوسط الجديد، بشكل عملي ملموس بعد أحداث الحادي عشر من أيلول كمشروع سياسي – استراتيجي، يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة جغرافياً وسياسياً، بما يخدم مصالح القوى المهيمنة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وتعود جذور هذا المشروع إلى تسعينات القرن العشرين، فأصبحت الولايات المتحدة القوة العالمية الأبرز بعد نهاية الحرب الباردة، ما أتاح لها هامشاً واسعاً لإعادة صياغة النظام الدولي، ومن ضمنه الشرق الأوسط، بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.
هندسة جديدة للدول والتحالفات
في السياق، تحدث لصحيفتنا، مسؤول مكتب العلاقات الدبلوماسية في حزب الاتحاد الديمقراطي، بأوروبا، “فؤاد عمر”: “لا يقتصر مشروع الشرق الأوسط الجديد، على تغيير الأنظمة، بل يمتد إلى إعادة هندسة بنية الدول والتحالفات، وخلق كيانات يسهّل التحكم بها، وخلقت الأزمات الداخلية تدهوراً اقتصادياً، وتصاعد الانقسامات الطائفية، في تهيئة البيئة المناسبة لتطبيق هذا المشروع”.
وأوضح: “مع اندلاع الاحتجاجات في المنطقة، ظهرت هشاشة الدولة القومية في الشرق الأوسط، ما فتح الباب أمام تدخلات خارجية، أعادت توظيف الأزمات، لرسم موازين القوى في المنطقة، وتُعد الولايات المتحدة الفاعل الأبرز في هذا الإطار، حيث اعتمدت على مزيج من التدخل العسكري المباشر، كما في العراق، والتدخل غير المباشر عبر الحروب بالوكالة، بهدف ضمان السيطرة على الموارد الاستراتيجية، خصوصاً النفط والغاز”.
وبين: “سعت واشنطن إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر مشروع، “الشرق الأوسط الكبير”، وتعزيز مسارات السلام بين دول المنطقة وإسرائيل، وتقليص دور القوى المنافسة كإيران، وفي المقابل، برزت قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، حيث ركزت الصين على النفوذ الاقتصادي، وتأمين مصادر الطاقة، بينما عززت روسيا حضورها العسكري والسياسي، خاصة في سوريا، في إطار تنافس دولي يعكس تحولات نحو نظام متعدد الأقطاب”.
وتابع، “في المحصلة، يمكن القول: إن “مشروع إعادة إنشاء خارطة التوازنات، هو نتاج تفاعل معقد بين الطموحات الأمريكية للهيمنة العالمية منذ التسعينات، والأزمات الداخلية في دول المنطقة، والتنافس الدولي على الموارد الحيوية، وتبقى السيطرة على الطاقة والمعادن الاستراتيجية العامل الأهم، الذي دفع الولايات المتحدة، إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بما يضمن استمرار نفوذها ومصالحها في النظام الدولي”.
ضعف الدول سبب التدخل
وبخصوص مسببات التدخلات الخارجية في شأن دول الشرق الأوسط، قال: “يشهد الشرق الأوسط، حالة متقدمة من ضعف هياكل العديد من الدول، كالعراق وسوريا وتونس وليبيا والسودان، الحكومات القائمة هزيلة ومشتتة، غير قادرة على فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها، أو على مؤسساتها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وهناك تفكك للأجهزة الأمنية، وانتشار المظاهر المسلحة، وتنامي الانقسامات الطائفية، والعرقية، والمناطقية، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثير الخارجي، وخاصة من الولايات المتحدة، لإعادة هندسة النظام الإقليمي وفق مصالحها الاستراتيجية، وتحويل أزمات الدولة الداخلية، إلى أدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة”.
وأضاف: “عندما تسعى قوة كبرى، لإعادة صياغة أو إنشاء نظام جديد يتوافق مع مصالحها، تضطر إلى فرض ذلك بالقوة، خصوصاً إذا كانت البنية الداخلية للدولة متناقضة، أو عاجزة عن تنظيم نفسها، وهذا ما أكدت عليه الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل صريح في تصريحات متعددة، حيث اعتبرت أن تحقيق السلام والاستقرار في منطقة تتسم بالانقسامات العميقة والهشاشة الداخلية يتطلب استخدام أدوات القوة الصلبة والسيطرة الاستراتيجية، سواء عسكرياً، أو اقتصادياً، أو دبلوماسياً، لضمان فرض النظام الجديد وفق المعايير التي تحقق مصالحهما”.
وأردف: “ظهر دور إسرائيل كفاعل إقليمي رئيسي، ومتوافق مع الأهداف الأمريكية، من خلال دعم الهيمنة العسكرية والأمنية، أو عبر المشاركة في صياغة تحالفات إقليمية، وتعزيز مكانتها ضمن النظام الإقليمي الجديد، وهي قوة فاعلة على أرض الواقع في ضبط التحولات السياسية، وتأمين مصالحها، ما يجعلها شريكاً محورياً في المشروع الأمريكي، لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بما يضمن السيطرة والنفوذ طويل المدى، مع استخدام القوة عند الحاجة ، فعندما تعجز القوى السياسية في المنطقة، عن تجاوز أزماتها الداخلية، وحل قضاياها، وتلبي تطلعات شعوبها، وتفتقد النخب والقيادات الوطنية مشروعاً واضحاً يحقق الاستقرار والتنمية، الفراغ السياسي يصبح أرضًا خصبة لتدخل القوى الخارجية”.
وأشار: “لذا، يصبح لزامًا على شعوب المنطقة، ألا تتحجج بالتدخلات الخارجية، والقاء اللوم على القوى الأخرى، وعليها أن تبني مشروعها الوطني الخاص، الذي يحمي مصالحها ويصون حقوقها، وإلا؛ فإن المنطقة ستبقى رهينة لمخططات القوى الكبرى، التي ترى في هشاشة الداخل مدخلاً لإعادة صياغة الواقع وفق مصالحها، بعيدًا عن إرادة الشعوب وأحلامها في الأمن والعدالة والتنمية”.
مشروع الكرد.. الديمقراطي الحل
وفيما يخص قضية استمرار الاقتتال والحروب في الشرق الأوسط على مدى مائة عام الماضية وهل حققت نتائج ملموسة: “لم تحقق الحروب والصراعات نتائج إيجابية ملموسة، بل أسهمت في تعميق الانقسامات، وتفكك البنى السياسية والاجتماعية، وزيادة هشاشة الدولة والمجتمع، وأدت إلى فقدان الثقة بين الشعوب والحكومات، وتزايدت الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية، وتعقيد إدارة الموارد الاقتصادية والاستقرار السياسي، أن إعادة إنتاج نمط الصراع لم ينجح في بناء سلام دائم أو نظام مستقر، بل زاد من حدة التوترات وعقّد فرص الحلول المستدامة”.
وأكد: “بالمقابل، كل ما حدث، فتح المجال أمام حلول ترتكز على السلمية والتعايش وقبول الآخر المختلف، ووفر فرصة لإعادة بناء مجتمع أكثر استقراراً وأمناً، إذ يمكن لمشاريع السلام والحوار والاقتصاد التشاركي، أن تحوّل مصادر النزاع إلى أدوات للتنمية المشتركة، وتخفف من احتمالات الانفجارات الاجتماعية، والسياسية، وتضع أسساً لعلاقات أكثر تعاوناً بين المجتمعات والدول في المنطقة، كما أن التركيز على التنافس الفكري، والاقتصادي، بدلاً من السيطرة والتحكم يتيح تحقيق منافع مشتركة طويلة المدى، بناءً على ذلك، أن اعتماد نهج يركز على التعايش والحوار، وتطوير حلول سلمية يمثل الخيار الأكثر فعالية لتحقيق الاستقرار، وضمان الأمن المجتمعي، وإعادة صياغة بيئة سياسية تسمح بالازدهار والتنمية، بعيداً عن منطق الحروب المستمرة والصراعات المفتوحة التي أثبتت فشلها التاريخي”.
وفي سياق البحث عن حلول سلمية ومستدامة للأزمات في الشرق الأوسط: “يبرز اليوم المشروع الكردي، أو ما يمكن تسميته بالطرح الأوجلاني، “الأمة الديمقراطية”، للقائد عبد الله أوجلان كأحد النماذج التي ترتكز على فكرة السلام، وبناء المجتمع على أسس ديمقراطية شاملة، فالقوى الكردية، في أجزاء كردستان، لم تعد تركز على المطالب القومية التقليدية، بل توسعت رؤيتها لتشمل بناء مجتمع يتعايش فيه الأفراد والجماعات المختلفة، فكرياً ودينياً ومذهبياً وقومياً، مع التأكيد على الحقوق السياسية، والاقتصادية، والثقافية، للجميع، هذا المشروع يمثل تحولاً نوعياً في التعامل مع القضايا الإقليمية، إذ يحاول الابتعاد عن منطق الصراع والاقتتال المستمر، ويعتمد بدلاً من ذلك على الحوار والتفاهم والتعاون، مما يتيح فرصاً حقيقية لإقامة نظام اجتماعي مستقر وآمن”. ولفت: “منهج الأمة الديمقراطية يشدد على التعددية كقيمة محورية، إذ يرى أن قبول الآخر المختلف ضرورة عملية لتأسيس مؤسسات سياسية قوية، ومستدامة، تعكس تنوع المجتمع بدلاً من محاولة طمس الاختلافات بالقوة أو الاستبداد، كما أن هذا المشروع يربط بين العدالة الاجتماعية، والحوكمة، الديمقراطية، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، وهو ما يضعه في موقع متقدم كنموذج يحتذى به في المنطقة، وفي ضوء هذا التوجه، يمثل المشروع الكردي فرصة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية، والمجتمعية، بعيداً عن الهيمنة الخارجية والصراعات المفتوحة، ويبرز أهمية الحلول المستندة إلى التعايش السلمي والحوار الديمقراطي، كأساس لتطوير الشرق الأوسط نحو مستقبل أكثر استقراراً وأمناً”.
أزمات تعترض النظام الدولي
واستطرد: “الحروب في جوهرها دائماً ما تعكس أزمة عميقة في النظام السياسي، أو الاجتماعي، أو الدولي، وكثرة الحروب وتعدد مراكزها وانتشارها الجغرافي، تُعد بمثابة مرآة تعبيرية عن أزمات النظام الدولي نفسه، فالمواجهات المسلحة الراهنة ليست مجرد نزاعات بين دول، أو جماعات، بل تعكس مدى ضعف لفعالية مؤسسات النظام الدولي، وعلى رأسها الأمم المتحدة”.
وأردف: “تبدو المؤسسات الدولية الحالية، عاجزة عن إدارة هذه الأزمات، أو تقديم حلول فعالة لها، فالقوانين، والمواثيق، بدلاً من أن تكون أداة لضبط الصراعات، غالباً ما تصبح أوراقاً نظرية تُصاغ لاحقاً لتبرير نتائج الواقع على الأرض، فالانتصارات والهزائم العسكرية، والتحالفات المتغيرة، والقدرة على التحكم بالموارد، تصبح المعيار العملي لتشكيل القانون والمواثيق الجديدة، لا القواعد الأخلاقية أو القانونية التقليدية”.
واختتم، مسؤول مكتب العلاقات الدبلوماسية في حزب الاتحاد الديمقراطي، بأوروبا فؤاد عمر: “التحول يعكس إزاحة المعايير القانونية عن مركز السلطة، وتحويل القوة الصلبة، إلى أداة رئيسية لإعادة تشكيل النظام الدولي، فالأزمات الراهنة، سواء في الشرق الأوسط، أو في مناطق النفوذ الأخرى، ليست مجرد إخفاقات مؤسساتية، بل تمثل إعادة تعريف لهيكل السلطة العالمية، حيث تصبح القوانين والمواثيق انعكاساً للواقع السياسي والعسكري على الأرض، ويُفرض منطق السيطرة والتحالفات على أي قواعد مسبقة، العالم اليوم يشهد تحولاً نحو واقعية هجومية صارمة، حيث تفرض القوى الكبرى سياساتها ومصالحها بالقوة، ويُعاد تشكيل القانون الدولي بناء على نتائج هذه المواجهات بدلاً من أن يشكل إطاراً يمنعها”.
No Result
View All Result