No Result
View All Result
محمد عيسى
لم تكن التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة المؤقتة في سوريا، أحمد الشرع، في الحادي والثلاثين من آذار 2026، من العاصمة البريطانية لندن، مجرّد مواقف دبلوماسية عابرة أو رسائل سياسية تقليدية، بل بدت أقرب إلى إعلانٍ ضمنيّ عن فشل مسارٍ تفاوضيٍّ ظلّ بعيداً عن الأضواء لأشهر طويلة، وكشف في الوقت ذاته عن حجم التناقض العميق بين ما يجري في الغرف المغلقة، وما يتفجّر في المجتمع السوري من غضبٍ يتّخذ طابعاً تصعيدياً غير مسبوق.
ففي جلسة حوارية داخل تشاتام هاوس، اعترف الشرع بشكلٍ واضح بأن حكومته دخلت في “حوار ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة” مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى اتفاقٍ أمنيٍّ يضمن حماية الأجواء السورية ويحدّ من التوترات المتصاعدة، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بأن هذه المساعي انهارت “في اللحظات الأخيرة” بعد أن “غيّر الجانب الإسرائيلي موقفه”، وفق تعبيره.
غير أن ما لم يُقَل في تلك الجلسة، ربما كان أكثر أهميةً مما قيل. فبالتوازي مع هذا المسار التفاوضي، كانت مدن سورية عدة، من درعا إلى القنيطرة، وصولاً إلى مناطق أخرى في الجنوب، تشهد موجة احتجاجاتٍ واسعة ضد إسرائيل، ترافقت مع رفع أعلام فلسطينية، وإحراق رموز إسرائيلية، وهتافات تصعيدية، ما طرح تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين السلطة والشارع، وحول ما إذا كانت هذه التحركات عفوية بالفعل، أم أنها جزء من إدارةٍ سياسية مدروسة للضغط والتفاوض.
مفاوضات على حافة الانفجار
منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، لم تدخل سوريا مرحلة انتقالٍ سياسي تقليدي كما كان يُروَّج، بل انزلقت سريعاً إلى مسار إعادة تموضع إقليمي شديد التعقيد، تداخلت فيه الحسابات الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والانفتاح الدبلوماسي الحذر. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2025، كثّفت السلطة الجديدة تحركاتها باتجاه العواصم الغربية، محاولةً كسر العزلة التي استمرت لأكثر من عقد، وإعادة تقديم نفسها كشريكٍ قابل للتعامل، خاصة في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق تحديداً، بدأت تظهر منذ أيار 2025 إشارات أولية إلى وجود قنوات تواصل غير معلنة مع إسرائيل، جرى فتحها عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين، في مسارٍ بقي بعيداً عن الإعلام، لكنه كان نشطاً على نحوٍ لافت.
وبحسب تقديرات دبلوماسية متقاطعة، فإن ما لا يقل عن ست جولات تفاوض غير مباشرة عُقدت بين تموز 2025 وشباط 2026، توزعت بين عواصم أوروبية ومنصات أمنية مغلقة، وتركّزت بشكل رئيسي على ملفين حسّاسين: الأول يتعلق بالأمن الجوي السوري، حيث سعت دمشق إلى الحصول على تفاهمات واضحة تحدّ من وتيرة الضربات الإسرائيلية التي تجاوز عددها، وفق إحصاءات غير رسمية، 25 غارة خلال النصف الثاني من عام 2025 وحده. أما الملف الثاني، فتمحور حول ترتيبات الجنوب السوري، ولا سيما في محافظتي درعا والقنيطرة المحاذيتين لخط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان، حيث طُرحت مقترحات تتعلق بإعادة ضبط الانتشار العسكري، وتقليص الاحتكاك المباشر، وإنشاء آليات مراقبة غير معلنة.
غير أن العقدة الأكثر تعقيداً برزت مع دخول المفاوضات مرحلتها المتقدمة مطلع كانون الثاني 2026، حين طرحت دمشق، عبر وسطاء، تصورات أولية تتضمن ضمانات مرتبطة بإعادة النظر في وضع الجولان، سواء عبر انسحاب تدريجي محدود، أو ترتيبات سيادية مؤجلة زمنياً. هذا الطرح، الذي اعتبرته إسرائيل مساساً بخطوطها الحمراء، قوبل برفضٍ حاسم، ما أدى إلى تجميد إحدى الجولات في شباط 2026، قبل أن تصل المفاوضات إلى ما وصفه دبلوماسيون بـ”نقطة التماس الأخيرة” في منتصف آذار 2026، حيث انهار المسار بالكامل، وهو ما انعكس لاحقاً في تصريحات أحمد الشرع من لندن، حين أقرّ ضمنياً بأن الاتفاق كان قريباً، لكنه سقط في اللحظات الأخيرة.
احتجاجات الجنوب بين التحريض والتوجيه
في الأسبوع الأخير من آذار 2026، أي بالتزامن تقريباً مع انهيار المسار التفاوضي، شهدت محافظتا درعا والقنيطرة، إضافة إلى مناطق أخرى، ما يزيد عن 18 فعالية احتجاجية خلال خمسة أيام فقط، بحسب تقديرات ناشطين محليين. هذه الاحتجاجات، التي شارك فيها آلاف الأشخاص، لم تكن مجرد تعبيرٍ تضامني مع الأسرى الفلسطينيين ورفض قانون “إعدام الأسرى” الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي، بل حملت رسائل سياسية واضحة، من خلال:
رفع شعارات تصعيدية مباشرة ضد إسرائيل.
إحراق أعلام إسرائيلية بشكل علني.
الدعوة إلى “المقاومة” ورفض أي مسار تطبيع.
غير أن اللافت في هذه التحركات لم يكن حجمها فقط، بل توقيتها وتنظيمها، حيث أشارت مصادر محلية إلى دورٍ بارز للعشائر في حشد المشاركين، وهو ما يعيد طرح فرضية أن هذه التحركات لم تكن عفوية بالكامل، بل جرى توجيهها أو على الأقل استثمارها سياسياً.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن الحكومة السورية الجديدة قد تكون استخدمت الشارع كورقة ضغط في مواجهة إسرائيل، في محاولة لتحسين شروط التفاوض، أو للرد على فشل المحادثات، عبر إرسال رسالة مفادها أن “البديل عن الاتفاق هو التصعيد الشعبي وربما الأمني”.
لم تمر هذه المشاهد دون ردود فعل داخل إسرائيل، حيث انتشرت مقاطع الفيديو القادمة من الجنوب السوري بشكل واسع على منصات التواصل، وأثارت حالة من القلق داخل الأوساط السياسية والإعلامية.
وبحسب رصد لمنصات إسرائيلية خلال الفترة بين 28 و31 آذار 2026، فقد تم تداول أكثر من 120 مقطع فيديو يوثق الاحتجاجات في سوريا، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بالسنوات السابقة. هذا القلق سرعان ما تحوّل إلى دعوات صريحة للتصعيد، حيث دعا بعض المعلقين إلى “احتلال درعا” أو تنفيذ عمليات عسكرية استباقية داخل الأراضي السورية، بذريعة أن ما يجري يعكس “طبيعة الدولة السورية الجديدة” وتموضعها العدائي.
ورغم أن هذه الدعوات لم تتحول إلى قرارات رسمية حتى الآن، إلا إنها تعكس مستوى التوتر المتصاعد، وتفتح الباب أمام احتمالات خطيرة، خاصة في ظل غياب أي قنوات اتصال فعالة بعد انهيار المفاوضات.
ازدواجية المسار السوري
التصريحات التي أدلى بها أحمد الشرع من لندن في 31 آذار 2026 لم تكن مجرد مواقف سياسية قابلة للتأويل، بل عكست بنية خطاب مزدوجة تكاد تختصر طبيعة المرحلة التي تعيشها السلطة الجديدة في دمشق. فمن جهة، جاء التأكيد الحاسم بأن “السلام والتطبيع ليسا مطروحين حالياً”، في محاولة لامتصاص أي رد فعل داخلي قد يُفسَّر على أنه تنازل سياسي، ومن جهة أخرى، لم يتردد في الإقرار بأن الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل “أمر لا مفر منه”، وهو تصريح يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بوجود مسار واقعي لا يمكن تجاهله مهما تصاعدت الشعارات.
هذه الازدواجية لا يمكن فصلها عن شبكة الضغوط المتداخلة التي تحيط بالقرار السياسي السوري منذ مطلع عام 2025. فعلى المستوى الداخلي، يبرز مشهد اجتماعي شديد الحساسية، حيث تُظهر التقديرات أن أكثر من 70% من المزاج الشعبي، خاصة في مناطق الجنوب، يتبنى موقفاً رافضاً لأي شكل من أشكال التقارب مع إسرائيل، وهو ما انعكس بوضوح في موجة الاحتجاجات التي تصاعدت خلال الأسبوع الأخير من آذار، وبلغ عدد فعالياتها ما يقارب 15 تحركاً خلال أربعة أيام فقط. هذا المزاج لا يشكّل مجرد رأي عام، بل يتحول تدريجياً إلى عنصر ضغط فعلي يصعب على أي سلطة تجاهله أو القفز فوقه.
في المقابل، تواجه دمشق ضغوطاً خارجية لا تقل تعقيداً، خصوصاً من الدول الغربية التي تربط، بشكل غير مباشر، أي انفتاح اقتصادي أو دعم لإعادة الإعمار بمدى استعداد السلطة الجديدة للانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية، تشمل تخفيف التوتر مع إسرائيل. وتشير معطيات دبلوماسية إلى أن ما لا يقل عن ثلاث رسائل سياسية وصلت إلى دمشق خلال شباط وآذار 2026، حملت إشارات واضحة إلى ضرورة “ضبط الجبهة الجنوبية” كمدخل لأي مسار تعاون مستقبلي.
ضمن هذا التوازن الدقيق، تبدو الاحتجاجات الشعبية وكأنها تُستخدم – أو يُسمح لها بالتصاعد – كأداة مزدوجة الوظيفة: فهي من جهة تمنح السلطة هامشاً للمناورة أمام الخارج، عبر الإيحاء بأن القرار الداخلي مقيّد بإرادة الشارع، ومن جهة أخرى تتيح لها الحفاظ على خطاب سياسي متشدد ينسجم مع المزاج العام. إلا إن هذه المعادلة تبقى محفوفة بالمخاطر، لأن اللعب على حافة التناقض قد يؤدي في أي لحظة إلى فقدان السيطرة، خاصة إذا ما تحولت هذه التحركات من أوراق ضغط إلى ديناميات مستقلة تفرض إيقاعها الخاص على الأرض.
سيناريوهات محتملة
مع دخول نيسان 2026، تقف سوريا أمام مفترق طرق حاسم، يمكن تلخيص ملامحه في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1ـ سيناريو التهدئة المؤقتة:
في هذا السيناريو، يتم احتواء التصعيد الحالي، سواء عبر وساطات دولية أو إعادة فتح قنوات الاتصال غير المباشرة، ما يؤدي إلى تجميد التوتر دون حله.
2ـ سيناريو التصعيد المحدود:
قد تشهد المرحلة المقبلة ضربات إسرائيلية محدودة داخل الأراضي السورية، رداً على ما تعتبره “تهديدات متصاعدة”، دون أن يتطور الأمر إلى حرب شاملة.
3ـ سيناريو الانفجار الكبير:
وهو السيناريو الأخطر، حيث يؤدي تراكم التوترات، وفشل المسارات السياسية، وتصاعد التحركات الشعبية، إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد إلى مناطق واسعة، وتعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة. ما يجري اليوم في سوريا لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة، بل هو نتاج تداخل معقد بين مسارات سياسية وأمنية وشعبية، تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: العلاقة مع إسرائيل. فبين مفاوضاتٍ سرية كادت أن تصل إلى اتفاق، وشارعٍ يغلي بالرفض، وسلطةٍ تحاول إدارة التناقضات، تبدو سوريا وكأنها تتحرك على حافة توازنٍ دقيق، قد ينهار في أي لحظة. وفي ظل غياب رؤية واضحة، واستمرار استخدام أدوات الضغط المتبادلة، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل ستنجح دمشق في إعادة ضبط هذا المسار، أم أن البلاد تُدفع تدريجياً نحو مواجهةٍ لا تريدها… لكنها قد لا تستطيع تجنبها؟
No Result
View All Result