No Result
View All Result
الحسكة/ رغد محمد – لم يعد وضع النساء في إيران يقرأ ضمن إطار التمييز الاجتماعي أو القانوني فحسب، بل بات يمثل نموذجاً صارخاً للقمع البنيوي المركّب، حيث تتداخل أدوات الدولة الأمنية والقضائية والدينية لإنتاج منظومة متكاملة تستهدف النساء وخاصة الناشطات والصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان.
ومع تصاعد التوترات والحرب في المنطقة خلال عام 2026 لجأ النظام الإيراني إلى توظيف هذه الظروف كغطاء لتشديد قبضته الأمنية، ما أدى إلى تصاعد غير مسبوق في الاعتقالات والانتهاكات خصوصاً بحق النساء اللواتي شكّلن العمود الفقري للاحتجاجات.
القمع سياسة دولة
تاريخياً، اعتمدت السلطات الإيرانية على سياسات الضبط الاجتماعي لضبط سلوك النساء، خاصة بقوانين الحجاب الإجباري، لكن منذ احتجاجات 2022، تحوّل هذا الضبط لاستهداف سياسي مباشر، حيث خلفت هذه الاحتجاجات الكثير من القمع وآلاف المعتقلين والنسبة الكبيرة من النساء.
وبعد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد آنذاك، تعرضت النساء للاستهداف الممنهج خاصة بحق الصحفيات والحقوقيات حتى شملت اعتقال نساء لمجرد نشاطهن على وسائل التواصل الافتراضي، مع توسيع تعريفات عدة أبرزها “الجرائم ضد الأمن القومي” ليشمل النشاط النسوي.
هذا التحول يعكس خشية النظام من الدور القيادي المتنامي للنساء، في الحراك الشعبي، وتمر النساء المعتقلات في إيران بسلسلة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة الاعتقال من خلال استخدام العنف الجسدي والضرب والاعتقال التعسفي دون مذكرات قانونية، احتجاز في أماكن سرية، الضغط النفسي الشديد، والتهديد بالاعتداء أو استهداف أفراد العائلة وكل ما سبق لترهيب النساء وسلب حقوقهن.
ويشكّل التعذيب الممنهج أبرز الأدوات التي تعتمدها السلطات الإيرانية في التعامل مع النساء المعتقلات، حيث لا يقتصر الأمر على الانتهاكات الجسدية، بل يتعداه إلى أساليب نفسية معقّدة تهدف إلى كسر الإرادة، ويبرز في هذا السياق ما يعرف بـالتعذيب الأبيض وهو نمط من التعذيب النفسي، يعتمد على العزل الانفرادي لفترات طويلة، والحرمان من الضوء الطبيعي، ومنع التواصل مع العالم الخارجي إلى جانب فرض حالة من الصمت القسري.
الانتهاكات بحق النساء
ولا تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، إذ تشير تقارير حقوقية إلى ممارسات إضافية، من بينها الحرمان المتعمد من العلاج، والإهمال الطبي كوسيلة ضغط فضلاً عن التعذيب النفسي عبر الإهانات والتحقير، وهي أساليب تُستخدم لإخضاع المعتقلات ودفعهن إلى الاعتراف أو التراجع عن مواقفهن. كما تشير الإحصائيات الحقوقية إلى تصاعد مقلق في حجم الانتهاكات بحق النساء في إيران، فتم توثيق نحو 320 حالة انتهاك خلال عام واحد، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والحرمان من الحقوق الأساسية، وكما سُجل مقتل ما لا يقل عن 110 نساء خلال فترة قصيرة، في مؤشر على تفاقم العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وعلى صعيد الإعدامات، تم تنفيذ أحكام بحق 34 امرأة خلال عام 2024، إضافة إلى 13 امرأة خلال الأشهر الأولى من عام 2025، في سياف آخر حصلت 1000 عملية إعدام خلال عام 2025، أما في عام 2026، فتشير المعطيات الأولية لاستمرار هذا التصاعد مع تسجيل حالات إعدام واعتقال جديدة بحق نساء ناشطات، إلى جانب تزايد استخدام الاحتجاز والتضييق الأمني، خاصة في ظل استمرار التوترات السياسية.
وفي سياق الاحتجاجات، تجاوز عدد المعتقلين 53 ألف شخص بينهم عدد كبير من النساء، ما يعكس استخدام الاعتقال والإعدام كأدوات ممنهجة لقمع الحراك، ولا سيما الأصوات النسوية المعارضة، وتكشف عدد من القضايا الفردية حجم هذه الانتهاكات، حيث تحولت بعض الأسماء إلى رموز عالمية من بينهن “نرجس محمدي”، التي اعتُقلت مرات عدة بسبب نشاطها الحقوقي، وتعرضت للضرب والحرمان من الرعاية الطبية داخل السجن.
وكذلك برزت قضية “نسرين ستوده”، التي واجهت أحكاماً قاسية لدفاعها عن النساء الرافضات للحجاب الإجباري، إضافة إلى “سبيده قليان” التي اعتُقلت بسبب تغطيتها للاحتجاجات وتعرضت للتعذيب، وصولاً إلى قضية “ريحانة جباري” التي أُعدمت بعد محاكمة أثارت جدلاً واسعاً لتصبح رمزاً لغياب العدالة.
وفي سياق أكثر خطورة، يبرز تصاعد استخدام عقوبة الإعدام كأداة للقمع، حيث تشير المعطيات إلى تنفيذ أحكام بحق عشرات النساء خلال السنوات الأخيرة، غالباً استناداً إلى تهم فضفاضة، وتظهر هذه الحالات غياب المعايير الدولية للمحاكمات العادلة خاصة مع تسجيل اعتماد بعض الأحكام على اعترافات منتزعة تحت التعذيب، ما يعزز من استخدام الإعدام كوسيلة ردع سياسي تستهدف الناشطات والمحتجات.
ولا يقتصر القمع على داخل السجون بل يمتد إلى المجتمع، حيث تواجه النساء أشكالاً متعددة من العنف والتمييز من بينها ارتفاع معدلات قتل النساء، ووجود ثغرات قانونية تقلل من حمايتهن إضافة إلى قيود مفروضة على حرية اللباس والتنقل والعمل، وقد سُجلت خلال السنوات الأخيرة مئات الحالات المرتبطة بجرائم “الشرف” وسط تساهل قانوني مع مرتكبيها في بعض الأحيان.
النساء فاعلات أساسيات في التحول الديمقراطي
وفي ظل التوترات والحروب، يتخذ القمع بعداً أكثر تعقيداً، إذ يتم استغلال الوضع الأمني لتبرير حملات الاعتقال وتقييد الإنترنت، ما يحد من إمكانية توثيق الانتهاكات، كما سجلت حالات نقل سجناء إلى أماكن مجهولة وتصاعد في ظاهرة الاختفاء القسري، إلى جانب حملات إعلامية تهدف إلى تشويه صورة الناشطات واتهامهن بالارتباط بجهات خارجية.
ورغم هذه الظروف تواصل النساء في إيران لعب دور محوري في مواجهة هذا الواقع من خلال قيادة الاحتجاجات وتنظيم الحملات الحقوقية، في محاولة لكسر القيود الاجتماعية والسياسية وقد تحوّل شعار Jin, Jiyan, Azadî””، “المرأة، الحياة، الحرية” إلى تعبير جامع عن هذا الحراك، متجاوزاً الحدود ليصبح رمزاً عالمياً للنضال من أجل الحقوق والحريات.
وبهذا يتبين أن المرأة تمثل تحدياً رمزياً وثقافياً للأيديولوجيا الحاكمة، كما أن حضورها الفاعل في المجتمع يمنحها قدرة على تحريك المجتمع والتأثير في مسار التغيير، ما يدفع السلطات إلى استهدافها بشكل مباشر في محاولة لاحتواء أي حراك معارض.
وفي المحصلة تكشف هذه الوقائع سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة وتفكيك الحركات الاحتجاجية وفرض نموذج قسري، ومع ذلك تظهر النساء الإيرانيات بوصفهن فاعلات أساسيات في مواجهة هذا الواقع، حيث انتقلن من موقع الضحية إلى موقع المبادرة في مسار مستمر نحو الحرية والعدالة.
No Result
View All Result