No Result
View All Result
حمزة حرب
تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران هزت الاقتصاد العالمي وأصابت قطاعاتٍ حيوية حول العالم إذ دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع وقلصت إمدادات المواد الخام الأساسية، ما أحدث تأثيراً على قطاع المال والأعمال حول العالم كما توقفت حركة الطيران في خطوط النقل الجوي المزدحمة في الخليج وزادت أسعار النفط والغاز المرتفعة من التكاليف على الشركات، ما يهدد هوامش أرباحها ويثير مخاوف صانعي السياسات والمستثمرين من موجة تضخم جديدة.
اتساع رقعة الصراع بين أمريكا وإسرائيل من طرف وإيران من طرفٍ آخر تسببت في إصابة حركة النقل الجوي والبحري الرئيسية في الشرق الأوسط بالشلل وتراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس نفط العالم، إلى حد قريب من التوقف التام، بعد أن ردت إيران بضربات بالطائرات المسيرة على الهجمات التي تعرضت لها وهو ما تأثرت به دول العالم وفي مقدمتها أوروبا التي لا تزال تتعافى من أزمة الطاقة التي شهدتها عام 2022 ليصبح الضرر بالغا بالنسبة للصناعات التي تستهلك الطاقة بشكل مكثف مثل الصناعات الكيميائية.
انهيارٌ متسارع للاقتصاد
لم يكن إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز بشكلٍ كامل نبأً عادياً يمر مرور الكرام بل اهتزت شاشات التداول في بورصات طوكيو ولندن ونيويورك على وقع هذا النبأ ولم تكن الحواسيب قد تدربت على استيعابها بعد خصوصاً الهجمات التي استهدفت

المنشآت الحيوية حينها طالت أكبر منشآت التكرير في المنطقة.
سعر برميل النفط “خام برنت” قفز في لحظاته الأولى من 75 دولاراً إلى 120 دولاراً، في أسرع وتيرة صعود في تاريخ الصناعة النفطية وكانت تلك الرصاصة الأولى في “حرب اقتصادية” التي لم ترحم أحداً، من المصانع الكبرى في الصين، وصولاً إلى تدفئة المنازل في فرنسا وبروكسل. فمضيق هرمز هو الورقة التي قلبت موازين الحرب عندما حولتها طهران من ورقة اقتصادية الى عسكرية وسياسية فالمضيق لم يكن ممراً عادياً فيعبر من خلاله قبل اندلاع الحرب ما يقرب من 21 مليون برميل نفط يومياً، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي.
فبإعلان طهران “إغلاق المضيق” رداً على الضربات التي تعرضت لها، لم تكن تغلق ممراً مائياً فحسب، بل كانت تضع خناقاً على عنق التجارة الدولية فالمشكلة ليست في فقدان النفط فقط، بل في حالة الرعب لأن التأمين على الناقلات ارتفع بنسبة 400% في ليلة واحدة، ما جعل الإبحار في الخليج مخاطرة انتحارية خصوصاً مع كم الألغام البحرية التي زرعتها طهران في مياه المضيق.
ناهيك عن ان إسرائيل دخلت هذه المواجهة وهي تعاني أصلاً من تبعات حروب استنزاف طويلة، حيث تشير التقديرات إلى أن تكلفة اليوم القتالي الواحد في هذه المواجهة المباشرة تجاوزت 300 مليون دولار ومع استهداف حقول الغاز في المتوسط تحولت إسرائيل من مصدر للطاقة إلى دولة تبحث عن تأمين احتياجاتها الأساسية تحت ضغط القصف مما أدى لرفع عجز الميزانية إلى مستويات قياسية بلغت أكثر من 7.8%.
في المقابل تعاملت طهران بسياسة الأرض المحروقة اقتصادياً مع تدمير أجزاء من بنيتها التحتية النفطية، فقدت الدولة مصدر دخلها الوحيد تقريباً فالتضخم داخل إيران خرج عن السيطرة ليتجاوز 120% وتحولت الأسواق الشعبية إلى ساحات للمقايضة بعد انهيار القوة الشرائية للعملة المحلية. أما واشنطن لم تكن الحرب مجرد التزام عسكري تجاه حليف، بل كانت كابوساً سياسياً واقتصادياً فالولايات المتحدة التي دخلت الحرب تحت شعار الضربة الخاطفة السريعة معولة باغتيالها المرشد علي خامنئي على انهيار النظام في ساعاته الأولى وهي حسابات أثبتت فشلها بعد ان أرغم النظام كل الأطراف على الدخول في حرب طويلة الأمد فباتت واشنطن تحاول جاهدة الهبوط باقتصادها بسلام بعد موجة تضخم عالمية، إلا أنها وجدت نفسها مضطرة لضخ مليارات الدولارات في مساعدات طوارئ عسكرية. لكن؛ الأزمة الحقيقية كانت في محطات الوقود داخل أمريكا بعد أن ارتفعت أسعار البنزين إلى مستويات غير مسبوقة وهو ما هدد السلم الاجتماعي وأربك حسابات البنك الفيدرالي، الذي وجد نفسه مضطراً لرفع الفائدة مجدداً مما زاد من شبح الكساد الكبير.
العالم يعاني والنفط ليس المعضلة الوحيدة
لا تقتصر ارتدادات الحرب الاقتصادية بتأثيراتها على العالم على ملف النفط فقط فمنطقة الصراع تعد مركزاً لوجستياً يربط الشرق بالغرب حيث أن توقف الملاحة في المنطقة أجبر السفن على الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف 14 يوماً من التأخير وزيادة ضخمة في تكاليف الشحن. إلى جانب توقف إمدادات بعض الغازات النادرة المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات ما هدد مصانع السيارات والإلكترونيات في أوروبا وأمريكا بالتوقف هذا غير أن المنطقة ورغم أنها ليست سلة غذاء عالمية، إلا أن ارتفاع أسعار الأسمدة المعتمدة على الغاز أدى إلى قفزة في أسعار الحبوب عالمياً، مما أنذر بمجاعة في الدول الأكثر فقراً.
فالحرب بين إيران من جانبٍ وأمريكا وإسرائيل من جانب آخر ليست مجرد صراع حدود أو نفوذ بل إنها زلزال هيكلي أعاد تعريف الاقتصاد العالمي فأسقطت هذه الحرب عن المجتمع الدولي ورقة التوت وعرت الهيمنة العالمية من خلال خنق مضيق هرمز والهيمنة عليه فبات العنوان متمثلاً بإنهاء عصر الطاقة الرخيصة والعولمة السلسة.
فكل مناحي الحياة تعاني من اضطرابات متراكمة نتاج هذه الحرب فالشحن البحري على المواد الصناعية المتخصصة مثل الكبريت كما أجبرت هذه الخطوة كبريات شركات إنتاج الألمنيوم على تفعيل بند القوة القاهرة بشكلٍ كبير استجابة للصراع فضلاً عن توقف الشحنات في كبريات شركات إنتاج وتصنيع الألمنيوم في الشرق الأوسط بسبب تعذر نقلها للمعدن عبر مضيق هرمز.
وتمثل منطقة الخليج نحو ثمانية بالمئة من إمدادات الألمنيوم على مستوى العالم وهو ما أسفر عن ارتفاع أسعار الألمنيوم في بورصة لندن للمعادن بشكلٍ كبير بعد انتشار هذه الأنباء كما أن ضربات الطائرات المسيرة التي ألحقت أضراراً بعدد من مراكز بيانات أمازون في الإمارات والبحرين أثارت تساؤلات حول سلاسل توريد التكنولوجيا ووتيرة توسع شركات التكنولوجيا الكبرى في المنطقة.
ومع تراجع حوافز المخاطرة في الأسواق الفورية عانت أسواق المال الخليجية من تقلبات نزولية حادة في ظل تراجع معنويات المستثمرين المحليين والدوليين على حدٍّ سواء وهو ما شكل عامل ضغطٍ مضاعف على خزان الاقتصاد في المنطقة كما أثر ذلك على أسواق الأصول المشفرة حيث انخفضت قيمة بيتكوين وغيرها من الأصول الرقمية بشكلٍ حادّ بعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب أهداف في جميع أنحاء إيران يوم السبت.
وقد انخفض سعر بيتكوين بنسبة تزيد عن 3.8% وقد مُحيت قيمة سوقية تُقدَّر بنحو 128 مليار دولار من الأصول الرقمية في أعقاب هذه الأخبار مباشرة ليبقى تأثير هذه الحرب التي تتوقف عليها أمور كثيرة مسألة شديدة الغموض، حتى وإن لمس كثيرون إن ترامب لا يريد حرباً طويلةً ومكلفة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر تشرين الثاني لكن إيران مصرّة على خيار الاستنزاف.
فالعالم اليوم يقف أمام حقيقة مريرة وهي أن تكلفة السلام مهما بلغت تظل زهيدة أمام فاتورة حرب شاملة في قلب خزان الطاقة العالمي وهو ما تحاول طهران أن تبرهنه للمجتمع الدولي وبينما يحاول الدبلوماسيون إيجاد مخرج، تظل الأسواق العالمية تحبس أنفاسها مع كل صاروخ ينطلق لأن كل انفجار في الشرق الأوسط يتردد صداه في جيوب البشر من طوكيو وباريس وصولاً إلى نيويورك.
حسابات الربح والخسارة
ومع تزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي بفعل أزمة الإمدادات العالمية من الطاقة وغيرها وسط مخاوف من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو سيما وأن التداعيات طالت مجموعة السبع لا سيما ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا واليابان إضافةً إلى الاقتصادات الناشئة مثل الهند وتركيا ودول الخليج وبعض الدول ذات الاقتصاد الهش كمصر وسريلانكا وباكستان.
تبقى هناك دول مستفيدة أو غير متضررة وهي الدول المُصدرة للطاقة بعيداً عن منطقة الصراع مثل النرويج والبرازيل وكندا، حيث شهدت طفرة في المداخيل كما انتعشت شركات السلاح الكبرى التي سجلت أسهمها ارتفاعات تاريخية في ظل هذه الحرب التي باتت سوقاً إضافية لها.
بينما من أشد الخاسرين هي القارة الأوروبية، حيث وجدت نفسها بين فكي كماشة متثملةً في نقص الطاقة من الشرق روسيا واشتعال النيران في الجنوب الشرق الأوسط فألمانيا يعتمد اقتصادها بشكلٍ كبير على قطاع الصناعة، ما يجعلها من أكثر الدول عرضة لارتفاع تكاليف الطاقة.
وتوقف انكماش قطاع التصنيع الألماني للمرة الأولى منذ عام 2022 لكن اعتمادها على التصدير يزيد من تأثرها بأي تباطؤ في الاقتصاد العالمي ويسهم برنامج التحفيز الضخم الذي أعلنته ألمانيا العام الماضي في امتصاص جزء من الصدمة لكن قدرتها محدودة على تقديم دعم إضافي نظراً للعجز المتوقع في الميزانية في السنوات القادمة.
بينما بريطانيا يعتمد إنتاجها من الكهرباء على المحطات التي تعمل بالغاز أكثر من الاقتصادات الأوروبية الكبرى الأخرى وغالباً ما يحدد سعر الغاز سعر الكهرباء وارتفع الغاز بوتيرة أسرع من النفط منذ اندلاع الحرب بسبب التأثيرات المباشرة على الغاز القطري ويُتوقع أن يخفف تحديد سقف لأسعار الطاقة الأثر التضخمي الأولي لكن الخطر يكمن في أن يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة مما قد يُبقي تكاليف اقتراض بريطانيا عند مستويات مرتفعة لفترة أطول وسط ضغوط مالية عامة وأسواق سندات تحد من قدرتها على دعم الأسر والشركات.
بينما اليابان فهي الأخرى تقع في دائرة الخطر إذ تستورد نحو 95% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط ويمر ما يقرب من 90% من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز ويضاف إلى ذلك الضغوط التضخمية القائمة بسبب ضعف عملتها الين التي تنعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية نتيجة اعتماد اليابان الكبير على المواد الخام المستوردة.
أما دول الخليج التي تقع في عين العاصفة وباتت ساحة لهذه الحرب تتلقى ضربة اقتصادية مباشرة إذ يتوقع محللون أن ينكمش اقتصادها هذا العام بعد توقعات سابقة بتحقيق نمو قوي كما أن ارتفاع أسعار النفط والغاز كثيرًا لا يساعد في حال الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز دون وصول صادرات النفط والغاز، خاصة من الكويت وقطر والبحرين، إلى الأسواق الدولية.
بينما الهند التي تعتبر من الاقتصادية المعرضة للخطر هي الأخرى تعاني من انهيار متسارع بالنظر لأنها تستورد نحو 90% من احتياجاتها من النفط الخام ونصف احتياجاتها من غاز البترول المسال ويمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من نصف إمدادات النفط وحصة أكبر من صادرات غاز البترول المسال.
وعلى أي حال استطاعت إيران أن تستثمر بورقة مضيق هرمز واستهداف المنشآت الاقتصادية لتحول الحرب من عسكريةٍ الى اقتصادية أكثر فتكاً ووطأة على دول العالم باتباعها خيار شمشون “علي وعلى أعدائي” وهذا يسلط الضوء على واقع الاقتصاد العالمي الذي أصيب في مقتل نتيجة المواجهات العسكرية الحالية ووضع مستقبل الاقتصاد العالمي في ضبابية كبيرة لا يمكن توقع نتائجها ومآلاتها.
No Result
View All Result