No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
عرف الأدب العربي على امتداد عصوره أمثلة جمّة بكل أشكال التواصل الإنساني والقيم الموروثة التي شكّلت مخزوناً عظيماً لكل الشعوب في كل زمان ومكان، ولم تخلُ عصور الأدب ومدوّناته من القصص التي حملت في طيّاتها عبراً راسخة لاسيما في بلاد الأندلس التي عرفت أول حالة تبادل ثقافي مباشر في التاريخ، وبدت آثاره جليّة على الأدب الإنساني بكافة أشكاله وأجناسه وأقوامه.
شهد العصر الأندلسي توهّجاً ثقافياً فاصلاً في تاريخ الأدب، فصار ما بعده مختلفاً عما قبله، وظلّت آثاره واضحة إلى يومنا هذا، لتشمل أغراضه الغزل والحب والفخر والوقوف على الأطلال حتى سقوط غرناطة بعد ذلك، تاركاً هذا الأدب إرثاً إنسانياً كبيراً، ومن القصص التي تخلّدت بالشعر العربي حكايات الصداقة التي أقامت ممالكاً وأنهتها، فلم تكن تجد ملكاً أو أميراً آنذاك لا يجيد كتابة الشعر أو فهمه لأن الشعر كان لغة الإعلام والحربة الأولى التي تدافع عن قبيلة أو مجتمع أو مملكة، وكان تجسيداً لجميع الحالات الإنسانية.
المعتمد وابن عمار
المعتمد بن عبّاد ملك إشبيلية ووزيره الشاعر ابن عمار يمثّلان واحدة من أشهر علاقات الصداقة والصراع في التاريخ الأندلسي، بدأت بصداقة وثيقة وأدب رفيع، من لقاء عفوي جمع محمّد بن عبّاد “المعتمد” بابن عمّار أبو بكر” في مدينة “شِلب” القريبة من إشبيلية حاضرة ملك آل عبّاد وذلك في مرحلة الصّبا، وكان ابن عمار قبل ذلك رجلاً فقيراً مغموراً لا يملك قوت يومه فقط يملك شعره وطموحاً كبيراً يجعله يتّصف بالجنون عند القريبين منه. علم ابن عمار المكان الذي يرتاده الأمير محمد بن عباد في الوقت الذي كان يحكم إشبيلية أبوه المعتضد الملك الذي يوصف بالبطش والجبروت، وربما أن ما دفع ابن عمار لاعتراض طريق الأمير الشاب محمد ولد المعتضد؛ طموح جامح وثقة كبيرة بما يملك من أدب رفيع يجعله ملكاً أو وزيراً وينتشله من قاع العوز الذي كان يعيشه، أكثر من أنه كان بريد صحبة الأمير لأدبه وشعره، فالتقى الرجلان على ضفاف أحد أنهار أشبيلية والذي يمر بهذه المدينة الصغيرة التي نكّلت بابن عمار منذ أن أبصر الدنيا، واحتقره بائع الأعلاف ذاك الذي قصده للحصول على حنطة لبغلته وهو لا يملك ثمن الحنطة، فعرض على البائع أن يمدحه بقصيدة وقبل البائع، وحين سمعها استكثر بأبياتها الحنطة فاستبدلها بالشعير مستهزئاً بابن عمار الذي راح يحقد على الدنيا ويتقد في قلبه وعقله حب السلطة والمال لينتقم منهم جميعاً في مرحلة الملك.
نجح ابن عمار باستمالة المعتمد فأصبحا يطيلان الصحبة وتبادل أبيات الشعر، ومن الحوادث الطريفة يقول “ركب المعتمد في بعض الأيام قاصداً الجامع، والوزير أبا بكر ابن عمار يسايره، فسمع أذان مؤذن، فقال المعتمد:
هذا المؤذن قد بدا بأذانه
فقال ابن عمار:
يرجو بذاك العفو من رحمانه
فقال المعتمد:
طوبى له من شاهد بحقيقة
فقال ابن عمار:
إن كان عقد ضميره كلسانه”
مرحلة الخصومة
نشأت مودّة كبيرة بينهما جعلت ابن عمار المغمور وزير المعتمد عندما خلف أباه المعتضد بإمارة إشبيلية وقرطبة أكبر ممالك الأندلس ومرسية التي استقل بها ابن عمار حين ولاه المعتمد أميراً عليها لتنقلب المودة خصومة وجفاء أشعلا حروباً ووصل الأمر بابن عمار لهجاء صديقه وخله وملكه المعتمد وقصف عرضه بشعره حين تعرّض لزوجة المعتمد اعتماد الروميكية بقصيدة شهيرة يقول فيها أبو بكر بن عمار:
“ألا حيّي بالغرب حياً حلالاً
أناخوا جمالاً وحازوا جمالا
وعرّج بيومين “أم القرى”
ونم فعسى أن تراهـا خيـالا”
تخيرتها من بنـات الهجان
رمكية ما تساوي عقـالا
فجاءت بكل قصير العذار
لئيم النجارين عماً وخالا
قصـار القـدود ولكنهـم
أقامـوا عليها قروناً طـوالا
سأهتك عرضك شيئاً فشيئاً
وأكشف سترك حـالاً فحالا”.
حزن ابن عبّاد حزناً شديداً لما آل إليه أمر صديقه من خيانة العهد والتنكر للصداقة وقال:
“أما إنه لو تعرّض لي لعفوت عنه بحق الأيام السالفة، ولكنه تطاول على أولادي وزوجتي:
جراحات اللسـان لها التئام
ولا يلتأم ما جرح اللّسان”.
طغى طموح ابن عمار، وتزيّا بزي الملوك، واختلف مع المعتمد، وسخر منه هجاءً، فأسره المعتمد وقتله بيده في حادثة مشهورة، بعد أن جاء به مقيّداً، وجلس إليه يعاتبه فيما مضى لنتتهي قصّة “الصديق العدو” التي تركت إرثاً أدبياً كبيراً سلّطنا الضوء على جانب طفيف منها.
سيرة المعتمد ونهايته
كانت فترة أبو القاسم محمد بن عباد المعتمد بين (431 هـ – 488 هـ / 1040 – 1095م) وهو ثالث وآخر ملوك بني عَبَّاد في الأندلس، وابن أبي عمرو المعتضد حاكم إشبيلية، كان ملكاً لإشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف قبل أن يقضي على إمارته المرابطون، ولد في باجة (إقليم في البرتغال حالياً)، وخلف والده في حكم إشبيلية عندما كان في الثلاثين من عمره، ثم وسَّع ملكه فاستولى على بلنسية ومرسية وقرطبة، وأصبح من أقوى ملوك الطوائف فأخذ الأمراء الآخرون يجلبون إليه الهدايا ويدفعون له الضرائب. وقد زعم شاعره أبو بكر بن اللبانة أنه امتلك في الأندلس 200 مدينة وحصن، وأنه ولد له 173 ولداً.
اهتم المعتمد بن عباد كثيراً بالشعر، وكان يقضي الكثير من وقته بمجالسة الشعراء، فظهر في عهده شعراء معروفون مثل أبي بكر بن عمَّار وابن زيدون وابن اللبانة وغيرهم. وقد ازدهرت إشبيلية في عهده، فعُمِّرت وشيدت. وفي خلال فترة حكم المعتمِد، حاول ألفونسو السادس ملك قشتالة مهاجمة مملكته، فاستعان بحاكم المرابطين يوسف بن تاشفين، وخاض معه معركة الزلاقة التي هزمت بها الجيوش القشتالية، لكن في عام 484 هـ (1091م)، شنَّ يوسف بن تاشفين حرباً على المعتمد، فحاصر إشبيلية، وتمكَّن من الاستيلاء عليها وأسر المعتمد، ونفاه إلى مدينة أغمات في المغرب حيث توفّي أسيراً بعد ذلك بأربع سنوات. رغم ذلك، فقد أثار إسقاط يوسف بن تاشفين لإمارة بني عباد الكثير من الجدل بين المؤرّخين قديماً وحديثاً، ووُجِّهت انتقادات كثيرة له لما فعله بالمعتمد.
كتب شعر الهزيمة والحسرة على المجد التليد وهو في تلك الدار الطينية مقيّداً فقال وهو يرى زوجه وبناته قد بلغ منهن العوز مبلغاً عظيماً:
“فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغماتَ مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
يطأن في الطّين والأقدام حافيةٌ
كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا!”.
وقد كُتبت على قبره قصيدته الأخيرة والمشهورة “قبر الغريب” لتكون شاهدة على مسيرة أدبية وسياسية وإنسانية حملت عبراً وقيماً تبقى حاضرة وملهمة لكل الأجيال وممّا قال فيها:
“قبرَ الغريب سقاك الرائح الغادي
حقّاً ظفرتَ بأشلاء ابن عبّادِ
نعم هو الحق حاباني به قدرٌ
من السماء فوافاني لميعادي”.
No Result
View All Result