No Result
View All Result
حمزة حرب
مما لا يخفى على قارئ بسيط، للأحداث التي تمر بها سوريا، بأنها تشهد مرحلة إعادة تشكيل للسلطة والنفوذ، وتتقاطع فيها التحولات العسكرية، مع التوترات المجتمعية والأمنية، ويُعد دخول القوات التابعة للحكومة المؤقتة، إلى أجزاء من شمال وشرق البلاد، بموجب اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، في التاسع والعشرين من كانون الثاني، نقطة تحول مفصلية في سياق المعادلة السورية، تمهد لإعادة إدماج الإدارة الذاتية، ضمن بنية الدولة السورية، لكن هناك أطرافاً عدة تثير الشبهات وتضع العصي في عجلة العملية السياسية، تنهي معاناة السوريين، وتفضي للحلول المستدامة.
فالتحولات التي تشهدها سوريا لا تحدث في فراغ، بل تتزامن مع بروز توترات متعددة المستويات خصوصاً في المناطق ذات التركيبة السكانية المختلطة، فالتغيير في موازين القوى، أفرز حالة من إعادة التموضع الاجتماعي والسياسي، انعكست في تصاعد الاحتكاكات بين الشعوب الأصيلة، وهو ما أرادته أطراف خارجية، لدق إسفين بين العرب والكرد، على سبيل المثال كما ظهر في مناطق كوباني وعفرين وقامشلو، وتُظهر هذه الاحتكاكات ارتباطاً وثيقاً في السياق السياسي العام، حيث تُستخدم الرموز والهويات القومية، كمحفزات للتوتر في بيئة انتقالية غير مستقرة.
توافقات كان لا بد منها
شهدت مناطق روج آفا، منذ مطلع عام 2026، هجمات، وترتيبات ميدانية وإدارية، تماشت مع ضرورات المرحلة الراهنة، التي تمر بها سوريا، تمثلت في تنفيذ عدد من بنود اتفاقية 29 كانون الثاني، بين “قسد” والحكومة المؤقتة، في إطار عملية الدمج ومع بداية شهر شباط، دخل نحو 100 عنصر تابع لوزارة الداخلية للحكومة المؤقتة، مراكز قامشلو، والحسكة، في خطوة تنفيذية لروح الاتفاق، وهو ما مهد الطريق لحقن الدماء وإفساح المجال للحوارات السياسية. الاتفاق نص على تفعيل مؤسسات الدولة في مناطق محددة، مع إطلاق عملية تدريجية لدمج القوات المحلية والهياكل الإدارية، ضمن مؤسسات الدولة، ويُدرج هذا التحرك ضمن إطار عملية الحل الشامل الذي أعلنه الطرفان “قسد” والحكومة المؤقتة.
وكانت قوات سوريا الديمقراطية، قد أدارت المنطقة بعد أن حررتها من مرتزقة داعش الإرهابي، وبناء نظام الإدارة الذاتية، التي حافظت على الروح الوطنية السورية، وسلامة أراضي البلاد، التي تُركت تصارع منفردة خطر الإرهاب، وكلنا يعلم كيف وصلت هيئة تحرير الشام إلى السلطة، وبترتيب دولي، وحتى الآن هي ترفض تحويل سوريا إلى دولة تعددية لا مركزية، تنهي معاناة السوريين.
ورغم الاتفاق أظهرت المعطيات الميدانية، تبايناً في ردود الفعل داخل مدينة الحسكة ومحيطها، حيث تضم المنطقة شعوب ومكونات متعددة، تشمل العرب والكرد إلى جانب السريان والأرمن والتركمان، ومجموعات أخرى، سيما وإن هذه التطورات تأتي في سياق أوسع يرتبط بمرحلة إعادة ترتيب موازين القوى في البلاد، بعد سنوات من النزاع المسلح.
محاولات إفشال اتفاقية 29 كانون الثاني
الاتفاق لم يدخل طور الحلول النهائية، في ظل غياب مؤشرات واضحة، حول مدى استدامته وتشير تحليلات، إلى احتمالين رئيسيين: الأول يتمثل في نجاح عملية الدمج التدريجي، وعودة مؤسسات الدولة بشكل كامل لممارسة عملها، والثاني، تعثر الاتفاق نتيجة تباين الرؤى الشعبية، التي عملت أطراف عدة على زرع بذور التفرقة بين الشعوب في المنطقة، ما قد يؤدي إلى عودة التوتر أو إعادة إنتاج صيغ مؤقتة من التهدئة.
ويُنظر إلى الاتفاق في هذا السياق كجزء من مسار أوسع لإعادة تشكيل المشهد السوري، فتتداخل الاعتبارات العسكرية، مع الحسابات السياسية، والإدارية، في ظل استمرار وجود قوى لها مصالح متباينة، بعضها منضوية تحت سقف الحكومة المؤقتة، وتدين بالولاء للخارج، وهو ما يشكل العائق الأكبر أمام إتمام أي اتفاق.
وشهد ريف كوباني الغربي، حالة من التوتر، لعبت على وتره أطراف عدة، لخلق البلبلة بين الكرد والعرب، خلال احتفالات عيد النوروز، وقد أدت تلك الحوادث، إلى تنامي خطاب الكراهية والتحريض، ولكن الشعوب كانت أوعى من أن يلعب بمصيرها أناس يتبعون للخارج، لضرب الاستقرار في المنطقة. وتشير المعلومات إلى أن هذه التطورات جاءت في سياق أوسع من التوترات التي غذتها مقاطع مصورة متداولة عبر وسائل التواصل الافتراضي، تظهر حوادث اعتداء على رموز مرتبطة بكل طرف، ما ساهم في تصعيد الخطاب المحلي وزيادة الاحتقان.
وامتدت هذه التوترات إلى مناطق أخرى، مثل: عفرين، وقامشلو، وإعزاز، وجرابلس، وحلب، حيث تم الاعتداء على الكرد وموزهم في عيدهم القومي النوروز، فسُجلت حوادث متفرقة، شملت اعتداءات على مواطنين وممتلكات، ومحاولات اقتحام تجمعات سكانية، إضافة إلى هجمات على حواجز في بعض القرى المحيطة بكوباني.
وسجلت في عفرين، وحلب، حوادث اعتداء على مدنيين كرد، بالتزامن مع احتفالات النوروز، تضمنت أعمال عنف وتخريب ممتلكات، على سبيل المثال ما شهدته أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، بعد أن انسحبت منها عناصر تابعة للحكومة المؤقتة، من الحواجز القريبة من مداخل الحيين، وهو ما فتح الطريق للدخول والقيام بانتهاكات ضد الكرد هناك.
وفي بلدة عين عيسى بريف الرقة، أفادت تقارير بوقوع انتهاكات بحق المواطنين الكرد، شملت تهديدات واعتداءات على ممتلكات خاصة، ما أدى إلى حالة من القلق بين الأهالي، وتشير المعطيات إلى أن بعض العائلات تدرس مغادرة المنطقة في حال استمرار التهديدات، وهو ما يرقى لتغيير ديمغرافي ممنهج.
الانتهاكات طالت شعوباً ومكونات أخرى
تتزامن هذه التطورات مع تقارير عن ضعف الاستجابة الأمنية في العديد من الحالات، ما يثير تساؤلات حول قدرة الجهات المعنية على فرض الاستقرار، ومنع تكرار الانتهاكات، التوترات أثارت حفيظة السوريين الذين يرفضون ما يحدث، حيث حذرت بعض الشخصيات من مخاطر تحولها إلى صراع أوسع ذي طابع قومي، في حين شددت شخصيات أخرى على أن ما جرى يندرج ضمن حوادث فردية، يمكن احتواؤها عبر تدخل الجهات المختصة وتعزيز الإجراءات الأمنية.
ويعكس التباين اختلاف التقديرات حول طبيعة الأحداث، بين من يراها مؤشراً على اتجاه تصعيدي ومن يعتبرها ضمن نطاق الاضطرابات المحدودة المرتبطة بظروف المرحلة الانتقالية، لكن بكل الأحوال يجمع المراقبون: إن هناك من يحاول الاصطياد بالمياه العكرة، واستثمار أي توترات لضرب السلم الأهلي، والعيش المشترك لشعوب المنطقة.
الكرد ومنذ عقود طويلة من الزمن يعانون التضييق ومحاولات الاستفزاز والاعتداء على حقوقهم الثقافية، والمدنية، والوطنية، والسياسية، لكن هناك شعوب أخرى كالسريان والآشوريين، أيضا يتعرضون للانتهاكات، تندرج في سياق التضييق عليهم، والاعتداء على حقوقهم وحريتهم ومعتقداتهم.
والأحداث التي جرت في السقيلبية، قبل أيام قليلة، من قدوم عيد الأكيتو، لها أبعاد طائفية ومذهبية، ما يشير إلى أن حالة عدم الاستقرار لا تقتصر على منطقة جغرافية معينة، أو شعب محدد، بل تمتد لتشمل جميع المختلفين دينياً أو سياسياً.
حادثة السقيلبية، تم تنديدها بشكل واسع، وخاصة من قبل بطرياركية أنطاكية للروم الأرثوذكس في سوريا، ووصف الهجوم بأنه ترهيب بحق الأهالي في السقيلبية بريف حماة، بعد أن تعرضت الرموز الدينية ومنها مقام السيدة العذراء، لإطلاق النار، وهي سابقة خطيرة، مبينةً أن البطريارك يوحنا العاشر، يتابع بقلق بالغ ما تعرضت له مدينة السقيلبية من هجوم وترهيب، وأعمال عنف وتكسير طالت الممتلكات.
وكنتيجة طبيعية لهذا الاعتداء، كانت لها ارتدادات، وموجات غضب شعبية، امتدت حتى العاصمة دمشق، واستمرت لساعات متأخرة أمام أبواب البطرياركية، التي أدانت تلك الأحداث، وبأقسى العبارات، وشجبت ما يتعرض له المسيحيون، من انتهاكات دائماً تُبَّرر على أنها حوادث فردية، رغم إنها في الواقع لا تعتبر حوادث فردية، لأنها تتكرر كثيراً، والكثير من المراقبين يعتبرون الانتهاكات ضد المسيحيين، على أنها أعمال ممنهجة، بهدف تحقيق مصالح وأجندات معينة.
بناء الثقة وضمان الأمن والاستقرار
ما يحدث، يؤكد أن التحدي لا يقتصر على إعادة بسط السيطرة، بل يشمل أيضاً إعادة بناء الثقة المجتمعية، وضمان الأمن والاستقرار، وهذا الأمر لا زال بعيد المنال، حيث لا يوجد قانون يجرم الاعتداء على السوريين المختلفين، وتنسب معظم الأحداث على أنها حوادث فردية، فلا يتم محاسبة هؤلاء الأفراد، على جرائمهم.
وبناء على كل ما ذكرناه، فإن استقرار سوريا، يبقى مرهوناً بقدرة الفاعلين المعنيين، على إدارة الدولة، والمحاولة الحثيثة للتقليل من الانتهاكات، بحيث لا تصبح التحولات السياسية محفزاً إضافياً للصراعات المحلية، بل يجب أن تكون مدخلاً لإعادة بناء نظام أكثر استقراراً، بما يضمن سلامة وحقوق السوريين. وتشير المعطيات، إلى أن المشهد السوري في مطلع عام 2026، يتسم بدرجة عالية من التعقيد، سيما وإن التحولات السياسية، تتزامن مع توترات اجتماعية، وحوادث أمنية متعددة، بينما يمثل الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية، والحكومة المؤقتة، خطوة نحو إعادة هيكلة السلطة، ونجاح ذلك يبقى مرتبطاً بمدى قدرته على تحقيق توازن بين متطلبات الأمن، وإدارة التنوع المجتمعي.
وفي ظل استمرار الحوادث المتفرقة في العديد من المناطق، تبدو الحاجة الملحة إلى آليات أكثر فاعلية، لضبط الأمن وتعزيز الثقة بين الشعوب، والمكونات، والأعراق، والإثنيات، السورية المختلفة، بما يحد من احتمالات التصعيد، ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً وأماناً، ومن هنا على كل السوريين، السعي لتبني خطاب وطني سوري، يعزز بناء الثقة ويزيد من فرص التوصل للحلول.
No Result
View All Result