No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
الرابع من نيسان، عام 1949 شهد ولادة مفكر وفيلسوف عظيم، من أرض الأنبياء والفلاسفة، بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)، من قرية أمّارة في ناحية خلفتي بولاية الرها (أورفا)، موطن أبو الأنبياء إبراهيم الخليل، إنه القائد عبد الله أوجلان، مانديلا الكرد، حامل راية الديمقراطية والسلام في الشرق الأوسط، والعالم، خلال هذا العصر.
لا يمكن النطر إلى القائد عبد الله أوجلان صاحب مشروع سلام طويل الأمد، في منطقة تعاني من صراعات بنيوية، على امتداد مسيرته النضالية، قدّم سلسلة من الدعوات والمبادرات التي هدفت إلى إنهاء الصراع الكردي ـ التركي، وفتح مسارات للحل السياسي، والديمقراطي، رغم التعقيدات الداخلية والإقليمية.
وفي هذا التقرير نستعرض أبرز تلك المبادرات، ونقيّم واقعها الحالي، مع قراءة لانعكاساتها المحتملة على المجتمعين الكردي والعربي.
المسار التاريخي لمبادرات السلام
ذكرنا آنفاً أن القائد عبد الله أوجلان صاحب مشروع سلام طويل الأمد ليس فقط لكردستان، بل لعموم الشرق الأوسط والعالم، وقد انطلق من فكرة أن “كردستان مستعمرة”، للعمل من أجل حل القضية الكردية، بشكل عادل، ضمن إطار تحقيق الديمقراطية في تركيا أيضاً، وعلى هذا الأساس، أطلق المبادرات السلمية من أجل الحوار، والحل السلمي، بعيداً عن الحرب والقتل والدمار، ونحن ندرك أن القائد عبد الله أوجلان، لم يكن ليلجأ إلى الكفاح المسلح لو قبلت تركيا، الحوار والمفاوضات، والكف عن ممارسة الظلم والانتهاكات بحق الشعب الكردي.
في أوائل تسعينات القرن الماضي، ظهرت ملامح توجه القائد عبد الله أوجلان، نحو الحل السياسي بدل العسكري، وبالتالي مخاطبة الطرف الآخر الذي نوعاً ما وعبر الوسطاء، أبدى الاستعداد للتفاوض والحوار.
البداية كانت عام 1993، حين أعلن القائد عبد الله أوجلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، في خطوة وُصفت حينها بأنها أول مبادرة جدية لخفض التصعيد، تزامنت هذه المبادرة مع محاولات لفتح قنوات حوار غير مباشرة، مع توركوت أوزال الرئيس التركي وقتها، بوساطة المرحوم مام جلال الطالباني، لكن المبادرة لم تستمر بسبب اغتيال أوزال، وقائد الجندرمة الجنرال أشرف بدليسي من جهة، وقيام الخائن شمدين صاكك “شمو” بإعطاء الأوامر لإطلاق النار على 33 عسكرياً، غير مسلحين في إجازة ما أدى الى تصاعد التوترات والعمليات العسكرية.
المؤامرة الكونية التي انطلقت في العاشر من تشرين الأول سنة 1998، وانتهت مرحلتها الأولى في 15 شباط سنة 1999، باختطاف القائد عبد الله أوجلان، من العاصمة الكينية نيروبي، وتسليمه تركيا، دفعته إلى إجراء مراجعة شاملة، منطلقاً من تطورات المرحلة الجديدة، التي يمكننا أن نوجزها بما يلي:
ـ عام 1999، دعا بشكل واضح إلى وقف الكفاح المسلح، وسحب المقاتلين خارج تركيا ضمن طرح الحل ضمن إطار الدولة القائمة دون الانفصال، والتأكيد على أن الحوار السياسي هو خيار استراتيجي، هذا التحول كان عبارة عن إعادة تعريف طبيعة الصراع القائم وأدواته.
ـ الأعوام بين 2000 الى 2004، تكررت دعوات القائد عبد الله أوجلان، إلى الحوار، على أن يكون حواراً سياسياً دستورياً بحيث لا يقتصر على إنهاء الحرب بين الطرفين بل يشمل إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ـ خلال الفترة المستمرة بين أعوام 2009 الى 2011، كانت هناك مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، والتي عُرفت بـ “عملية أوسلو” نسبة إلى عاصمة النروج، التي احتضنت المفاوضات، كان “هاكان فيدان” رجل الاستخبارات التركية الأول، هو الذي يدير المفاوضات من جانب الدولة التركية، بينما في الطرف الآخر كان “زبير إيدار” ممثل حركة التحرر الكردستانية، لكن بسبب تسريب تسجيلات أوسلو، انهارت العملية التفاوضية، وعاد التوتر والعنف مرة أخرى إلى الواجهة. لكن؛ رغم ذلك؛ يُسجّل لمبادرة أوسلو أنها هيئت الأسس لمحاولات سلام لاحقة لعل أكبرها “عملية السلام” 2013 ـ 2015 والتي هي أكبر عملية علنية في التفاوض مع القائد عبد الله أوجلان.
انهيار اتفاقية “دولمة بخجة”
وفي 2013، تُعد هذه المرحلة الأكثر وضوحاً في مسار التفاوض بين القائد عبد الله أوجلان، والدولة التركية، بدأت هذه العملية من خلال رسالته الموجه لشعبنا الكردستاني في نوروز 2013، والتي تمت قراءتها أمام أكثر من مليوني شخص مشارك في النوروز، والتي طرح خلالها الدعوة الى وقف إطلاق النار، والانتقال من الكفاح المسلح الى الكفاح السياسي.
وفي نيسان 2013 قام حزب العمال الكردستاني، بسحب مقاتليه من باكور كردستان إلى باشور كردستان، بعد أن أعلن وقف إطلاق النار، تواصلت المفاوضات الى أن وصل الطرفان إلى اتفاق “دولمة بخجة” في شباط 2015، حيث التقى ممثلو الحكومة التركية، مع وفد حزب الشعوب الديمقراطية، في قصر “دولمة بهجة” بإسطنبول، وأعلنوا خطة من عشر نقاط للحل الديمقراطي والاجتماعي، لكن العملية توقفت وانهارت عملياً بعد تفجير “سروج” في تموز 2015.
لم تكن نتائج انهيار الاتفاق سهلة على الطرفين، خاصة في ظل انعدام الثقة، حيث ماطلت الحكومة التركية، في تفعيل الإصلاحات القانونية، التي تم الاتفاق عليها، على الرغم من قيام الحزب، بتنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه وفي مقدمتها سحب مقاتليه من باكور كردستان، ووقف الكفاح المسلح.
نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في حزيران 2015، والتي تجاوز فيها حزب الشعوب الديمقراطية، حاجز 13 % للمرة الأولى، محرزاً 80 مقعداً برلمانياً، ليصبح ثالث حزب على مستوى عموم تركيا، أدّى إلى تصاعد الخطاب القومي المتطرف، خاصة بعد تفاهم بين حزب العدالة والتنمية، بزعامة أردوغان، وحزب الحركة القومية، بزعامة دولت بخجلي.
تم اتهام قادة حزب الشعوب الديمقراطية، بدعم كوباني، والقت الحكومة القبض عليهم والزج بهم في السجن، ازداد الاحتقان وبدأت المقاومة الشعبية، في مناطق مثل (جزرة، سلوبي، نصيبين، وسور آمد)، حيث بدأت مقاومة شعبية في مواجهة الجيش الفاشي التركي، الذي ارتكب المجازر واستخدم الأسلحة الثقيلة، بما فيها الطائرات والدبابات والمدافع في قصف الأحياء المدنية، كما كان لصعود وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وتصديها البطولي في كوباني لمرتزقة “داعش” الإرهابي، المدعوم من تركيا بالغ الأثر في تصاعد العنف والتطرف التركي ضد الكرد.
عملية السلام والمجتمع الديمقراطي
رغم الظروف الصعبة وممارسة سياسة الإبادة والتعذيب على القائد عبد الله أوجلان، في معتقل جزيرة إمرالي، إلا إن الرسائل أكدت على ضرورة العودة إلى الحل السياسي، ورفض التصعيد العسكري، والتأكيد على مشروع “الأمة الديمقراطية”، في هذه المرحلة، كان حضور المبادرات أقل علنية، لكنها لم تنقطع على المستوى الفكري والسياسي، رغم الظروف الصعبة، استمرت الدعوة إلى السلام، مع تطوير مفهوم “المجتمع الديمقراطي” كحل شامل يتجاوز مجرد وقف الحرب.
المبادرة الحالية التي تستند إلى النداء الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان، في 27 شباط 2025، لا تقتصر على إنهاء الصراع العسكري بين الطرفين، بل تهدف إلى بناء نموذج ديمقراطي قائم على مشاركة المجتمع، لضمان حقوق الجميع، والتقليل من مركزية الدولة وتعزيز الإدارة الذاتية.
وفي الوقت الراهن، يتم طرح مشروع “السلام والمجتمع الديمقراطي”، كإطار شامل للحل، حيث يؤكد القائد عبد الله أوجلان، على إنهاء الصراع عبر الحوار، كما يدعو إلى بناء نموذج ديمقراطي، يضمن حقوق كافة الشعوب والمكونات، إلى جانب أنه يشدد على دور المجتمع، في تحقيق السلام، في المقابل، تُظهر الوقائع أن هناك خطوات من جانب القائد عبد الله أوجلان والقوى المرتبطة به، باتجاه التهدئة والحل، بينما يُنظر إلى موقف السلطة التركية، على أنه بطيء أو متردد في الانتقال إلى عملية سياسية واضحة.
العملية ما تزال مستمرة، على الرغم من التحديات الكثيرة التي تواجهها، والصعوبات، والعراقيل التي يتم وضعها أمام نجاح العملية. لكن؛ إن نجحت هذه العملية، فإن آثارها ستكون عميقة على عدة مستويات، ولن تقتصر نتائجها الإيجابية على الكرد فقط، بل سوف تؤثر على المستوى الإقليمي، والعالمي أيضاً.
على صعيد الشعب الكردي، سوف يكون لإنهاء حالة الحرب المستمرة أثر كبير إيجابي على شعبنا الكردي، ويفتح المجال للمشاركة بشكل أوسع في الحياة المدنية العامة، بالإضافة الى تعزيز الحقوق السياسية والثقافية وفق الدستور الجديد. وعلى الصعيد الإقليمي، سيؤثر نجاح العملية بشكل إيجابي على الوضع في كل من سوريا، العراق، وإيران، لأن هذه الدول يوجد فيها قضية كردية، وهي على حدود مشتركة مع تركيا، مما يؤدي الى التأثير الإيجابي عليها ايضاً. أما على الصعيد العالمي، سوف تُسهم إلى حد كبير في تخفيض التوتر والاحتقان الموجود في الشرق الأوسط، وستساعد على تعزيز الاستقرار، على المستويات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، وحتى الأمنية والعسكرية.
مخاطر وتداعيات فشل السلام
تاريخ المبادرات السابقة يُظهر أن الفشل لا يعني العودة إلى نقطة الصفر فقط، بل قد يؤدي إلى نتائج أكثر تعقيداً، فهناك تصاعد العنف عبر عودة العمليات العسكرية بشكل أوسع، الى جانب تعميق الانقسام من خلال زيادة الفجوة بين شعوب المنطقة، بالإضافة الى فقدان الثقة، حيث يتراجع الإيمان بإمكانية الحل السلمي، كما يؤدي الى حدوث انعكاسات إقليمية تدفع باتجاه تمدد التوتر إلى مناطق أخرى، خصوصاً في ظل الترابط الجغرافي والسياسي.
إن تكرار فشل المبادرات قد يجعل أي محاولة مستقبلية أكثر صعوبة، بسبب تراكم التجارب السلبية، وبالتالي فإن فشلها يعني الدخول في دورة صراع أكثر تعقيداً وكلفة، هذه ليست مجرد مبادرة سياسية، بل اختبار لقدرة المنطقة على الخروج من أزماتها البنيوية.
المسار التاريخي لـلقائد والمفكر عبد الله أوجلان، في الدعوة إلى السلام، لم تكن خطوة ظرفية، بل خطاً مستمراً تطور عبر الزمن، من وقف إطلاق النار في التسعينات إلى مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي اليوم، ورغم العثرات والصعوبات، فإن هذا المسار يعكس إصرار على البحث عن حل سياسي في بيئة معقدة، وبين احتمالات النجاح والفشل، يبقى العامل الحاسم فيها هو توفر الإرادة السياسية، والقدرة على تحويل المبادرات من بيانات إلى عملية حقيقية، تُنهي عقود من الصراع، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتعايش، بين دول المنطقة وشعوبها على حد سواء؛ لأن فشلها قد يكرّس مرحلة أكثر قسوة، تتراجع فيها فرص السلام، وتتصاعد كلفة الصراع على الجميع دون استثناء.
No Result
View All Result