No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
مع اقترابنا من يوم ميلاد القائد والمفكر الأممي الكبير “عبد الله أوجلان” والذي يُصادف الرابع من نيسان من كل عام، حيث ولد في الرابع من نيسان 1949، دعونا نقرأ أفكاره ومبادئه التي أصبحت تُدرّس في المعاهد والجامعات العالمية، ونتعرف إلى رؤيته الثاقبة للأحداث التي تجري في المنطقة والعالم، ولعل أبرز وأهم ما تنبأ به كان الحرب العالمية الثالثة التي تجري أحداثها الآن في الشرق الأوسط.
عبر الأزمات المتراكمة التي تعيشها شعوب الشرق الأوسط، والحروب التي تُفرض عليها من جانب القوى العالمية، وخلقها صراعات داخلية ضمن فوضى عارمة من أجل إعادة رسم ملامح الألفية الجديدة، برزت فلسفة وفكر القائد “عبد الله أوجلان”، كإحدى أهم وأنجح المشاريع الفكرية التي تحاول تقديم إجابات عملية لواقع معقّد، لا مجرد تنظير سياسي، هذا الفكر لا ينطلق من المثاليات المجردة، بل من تحليل عميق لبنية السلطة والهيمنة في المنطقة، ومن تجربة طويلة من الصراع والتحول، ما يميز هذا الطرح هو تركيزه على المجتمع كقوة أساسية، وعلى إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والسياسية من القاعدة، مع إعطاء دور محوري للمرأة والشبيبة باعتبارهما الأكثر قدرة على إحداث التغيير الحقيقي، وفي هذا المقال، سوف نسلط الضوء على رؤية القائد “عبد الله أوجلان” لكل من المرأة والشبيبة.
من نقد الدولة إلى بناء المجتمع
وقبل قراءة رؤية القائد “عبد الله أوجلان” حول المرأة والشبيبة بوصفهم الركيزتين الأساسيتين في بناء المجتمع الحر، نلقي نظرة على المفهوم العام لفكره حول الدولة والمجتمع، حيث ينطلق القائد من نقد جذري لمفهوم الدولة القومية، التي يرى أنها كانت أحد أهم أسباب الأزمات في المنطقة، بسبب اعتمادها على الإقصاء والتجانس القسري، في واقعنا الحالي، يمكن ملاحظة كيف أدت هذه البنية إلى تفكك مجتمعي وصراعات مستمرة، حيث يتم تهميش شعوب أو استخدامها ضمن صراعات السلطة.
وبدلًا من ذلك، يطرح القائد “عبد الله أوجلان” مفهوم “المجتمع الديمقراطي”، حيث تكون الأولوية لتنظيم المجتمع نفسه، لا لتعزيز سلطة الدولة، هذا الطرح يجد صداه اليوم في محاولات بناء إدارات ذاتية، محلية، ومجتمعية تسعى إلى حل مشاكل الشعوب بشكل مباشر، بعيداً عن البيروقراطية المركزية التي غالباً ما تفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية.
المجتمع الديمقراطي حاجة راهنة
فإن نظرنا إلى واقعنا اليوم، نرى أن الأزمات لم تعد سياسية فقط، بل اجتماعية، اقتصادية، وثقافية أيضاً، هناك تفكك في الروابط المجتمعية، ضعف في الثقة، وغياب للمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، هنا يأتي مفهوم المجتمع الديمقراطي كحاجة ملحّة، لا كخيار نظري، يقوم هذا المفهوم على عدة نقاط رئيسية وهي:
ـ إشراك الشعوب في إدارة شؤونهم اليومية.
ـ بناء مؤسسات محلية تعبّر عن إرادة المجتمع.
ـ تعزيز ثقافة الحوار بدل الصراع.
ـ الاعتراف بالتنوع بدل إنكاره.
وفي العديد من المناطق مثل (روج آفا، مخمور، شنكال)، بدأت تظهر مبادرات ذاتية، محلية تعكس هذه الروح، حيث يحاول الأهالي تنظيم أنفسهم لمواجهة التحديات الأمنية، الاقتصادية، والخدمية، وهو جوهر فكر وفلسفة القائد “عبد الله أوجلان”.
المرأة في فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان
فالركيزة الأولى التي يعتمد عليها القائد “عبد الله أوجلان” في الوصول إلى مجتمع حر، هي المرأة ومنطلقاً من قناعة أساسية وثابتة: “لا يمكن لأي مجتمع أن يكون حراً، ما لم تكن المرأة فيه حرّة”، فبحسب فكره، فإن أول أشكال الاستبداد في التاريخ لم يكن سياسي، أو اقتصادي، بل كان استبداد ذكوري ضد المرأة وجعلها أول عبدة في التاريخ، فقضية المرأة ليست مجرد حقوق بل مدخل أساسي لفهم طبيعة المجتمع، لذا يرى القائد “عبد الله أوجلان” بأن تحرر المرأة ليس قضية منفصلة، بل معيار لمدى تحرر المجتمع ككل.
وعلى هذا الأساس، انتقلت المرأة من ضحية التاريخ إلى صانعة المستقبل، ومن التهميش إلى القيادة، هذا الطرح ينعكس اليوم في ازدياد حضور المرأة في العمل المجتمعي، وفي المبادرات التي تقودها النساء، سواء في مجالات التعليم، أو التنظيم الاجتماعي، أو حتى في مواقع صنع القرار، ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تتعلق بالعادات الاجتماعية والبنى التقليدية التي تعيق هذا التقدم.
أبرز ملامح ثورة المرأة
واعتمد القائد “عبد الله أوجلان” على المرأة كعنصر رئيسي وأساسي في الثورة المجتمعية، ومن أجل الوصول إلى مجتمع حر، لا بد من خلق المرأة الحرة إلى جانب الرجل الحر للوصول إلى المجتمع الحر، هذا الأمر يحتاج إلى عدة ركائز أوجدها القائد “عبد الله أوجلان”:
– “قتل العقلية الذكورية”: أي تفكيك البنية الذهنية الذكورية للسلطة وحتى ضمن المجتمع، ليس القصد بها الرجل، فهناك حتى نساء ينتهجن العقلية الذكورية السلطوية، لذا لا بد من إزالة هذا النظام الذهني القائم على السيطرة.
– “علم المرأة” الجينولوجيا: فقد طرح القائد “عبد الله أوجلان” هذا العلم كبديل عن العلوم الاجتماعية التقليدية، يهدف من خلاله إلى إعادة كتابة التاريخ والمعرفة من منظور المرأة بكل الانتكاسات التي مرت بها.
– “التنظيم الذاتي للمرأة”: حيث يُشدد على استقلالية تنظيم المرأة ضمن المجتمع، فهناك مجالس نسائية، مؤسسات مستقلة، مشاركة متساوية، انعكس هذا الأمر عمليا في مناطق مثل (روج آفا، شنكال، مخمور) حيث توجد رئاسة مشتركة أي امرأة ورجل، في كل المؤسسات المدنية والعسكرية، بالإضافة إلى وجود قوات خاصة للمرأة “وحدات حماية المرأة.
الشباب طاقة الثورة وبوصلة التغيير
أما الركيزة الثانية التي يستند إليها القائد “عبد الله أوجلان” في الوصول إلى مجتمع حر ديمقراطي، هي الشباب، فإذا كانت المرأة تمثل أساس التحرر، فإن الشباب هم القوة المحركة، وهكذا يعد القائد “عبد الله أوجلان” أن الشباب هم الطاقة الثورية المتجددة في أي مجتمع، فهم يمثلون الوعي الجديد، الجرأة على التغيير. لذا، يجب أن يكون لهم دور قيادي وليس تابعاً.
وتسعى الأنظمة السلطوية القمعية دوماً إلى “تدجين الشباب” من خلال التعليم التقليدي أو عبر الاستهلاك بدون انتاج وتعبئة وقته بالأمور الفارغة، بينما يطرح القائد أوجلان بديلاً قائماً على الوعي السياسي، التنظيم الذاتي، المشاركة المجتمعية، كما أن التنظيم الشبابي، يشجع على بناء حركات شبابية مستقلة، مؤسسات تعليمية بديلة، الهدف بناء جيل قادر على حماية نفسه والمشروع الديمقراطي.
الوضع المأساوي للشباب
ولأن العدو استهدف بالدرجة الأولى المرأة والشباب، انطلق القائد “عبد الله أوجلان” من ضرورة إعادة تأهيلهما، الشباب الذين يشكّلون النسبة الأكبر من سكان الشرق الأوسط، لكنهم في الوقت نفسه الأكثر تهميشاً من حيث “الفرص والمشاركة، البطالة، الهجرة، والإحباط السياسي”، كلها عوامل تجعل من هذه الفئة طاقة معطّلة بدل أن تكون قوة تغيير، في واقعنا، نرى أن غياب هذه الشروط يؤدي إلى فقدان الثقة لدى الشباب، وانسحابهم من العمل العام، أو توجههم نحو خيارات فردية كالهجرة، لذلك، فإن إعادة تفعيل دور الشبيبة هو أحد التحديات الأساسية أمام أي مشروع مجتمعي.
طرح القائد أوجلان لإعادة تأهيل الشباب
وينتقد القائد عبد الله أوجلان مسألة “تدجين” الشباب التي تعمل عليها الأنظمة السلطوية، معتبراً أن هذه السياسات تهدف إلى إنتاج أفراد خاضعين بدلاً من مواطنين فاعلين. لذا، فقد توجه القائد “عبد الله أوجلان” إلى بناء وعي شبابي جديد مستنداً إلى:
ـ الاستقلالية الفكرية، التنظيم الذاتي، الانخراط في الشأن العام، فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، بل فاعل تاريخي قادر على إعادة صياغة القيم الاجتماعية والسياسية.
ـ توفير بيئة تسمح لهم بالتعبير والمبادرة في مختلف المحالات وليس فقط في المجال العسكري كما كانت تسعى إليه الأنظمة السلطوية.
ـ إشراكهم في صنع القرار من خلال تنظيماتهم الخاصة بهم واختيار ممثليهم للمشاركة في صنع القرار.
ـ تعزيز مفهوم النقد والنقد الذاتي لدى الشباب بعيداً عن التجريح والسخرية والتنمر الذي كانت الدولة السلطوية تغرسها في نفوس الشباب.
ولا يقل دور الشباب أهمية في بناء مجتمع ديمقراطي حر عن دور المرأة، إذ يُنظر إلى الإثنين كحاملين لعملية التغيير والتحول وفق فكر وفلسفة القائد “عبد الله أوجلان”.
الأمة الديمقراطية إطار جامع
وبطبيعة الحال، فإن قضيتي المرأة والشباب مرتبطتان بمشروع أوسع، في الوصول إلى مجتمع ديمقراطي عبر مفهوم الأمة الديمقراطية، هذا المشروع ينتقد الدولة القومية باعتبارها مركزية، إقصائية، ويقترح بديلاً عنها نموذج لا مركزي ديمقراطي يستند إلى شبكة من المجالس المحلية، الإدارات الذاتية، التي تقوم على مبادئ مثل التعددية، المشاركة المباشرة، التوازن بين المكونات، والهدف ليس إلغاء الدولة، بل إعادة التوازن بينها وبين المجتمع.
التأثير المتواصل والامتدادات
ولا يمكن فهم فكر القائد “عبد الله أوجلان” اليوم، دون النظر إلى تأثيره العملي والنقاشات التي أثارها، العديد من الحركات النسوية في المنطقة وحول العالم، وجدت في أطروحاته، خاصة علم المرأة “الجينولوجيا”، مصدر إلهام حيث تتقاطع قضايا المرأة مع السياقات السياسية المعقدة، كما أن إنشاء قرية المرأة “JIN WAR” كأول نموذج حقيقي في الشرق الأوسط، تعتمد فيه المرأة في كل شيء على نفسها دون وجود الرجل، هذا الأمر أثبت للمرأة بالدرجة الأولى ولبقية العالم بأن المرأة قادرة على إدارة نفسها بنفسها وإدارة المجتمع أيضاً.
ماهية التحديات التي تواجهه
وبالتأكيد، ستكون هناك تحديات كبيرة في مواجهة هذا الفكر العصري والحديث، فالقائد “عبد الله أوجلان” كمفكر وفيلسوف، يقدم لنا الحضارة العصرانية والديمقراطية في مواجهة النظام الوحشي الرأسمالي، لعل أبرز التحديات التي يواجهها مشروع العصرانية الديمقراطية وحرية المرأة والشباب، وصولاً إلى مجتمع حر، يكمن في استمرار الذهنية السلطوية في إدارة المجتمع، وضعف البنية التنظيمية المحلية، إلى جانب كلاً من الضغوط الاقتصادية التي تجعل الأولويات معيشية بالدرجة الأولى، وكذلك التدخلات الخارجية التي تعقّد المشهد الداخلي.
الحل لدى القائد عبد الله أوجلان
ويعد أحد الجوانب الأساسية في فكر “عبد الله أوجلان” هو التركيز على الوعي، والوعي المجتمعي باعتباره الأساس لأي تغيير حقيقي، فالمشكلة ليست فقط في الأنظمة، بل في البنى الذهنية التي تقبل بالهيمنة أو تعيد إنتاجها، ففي واقعنا الذي نعيشه، يمكن ملاحظة كيف تؤثر الثقافة السائدة في تكريس أدوار تقليدية، سواء فيما يتعلق بالمرأة أو الشبيبة أو حتى بالعلاقات بين الشعوب المختلفة، لذلك، فإن التغيير يتطلب منّا القيام بنشر ثقافة نقدية بنّاءة، وتعزيز التعليم المجتمعي، إلى جانب فتح مساحات للحوار والنقاش، قد يكون هذا المسار بطيء، لكنه ضروري لضمان استدامة أي تحول ديمقراطي للمجتمع.
وختاماً، يمكننا القول، فكر وفلسفة القائد “عبد الله أوجلان” يمثلان محاولة جادة لإعادة التفكير في أسس المجتمع الحديث، من خلال التركيز على دور المرأة والشباب كركيزتين أساسيتين للتغيير، ولا يمكن النظر إليه كطرح نظري منفصل عن الواقع، بل كمحاولة لفهم هذا الواقع وتغييره من الداخل، من خلال التركيز على المجتمع، ودور المرأة والشبيبة، يقدّم هذا الفكر أدوات يمكن أن تساعد في مواجهة التحديات الراهنة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الفكر لا تكمن في تبنيه كشعار، بل في ترجمته إلى ممارسات يومية تبدأ من أبسط مستويات التنظيم الاجتماعي، وفي ظل الأزمات المستمرة، يصبح السؤال الأساسي، ليس ما إذا كانت هذه الأفكار ممكنة، بل كيف يمكن تفعيلها ضمن واقع معقّد يتطلب حلولاً جذرية تنبع من المجتمع نفسه؟
No Result
View All Result