No Result
View All Result
مركز الأخبار – تصاعد التوترات في مضيقي هرمز وباب المندب؛ يضع شرايين التجارة العالمية تحت الضغط، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار ودخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود تضخمي غير مسبوقة.
لم تعد الحروب في عصرنا الحديث مجرد مواجهات عسكرية تُخاض على الجبهات، بل تحولت إلى صراعاتٍ معقدة تتجاوز حدود الدول لتضرب في عمق الاقتصاد العالمي. ومع تسارع وتيرة العولمة وتشابك المصالح بين الدول، باتت الحرب الاقتصادية واحدة من أخطر أدوات الصراع، حيث تُستخدم الموارد، والطاقة، وسلاسل الإمداد كسلاحٍ لا يقل فتكاً عن السلاح التقليدي.
تاريخياً، ارتبطت الحروب بالسعي للسيطرة على الموارد والأسواق، وكانت القوى الكبرى تعتمد على القوة العسكرية والاستعمار لفرض نفوذها. إلا أن هذا النمط بدأ يتغير تدريجياً منذ منتصف القرن العشرين، مع صعود النظام الاقتصادي العالمي وتزايد الاعتماد المتبادل بين الدول، فأصبحت السيطرة على الأسواق، وحركة التجارة، ورؤوس الأموال، أدوات رئيسية لتحقيق الهيمنة، في ظل تراجع نسبي لاستخدام القوة العسكرية المباشرة.
غير أن هذا الترابط الاقتصادي، الذي كان يُنظر إليه لعقودٍ باعتباره عاملاً لتعزيز الاستقرار والازدهار، بدأ يكشف عن وجهه الآخر في أوقات الأزمات. فبدلاً من أن يكون عامل توازن، تحوّل إلى مصدر هشاشة، حيث تنتقل الصدمات بسرعة عبر الحدود، وتُترجم النزاعات الإقليمية إلى أزمات اقتصادية عالمية.
وفي هذا السياق، يبرز الشرق الأوسط مجدداً كنقطة ارتكاز حساسة في معادلة الاقتصاد العالمي، ليس فقط لكونه أحد أهم مصادر الطاقة، بل لاحتضانه ممرات بحرية تُعد شرايين حيوية للتجارة الدولية.
أهمية المضائق التجارية
ويأتي في مقدمة هذه الممرات مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في العالم.
إن أي تهديد للملاحة في هذا المضيق، سواء عبر إغلاق فعلي أو حتى تصعيد أمني، يؤدي إلى ارتباكٍ فوري في الأسواق العالمية، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، حتى قبل حدوث أي نقص حقيقي في الإمدادات، فالمسألة لا تتعلق فقط بالكميات، بل بحالة القلق وعدم اليقين التي تسيطر على الأسواق. ويعتبر مضيق هرمز أهم ممر مائي للطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 11% من إجمالي التجارة البحرية العالمية، و20-21 مليون برميل نفط يومياً، ما يعادل نحو 20-38% من تجارة النفط الخام والمنتجات النفطية المنقولة بحراً عالمياً. تبلغ قيمة السلع والنفط والغاز المار عبره حوالي 1.5 تريليون دولار سنوياً.
أما حركة السفن، يمر عبر المضيق يومياً أكثر من 80 سفينة، منها ناقلات نفط وسفن شحن، بمعدل ناقلة نفط أو سفينة تجارية كل ست دقائق. والطاقة؛ يمر عبره 29% من غاز النفط المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال، و19% من المنتجات النفطية المكررة عالمياً.
التجارة غير النفطية
يتجاوز تأثيره النفط، حيث يُهدد أي إغلاق للمضيق 4.5% من تجارة الحاويات العالمية، وتزيد قيمة واردات الخليج من السلع الغذائية والمعدات المارة عبره عن 125 مليار دولار سنوياً. وتتصدر السعودية الدول الأكثر اعتماداً على المضيق بنسبة 37%، تليها العراق 23%، الإمارات 13%، إيران 11%، والكويت 10%. وحوالي 83% من تدفقات الطاقة عبر المضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية (الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية).
ولا يقل أهمية عن ذلك مضيق باب المندب، الذي يمثل حلقة وصل حيوية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، ويُعدُّ هذا المضيق من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً، حيث تمر عبره آلاف السفن سنوياً، حاملة النفط والغاز والبضائع الأساسية، وأي اضطراب في هذا المسار ينعكس مباشرةً على حركة التجارة العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن إطالة زمن وصول السلع.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تتزايد المخاوف من سيناريو بالغ الخطورة يتمثل في تعطّل هذين الممرين الحيويين في وقتٍ واحد. وفي حال تحقق ذلك، فإن العالم قد يواجه شللاً شبه كامل في حركة التجارة بين الشرق والغرب، ما سيدفع الشركات إلى البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تضخمٍ كبير في الأسعار.
إن خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في تأثيره على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى مختلف جوانب الاقتصاد العالمي، من الصناعات الثقيلة إلى السلع الاستهلاكية اليومية. فتعطّل سلاسل الإمداد يؤدي إلى نقص في المعروض، وارتفاع في الأسعار، ما يضع ضغوطاً هائلة على الاقتصادات، خاصةً تلك التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
وقد أثبتت التجارب السابقة، مثل حرب تشرين الأول 1973 والثورة الإيرانية 1979، أن الأزمات الجيوسياسية قادرة على إحداث صدمات كبيرة في أسواق الطاقة. إلا أن الفارق اليوم يكمن في حجم الاعتماد العالمي على هذه الموارد، واتساع نطاق التأثير، حيث باتت أي أزمة محلية قادرة على إحداث اضطراب عالمي واسع.
إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي
كما أن جائحة كورونا قدّمت مثالاً واضحاً على هشاشة النظام الاقتصادي العالمي، عندما أدت إلى تعطّل سلاسل التوريد، وانكماش الاقتصاد العالمي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر. واليوم، ومع عودة التوترات الجيوسياسية، يلوح في الأفق خطر تكرار سيناريو مشابه، ولكن بأبعاد أكثر تعقيداً وخطورة.
وفي خضم هذه التحولات، قد تظهر بعض القوى كأطراف مستفيدة من إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي. ومن بين هذه القوى، تبرز روسيا، التي قد تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الطلب على صادراتها من النفط والغاز، خاصةً في حال تراجع الإمدادات من مناطق أخرى.
ويرى مراقبون أن روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، قد تجد في هذه الأزمة فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي والسياسي على الساحة الدولية. ومع ذلك، فإن هذه المكاسب تبقى محدودة مقارنةً بحجم المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي ككل. فاستمرار التوترات، أو تصاعدها إلى مستويات أعلى، قد يؤدي إلى دخول العالم في مرحلة من الركود التضخمي، حيث تتزامن معدلات التضخم المرتفعة مع تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما يُعدُّ من أصعب السيناريوهات التي تواجه صناع القرار.
التعاون الدولي
إن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم تعد الخيارات تقتصر على السلام أو الحرب، بل تمتد إلى كيفية إدارة الترابط الاقتصادي العالمي في ظل الأزمات، فالحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي يتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً، وإعادة النظر في طبيعة سلاسل الإمداد، وتعزيز مرونتها لمواجهة الصدمات.
في المحصلة، تؤكد التطورات الراهنة أن الحروب لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل أصبحت تُدار عبر الاقتصاد، والممرات البحرية، وأسواق الطاقة. ومع هذا التحول، يصبح أي تصعيد إقليمي مرشحاً للتحول إلى أزمة عالمية، ما لم يتم احتواؤه بحكمة، قبل أن تتسع رقعته ويخرج عن السيطرة.
وبينما تتزايد المؤشرات على تصاعد المخاطر، يبقى السؤال مفتوحاً.. إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمّل صدمات جديدة، في ظل نظام اقتصادي هش، يعتمد على توازنات دقيقة قد تنهار في أي لحظة؟
No Result
View All Result