No Result
View All Result
بدرخان نوري
توقفُ المعاركِ الكبيرة في سوريا، لا يعني نهايةَ الموتِ وعدم سقوط ضحايا، فهناك بين الركام والحقول والدروب الريفيّة وحتى في البادية، يستمر فصلٌ آخر من الحربِ، فالألغام هي إرث الحروب وقاتلٌ صامت يتربصُ بالناس بانتظارِ أن تزِلَ قدمٌ أو تمر عجلة آلية، لينفجر دون سابقٍ إنذارٍ فيحوّل الأجساد إلى أشلاء أو يتسبب ببتر طرفٍ أو جراحٍ بليغة. وفي هذه الفترة تكثر حوادث انفجار الألغام مع خروج الناس إلى البادية بحثاً عن الكمأة لتأمين مصدرٍ للدخلِ، في رحلةٍ على حوافِ الموتِ.
سوريا الأكثر تلوثاً بالألغام
وصفت منظمة “هالو ترست”، في تقرير نشرته في 23/3/2026 بعنوان النجاة من الحرب والموت في السلام، وأنّه بعد مرور 15 عاماً على الأزمة السوريّة، لا تزال الألغام الأرضيّة تحصد أرواح المدنيين مع تدفق اللاجئين عبر الحدود من لبنان وتعد سوريا من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام الأرضيّة. ومع تصاعد حدة الصراعات في الشرق الأوسط، فرّ عشرات الآلاف من الأشخاص من لبنان المجاور إلى سوريا حيث يواجهون مخاطر أكبر. وعبر 140 ألف لاجئ الحدود منذ بدء عملية “الغضب الملحميّ”، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
وينضم هؤلاء إلى ملايين العائلات السوريّة النازحة داخليّاً، والذين هم إما في حالة نزوح أو عائدون إلى ديارهم بعد انتهاء الحرب. ولا يعلم معظمهم شيئاً عن المتفجرات التي لا تزال مخبأة بين الأنقاض، وفي الحقول الزراعية، والمنازل، والمدارس، أو متناثرة على جوانب الطرق. “نواجه تحدياً هائلاً في إزالة الألغام الأرضية (بما في ذلك العبوات الناسفة) والذخائر غير المنفجرة. حجم المشكلة هائل، فالناس يُقتلون ويُصابون يومياً”.
وحذّر أندرو مور، المدير الإقليميّ لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة “هالو ترس”، من انتشار حقولِ الألغام في جميعِ أنحاء البلاد، لا سيما على طول خطوط المواجهة السابقة في الشمال الغربيّ. ومؤخراً، قُتل أب وابنته أثناء جمعهما الحطب. وفي قرية واحدة بالقرب من مدينة سراقب وحدها، أحصيتُ ما بين سبعة وثمانية جرارات مفخخة كان المزارعون يحاولون زراعة أراضيهم فيها”.
وقال التقرير إنّه تم تسجيل ما لا يقل عن 1900 إصابة و700 حالة وفاة، بينهم نحو 200 طفل، منذ سقوط النظام البائد في كانون الأول 2024، ورجّح أن تكون الأرقام الحقيقيّة أعلى بكثير بسبب صعوبة التوثيق الكامل للحوادث. ويُعدّ الأطفال أكثر عرضةً لخطر مخلفات الحرب المتفجرة، إذ يُمثّلون 40% من الإصابات وأكثر من 30% من الوفيات. تقع العديد من الحوادث عندما يبحث الأطفال عن الخردة المعدنية لبيعها في الأسواق المحلية أو لمساعدة عائلاتهم في رعي الماشية أو زراعة المحاصيل. كما تضررت أو دُمرت أكثر من ثمانية آلاف مدرسة بشدة، ويقع العديد منها في مناطق خطرة، ما يجعل من المستحيل على الأطفال حتى الذهاب إلى المدرسة بأمان أو حضور الدروس.
وحثّ مور مؤخراً حكومة المملكة المتحدة على تقديم المزيد من الدعم المالي متعدد السنوات بشكل عاجل للعمل الإنساني المتعلق بالألغام، مسلطاً الضوء على ريادة بريطانيا من خلال البرنامج العالمي للعمل المتعلق بالألغام GMAP. وقال: “لا توجد أموال كافية في الوقت الحالي، والتمويل الذي تلقيناه لم يسمح لنا بالضرورة بالتصرف بشكل استراتيجي. معظمه قصير الأجل، لذا لا يمكننا التخطيط بشكل فعليّ. سيكون من المثالي لو كان لدينا تمويل متعدد السنوات حتى نتمكن من التحدث مع الجهات المانحة بشكل مشترك حول الأولويات والاحتياجات”.
وشدد مور على ضرورة تعزيز المركز الوطنيّ السوريّ للعمل المتعلق بالألغام، الذي يضم حالياً سبعة موظفين فقط لتنسيق الاستجابة الوطنية بأكملها. وقال إن التمويل الدوليّ المستدام أمر بالغ الأهمية لتوسيع قدرات سوريا وتعزيز تعافيها على المدى الطويل.
هالو ترست The HALO Trust منظمة إنسانيّة بريطانيّة دوليّة متخصصة بإزالة الألغام ومخلفات الحرب من مناطق النزاعات، وأُسِّست في أفغانستان عام ١٩٨٩، وتنشط حالياً في أكثر من ٣٠ منطقة بالعالم. وتعمل المنظمة في سوريا منذ عام 2017 على إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة وتوعية السكان المحليين، ورسم خرائط لحقول الألغام.
وقال تقرير هيومن رايتس ووتش في 8/4/2025 إنّ الألغام والمخلفات الحربيّة المتفجرة تؤذي المدنيين، وعلى الحكومة والجهات المانحة دعم جهود الإزالة والتوعية والمساعدة بشكل عاجل وأنّ النزاع المستمر منذ أكثر من عقد تسبب بتلوث واسع النطاق بالألغام الأرضيّة والمتفجرات من مخلفات الحرب في سوريا، ما يُشكل عائقا رئيسيا أمام العودة الآمنة وجهود إعادة الإعمار.
قبل نحو عام دقّت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أجراس الخطر ونشرت تقريراً بعنوان “حيث تبقى الحرب طويلاً بعد توقف القتال: أطفال في مشهد من الموت والخطر”، وقال مدير الاتصالات في اليونيسف ريكاردو بيريس في مؤتمر صحفيّ عُقد في 14/1/2025 في قصر الأمم في جنيف: “في كانون الأول 2024 وحده، تلقت اليونيسف تقارير بمقتل أو إصابة 116 طفلاً بسبب الذخائر غير المنفجرة، أي بمعدل أربعة أطفال تقريباً باليوم”. ويعتقد أنّ هذا الرقم أقل من الواقع نظراً لتقلب الوضع الإنسانيّ على الأرض.
عشرات الضحايا والخطر قائم
لم تعدِ الألغامُ مجرد بقايا حرب، بل تحولت إلى تهديدٍ يوميّ يلاحق السوريّين في تفاصيل حياتهم: مزارع يحرث أرضه، طفل يلهو قرب منزله، أو عائلة تحاول العودة إلى منزلها المدمر، وبذلك أضحت مخلّفات الحرب أحد أخطر التحديات الإنسانيّة والأمنية التي تواجه سوريا بعد سنواتٍ طويلة من الصراع. فقد خلّفت الحرب حقولاً واسعة من الألغام والكثير من الذخائر غير المنفجرة التي تنتشر في المدن والقرى والحقول والطرق. وتهدد حياة المدنيين، وخاصة الأطفال والمزارعون والعائدون إلى مناطقهم، كما تعيق عودة الاستقرار وإعادة الإعمار واستئناف الحياة الطبيعيّة.
تكشف أرقام شهر واحد فقط أن الحرب في سوريا لم تنتهِ فعلياً، بل تغيرت أدواتها، فبدلاً من القصف والاشتباكات، باتت الألغام ومخلفات الذخائر هي القاتل الخفي الذي يلاحق الناجين من الحرب. وفي ظل غياب حلول جذرية، والجهود الحكومية لحكام سوريا الجدد في إزالة تلك المخاطر من الأراضي السوريّة، يبدو أنّ السوريّين محكومون بالتعايش مع “موت مؤجل”، قد ينفجر تحت أقدامهم في أي لحظة، ليؤكد أن السلام في سوريا لا يزال ناقصاً.. ومؤجلاً.
وتزداد الخطورة في ظلّ غياب خرائط دقيقة لمواقع زرع الألغام، أو برامج فعّالة وشاملة لإزالتها وعدم توفر الآليات المناسبة والعي الكافي للتعامل معها. وبذلك أصبحت معالجة مخلّفات الحرب وإزالتها ونشر الوعي بمخاطرها ضرورة ملحّة لحماية الأرواح وتمكين المجتمعات من التعافي والعودة إلى الحياة بأمان.
وارتفع بذلك عدد المدنيين الذين فقدوا حياتهم منذ مطلع عام 2026 حتى 29/3/2026 بانفجار أجسام ومواد وذخائر من مخلفات الحرب السوريّة 118 شخصاً: 80 رجلاً 31 طفلاً، سبع نساء، بالإضافة إلى إصابة 167 شخصاً 116 رجلاً، و50 طفلاً، وامرأة واحدة بجروح، توزعوا على النحو التالي:
مناطق سيطرة حكومة دمشق: قضى 107 أشخاص: 28 طفلاً وست نساء و73 رجلاً منهم (أربعة عمال كمأة)، إضافة إلى إصابة 157 شخصاً بجروح: 109 رجال، و48 طفلاً.
ـ مناطق الإدارة الذاتية: استشهد 11 شخصاً: سبعة رجال وثلاثة أطفال وامرأة واحدة، بالإضافة إلى إصابة عشرة بجروح: امرأة واحدة، وطفلان، وسبعة رجال.
ووثق المرصد السوريّ لحقوق الإنسان مقتل 24 عنصراً من العسكريين وعناصر فرق الهندسة المختصين في إزالة مخلفات الحرب وتفكيك الألغام. وإصابة 25 آخرين. وبالمجمل الإحصائيات غير نهائيّة إذ لطالما تقع الحوادث في سوريا وبخاصة في الأرياف والمناطق النائية دون رصد ولا تحظى بالمتابعة والتوثيق.
عبث الأطفال
ظهر في العديد من المقاطع المصورة المتداولة أطفال في ناحية عين عيسى يلعبون بمخلّفات الحرب، في سلوكٍ يتسم ببالغ الخطورة، ولم تقتصر سلوكيات الأطفال على العبث، بل تجاوزتها إلى تفجير الألغام برمي الحجر عليها ورميها بطريقة عشوائيّة ودون إدراكٍ لمكان سقوطها أو المخاطر الناجمة. وظهر شابان يفجّرون لغماً قرب منزلهما بإلقاء حجر عليه من فوق سطح المنزل.
تُظهر مثل هذه السلوكيات مستوى خطيراً من الإهمال والتساهل في التعامل مع الذخائر ومخلفات الحرب، والتي يمكن أن تشكّل تهديداً مباشراً للحياة وبخاصة الأطفال. كما تعكس غياب إجراءات فعّالة لإزالة هذه المخلفات أو توعية السكان بمخاطرها، ما يعرّضهم للموت أو الإصابة بعاهات دائمة.
يُعدّ استمرار وجود مخلّفات الحرب في المناطق السكنيّة وكذلك مواقع النشاط البشريّ والطرقات، وعدم اتخاذ التدابير اللازمة للتخلص منها أو حماية الأهالي، انتهاكاً واضحاً لحق السكان في الحياة والأمان، ويتطلب إجراءات فوريّة من الجهات ذات العلاقة لوضع حد من مخاطرها وتوفير بيئة آمنة للأهالي.
الكمأة وخطر الألغام
أكّد الدفاع المدنيّ في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بالحكومة السوريّة المؤقتة السبت 28/3/2026، ضرورة التقيد بإرشادات السلامة مع بدء موسم جمع الكمأة في مناطق البادية، والذي يشكل مصدر رزق للعديد من العائلات، محذراً من المخاطر الناجمة عن الانتشار الواسع للألغام ومخلفات الحرب في تلك المناطق.
وإذ تشكل الكمأة مصدر دخل مغرٍ للأهالي في هذه الفترة، إلا إنّه لا يمكن ضمان وجود مواقع آمنة في البادية، وخلال سنوات الحرب زرعت أعدادٌ هائلة من الألغام، والتي تكون عادة مخفية تحت التراب أو بين الصخور والنباتات. ولذلك من المهم أخذ كلّ أسباب الحيطة والحذر عند التجول في مواقع غير مأهولة، والانتباه إلى بعض المؤشرات التي يحتمل معها وجود ألغام ومنها ️وجود مركبات وآليات مدمرة وآثار لحيوانات نافقة. وأيّ تغيرات في شكلِ أو مستوى التربة والنمو الكثيف للنباتات مقارنةً بما يحيطها وعدم وجود آثار لمرور البشر ووجود أسلاك على الأرض.
يجب الالتزام الكامل بمساراتِ مرور البشر والمركبات التي تدل عليها آثار واضحة على الأرض، وعدم لمس أيّ جسم غريب، وعند التحرك في مجموعة يجب ترك مسافة لا تقل عن 20 متراً عن الآخرين وعدم دخول المباني المهجورة والخنادق والدشم وحتى الاقتراب من محيطها والحذر أشد في المواقع التي سبق أن شهدت حوادث انفجار ألغام أو معارك، ولفحص الأرض والبحث من الضروريّ استخدام عصا خشبيّة طويلة والضغط برفق على الأرض من الجانب، والتحقق جيداً من الأرض قبل مدّ اليد لالتقاط الكمأة.
وبحال وقوع انفجار، يجب عدم التحرك من المكان فوراً، بل تفحص الموقع للعودة، واقتفاء آثار مسلك القدوم نفسه بدقة، وطلب المساعدة الفوريّة.
No Result
View All Result