No Result
View All Result
كيفارا شيخ نور
مع تصاعد التوتر الإقليمي والدولي والحروب القائمة، يعود سؤال جوهري، لماذا تصمد بعض الدول تحت الضغط، بينما تتفكك أخرى بسرعة؟ الإجابة لا تبدأ من توازنات القوة العسكرية، وإنما من طبيعة العلاقة بين الدولة ومجتمعها، فالصراع الخارجي، مهما اشتد، يظل اختباراً لقدرة الداخل على التماسك.
فالدولة لا تواجه الأزمات بجيوشها وحدها، بل بثقة مواطنيها، وهذه الثقة – حين تكون قائمة – تتحوّل إلى ما يشبه عمقاً استراتيجياً داخلياً يمكّنها من امتصاص الصدمات، وإدارة التوتر، وتقليل كلفته. أما حين تتآكل، فإن أي ضغط خارجي يتحول سريعاً إلى عامل تفجير داخلي.
هنا يبرز الاندماج الديمقراطي كشرطٍ عملي لا نظري لصناعة هذا التماسك، ليس بوصفه نموذجاً مثالياً مجرداً، بل كآلية واقعية لإشراك مختلف مكونات المجتمع ضمن إطار عادل من الحقوق والواجبات، بما يعزز الإحساس بالشراكة في المصير بدلاً من الارتهان له.
ويقوم هذا الاندماج على التحول نحو بناء جمهوريات ديمقراطية (في سوريا والعراق وتركيا وإيران) تقوم على التفاوض والمصالحة والمواطنة الحرة، بحيث يندمج المجتمع الديمقراطي مع الدولة في إطار واحد يضمن حقوق وحرية الهويات المختلفة، دون أن يعني ذلك الانفصال عن وحدة الدولة.
في الحالة الإيرانية، يظهر هذا التحدي بوضوح. فالدولة تمتلك أدوات نفوذ إقليمي معتبرة، لكنها تواجه في الوقت نفسه فجوة متنامية مع قطاعات من مجتمعها، تجلت مثلاً في موجات الاحتجاج خلال السنوات الأخيرة، هذه الفجوة لا تعني فقط توتراً داخلياً، بل تضيّق هامش المناورة في أي مواجهة ممتدة، لأن القدرة على الصمود لا تُبنى خارجياً فقط، بل تُغذّى من الداخل. وكلما كانت الجبهة الداخلية أكثر انفتاحاً ومشاركة، اتسعت قدرة الدولة على التحمل وإدارة الصراع.
هذا النمط ليس خاصاً بإيران، في العراق قبل وبعد 2003، تحولت الانقسامات الطائفية والسياسية إلى عامل استنزاف دائم، جعل الدولة أكثر هشاشة أمام الضغوط الأمنية والإقليمية.
وفي سوريا، أدى غياب توافق وطني جامع منذ بدايات الأزمة عام 2011 إلى انزلاق سريع نحو صراع مفتوح، حيث لم يكن التحدي في حجمه فقط، بل في غياب بنية داخلية قادرة على احتوائه.
تركيا بدورها ليست بعيدة عن هذه المعادلة، ففي حال اتساع أي تصعيد إقليمي، سيكون العامل الحاسم داخلياً، وهو مدى قدرتها على توسيع قاعدة التماسك السياسي والاجتماعي، خاصةً فيما يتعلق بالقضية الكردية.
والانفتاح السياسي الحقيقي وتعزيز المشاركة يمكن أن يحوّلا التنوع إلى مصدر قوة، بينما استمرار التوتر دون معالجة عادلة قد يجعله نقطة استنزاف في لحظةٍ حساسة. أما في سوريا مستقبلاً، فإن أي حديث عن استقرار لن يكون ذي معنى ما لم يُبنَ على تسوية سياسية شاملة تعيد تشكيل الجبهة الداخلية على أسس الاعتراف بالتعدد والمواطنة المتساوية. دون ذلك، سيبقى أي هدوء هشاً، قابلاً للانهيار مع أول اختبار.
والخلاصة التي تفرض نفسها واضحة، فلا يمكن فصل القوة الخارجية عن التماسك الداخلي، فالدولة التي تفتقر إلى شرعية سياسية متينة، وإلى حد أدنى من الثقة بينها وبين مجتمعها، تجد نفسها تقاتل على جبهتين في آنٍ واحد (خارجية وداخلية).
وبناء جبهة داخلية صلبة لا يتحقق بالشعارات، بل عبر سياسات ملموسة، عبر توسيع المشاركة السياسية، وترسيخ المساواة أمام القانون، وإدارة التعددية باعتبارها واقعاً يجب استيعابه لا توظيفه. هذا ما يحوّل الاستقرار من حالة مفروضة إلى حالة مستدامة.
وفي النهاية، قد تنجح الدول في فرض هدوء مؤقت بالقوة، لكنها لا تستطيع إنتاج صمود طويل الأمد دون قاعدة اجتماعية راضية، فالصمود الحقيقي ليس في القدرة على الرد فقط، بل في القدرة على الاستمرار دون تفكك. وفي زمن الأزمات، يصبح الداخل -لا الخارج- هو خط الدفاع الأول والأخير.
No Result
View All Result