شهدت مدن شمال كردستان وتركيا، عقب أعياد النوروز المُهيبة التي احتفل بها الكرد على امتداد جغرافيتهم وفي مختلف أماكن وجودهم، تصاعداً في عمليات الاعتقال والمداهمات التي طالت الكرد من مختلف الفئات العمرية، بذريعة المشاركة في احتفالات عيد النوروز لهذا العام ورفع الأعلام والرموز الكردية، وهي خطوة من شأنها عرقلة مساعي حلّ القضية الكردية في شمال كردستان وتركيا، وكذلك إعاقة مبادرة السلام التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط من العام الماضي، تحت مسمّى “مبادرة السلام والمجتمع الديمقراطي”، وفق رؤية تاريخية واستراتيجية عصرية تخدم الشعبين الكردي والتركي على حدٍّ سواء، وتسعى إلى إنهاء حالة الحرب والعنف التي أنهكت المنطقة لأكثر من أربعة عقود.
إن حملات الاعتقال التي تشهدها شمال كردستان وتركيا، إلى جانب تصريحات المسؤولين الأتراك عقب الاحتفال بعيد النوروز، تأتي في سياق يؤكد أن الدولة التركية لا تميل إلى حلٍّ عاجل للقضية الكردية، بل تحاول، بشتى السبل، المماطلة في تنفيذ استحقاقات عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، وتتجنّب اتخاذ خطوات من شأنها تعزيز المسار الديمقراطي، الكفيل بإنهاء حقبة طويلة من الصراع والعنف، ليس في كردستان وتركيا فحسب، بل في المنطقة برمّتها، بما يتيح لشعوبها التمتّع بالحرية في إطار تكامل ديمقراطي طالما أشار إليه القائد عبد الله أوجلان في أطروحاته.
ويبدو أن تركيا تعيد حساباتها مرةً أخرى قبل الإقدام على أي خطوة من شأنها فتح آفاق جديدة أمام القضية الكردية، ولا سيما في ضوء المشاركة الواسعة للشعب الكردي في احتفالات النوروز، سواء في شمال كردستان وتركيا أو في روج آفا وأوروبا، وما رافق ذلك من التفافٍ لافت حول القائد عبد الله أوجلان ومشروعه الرامي إلى ترسيخ السلام وبناء المجتمع الديمقراطي.
وفي هذا السياق، تسعى أنقرة إلى كسب الوقت لمواصلة سياساتها المناوئة للشعب الكردي، وتعمل من خلال حملات الاعتقال، على استهداف مساعي الحل وعرقلة تطوّر المرحلة، ولا سيما فيما يتعلّق بتطبيق القوانين القائمة، وتعديل قانون مكافحة الإرهاب، ومعالجة ملفات السجناء المرضى، إضافةً إلى قضية الوكلاء والأوصياء الذين جرى تعيينهم بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين في المدن الكردية. ولا يخفى على أحد أن هذه الإجراءات لا تنسجم مع روح المرحلة، بل تقف حجر عثرة أمام الجهود المبذولة لإيجاد حلٍّ حقيقي.
نعم، يتعيّن على الدولة التركية أن تُبدي موقفها بوضوح، مستندةً إلى إرادة سياسية حقيقية تُنهي حالة انعدام الثقة التي تتفاقم داخل المجتمع، فثمة تناقض واضح بين خطابها السياسي وممارساتها على الأرض، وهو تناقض ينعكس سلباً على الواقع والميدان. وعلى تركيا أن تدرك أن تنفيذ عملية السلام لا يكون عبر الوعود، بل من خلال تطبيق القوانين الأساسية وترجمتها إلى خطوات ملموسة.
وفي ظلّ ما تشهده المنطقة من تحوّلات كبرى، حيث تحكم المصالحُ المشهدَ وتغدو الصفقات لغةً للتنافس الدولي، تحاول تركيا الخروج من هذه المعمعة بأقلّ الخسائر الممكنة. ورغم أنها لم تنخرط بشكلٍ مباشر في أتون الحرب حتى الآن، فإن تداعياتها لا بد أن تطالها. ولا سيما أن السياسة لم تعد تُدار ضمن الاصطفافات التقليدية، في ظلّ سعي أطراف دولية وإقليمية إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط بالقوة. ومن هنا، فإن تسريع وتيرة عملية السلام لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة إستراتيجية؛ إذ إن عرقلتها، حاضراً أو مستقبلاً، لن تكون في مصلحة تركيا بأي حال من الأحوال.