لم يعد الحديث عن الحروب في منطقتنا ترفاً فكرياً، بل تحوّل إلى لازمة يومية تتصدر مقالاتنا ونقاشاتنا في الآونة الأخيرة. فالحروب لم تعد أحداثاً عابرة، بل واقعاً دائماً تتقاطع فيه أطراف متعددة، تاركةً خلفها خراباً بشرياً ومادياً واسعاً، ودماراً يطال كل ما يمتّ للحياة بصلة. إنها حروب لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تعيد تشكيل ملامح العالم من حولنا، وتفتح أبواباً لا تُغلق أمام المجازر والانتهاكات بحق الأبرياء.
في هذا المشهد القاتم، لم يعد أحد بمنأى عن العنف؛ فالدماء تُسفك بلا توقف، وطاقات الإنسان تُستنزف حتى آخرها، وكأن الأرض تُدفع دفعاً نحو مصير مظلم، تفقد فيه قابليتها للحياة. آلة الحرب، حين تنطلق، لا تفرّق بين أخضر ويابس، بل تلتهم كل شيء في طريقها بلا تردد.
وسط هذا كله، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: من المستفيد؟
ليس سؤالاً بريئاً، ولا إجابة بسيطة. فالحروب، على قسوتها، تُدرّ أرباحاً هائلة على أطراف بعينها. في مقدمتهم تجار السلاح، الذين يقتاتون على الدم، ويحوّلون المآسي إلى صفقات. يليهم لاعبون أكبر: الدول التي تصف نفسها بـ”العظمى”، كالولايات المتحدة والصين وروسيا، والتي تدير المشهد من خلف الستار، وتعيد ترتيب توازناته بما يخدم مصالحها.
هذه القوى لا تخوض الحروب بالضرورة على الأرض، لكنها تُتقن إدارتها عن بُعد؛ تقود التحالفات، وتغذّي الأزمات، وتعيد تدويرها بما يضمن استمرار الحاجة إليها. كل ذلك يجري تحت عناوين براقة، بينما الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: مصالح إستراتيجية تُدار ببرود، وشعوب تُستنزف دون حساب.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو المنطقة وكأنها معلّقة على حافة الانفجار، أو كما يُقال: “على كف عفريت”. عبارة لم تعد مجازاً بل توصيفاً دقيقاً لحالة عدم الاستقرار التي باتت تطبع كل شيء.
إنها حرب يخسر فيها الجميع… هكذا يبدو للوهلة الأولى. لكن عند التمعّن، يظهر أن الخسارة ليست موزعة بالتساوي. فهناك من لا يعترف بالخسارة أصلاً، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، التي تتحرك وفق عقيدة واضحة: “أمريكا أولاً”. عقيدة تقوم على تعزيز القوة داخلياً، ثم توظيفها خارجياً لضمان المصالح، مهما كان الثمن.
ولتحقيق ذلك، لا تُستخدم القوة العسكرية وحدها، بل تُغلّف السياسات بمفاهيم جذابة: الديمقراطية، الحرية، حقوق الإنسان، العدالة… مصطلحات تبدو نبيلة في ظاهرها، لكنها كثيراً ما تتحول إلى أدوات للنفوذ والتدخل، وذرائع لإعادة تشكيل الدول والمجتمعات وفق مقاسات محددة.
اليوم، لا تُخاض الحروب فقط بالسلاح، بل أيضاً بالأفكار والمفاهيم. فالمنطقة تشهد عملية إعادة هندسة شاملة، تقودها قوى كبرى تسعى إلى تثبيت هيمنتها، فيما تحاول قوى أخرى أن تجد لنفسها موقعاً في الخارطة الجديدة. صراع لا يرحم المترددين، ولا ينتظر المتأخرين.
وفي ظل هذا التعقيد، يصبح الحذر ضرورة لا خياراً، كما يغدو التحرك الواعي، القائم على رؤية واضحة تخدم الشعوب لا الأنظمة أو المصالح الضيقة، هو السبيل الوحيد لتفادي مزيد من الانزلاق نحو الفوضى.