No Result
View All Result
حمزة حرب
لفهم ما جرى بعد اتفاق 29 كانون الثاني، لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء، العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية، والحكومة المؤقتة، لم تكن يومًا علاقة مستقرة، أو واضحة المعالم، فرغم توقيع الاتفاق لا تزال مماطلة، رغم إن “قسد”، تولي اهتماماً كبيراً فيما يخص ملف الأسرى والمعتقلين، بينما تماطل الحكومة المؤقتة، في دمشق، التوصل للحلول الجذرية، في هذا الملف، رغم تأكيدها بأنها تعمل على إعداد قوائم بأسماء المعتقلين، لكن على أرض الواقع لا يوجد حل مستدام للمشكلة، وكان هناك خطوة أولى بإطلاق سراح 200 أسير من الجانبين، في الفترة الأخيرة، على أمل طي صفحة هذا الملف وإنهاؤه.
“قسد”، تحاول حلّ الملفات الإنسانية المتعلقة بالمهجرين، والمعتقلين، ودمج المؤسسات الخدمية، والإدارية، قبل حسم مصير الجانبين العسكري، والأمني، وهما الأكثر تعقيداً، وتشابكاً، فعدم التوصل إلى تفاهمات قابلة للصمود قد يفجّر الموقف برمته، ويعيد الأوضاع في روج آفا، وسوريا، إلى مربع التصعيد والتوتر بحسب مراقبين، وهناك الكثير من العقبات تعترض طريق تطبيق الاتفاق، وطي صفحة الملفات العالقة على الصعيد الإنساني، فلا زال ملف المهجرين لم يحسم بعد، والأسرى لم يتم إنهاؤه، وحتى العسكري والإداري، لم يتم طي صفحته، الأمر الذي يعكس عدم جدية الحكومة في تطبيق تعهداتها والتزاماتها. 
آمال كبيرة بتطبيق بنود الاتفاقية
رغم الضجة السياسية التي رافقت الإعلان عن اتفاقية 29 كانون الثاني، فإن تفاصيل الاتفاق لم يتم التعامل معها بشكل جيد، باستثناء التصريحات والزيارات التي شهدتها روج آفا، ودخول عناصر الأمن العام الى نقاط محددة في كل من الحسكة، وقامشلو وبعض خطوط التماس إلا إن الملفات الجوهرية لم يتم حلها بعد.
لكن ومع حالة الاحتقان الشعبي، والتباطؤ الحكومي، ينظر البعض بإيجابية كبيرة لهذا الاتفاق كونه أنهى الصدام العسكري، الذي أرق المجتمع السوري، وكاد أن يخلق واقعاً مأساوياً، لولا توقف المعارك بين الجانبين، بموجب الاتفاق، لكن هذا الشبح لن يزول، ما لم يتم الإسراع في تطبيق بنود الاتفاق.
لا يمكن إغفال بعض الخطوات الإيجابية التي اتخذت على أرض الواقع، فقد تم بموجب الاتفاق تعيين محافظ للحسكة، ومؤخراً تم تعيين معاون لوزير الدفاع، وإطلاق دفعة من الأسرى، من الطرفين وهو ما رحبت به قوى سياسية في روج آفا، هذا الاتفاق نص على بنودٍ توافقية عدة، شكل نواة لتفاهماتٍ كبرى على الصعيد الوطني، وهو ما عول عليه السوريون، وكان بارقة أمل خصوصاً مع عودة الدفعة الأولى من المهجرين إلى عفرين، وكان المأمول أن تتسارع الخطوات لتشمل كل المهجرين. لكن؛ بعض الأصوات تتصاعد، وتبث خطاب الكراهية، تحاول عرقلة تطبيق الاتفاق، وتؤكد عدم قدرة الحكومة المؤقتة من السيطرة على المشهد في المناطق التي تسيطر عليها، خصوصاً في سري كانيه، وكري سبي، وبعض المناطق الأخرى، لذا نرى تراخياً في إتمام ما تم الاتفاق عليه.
ملفٌ الأسرى معقد ينتظر الحل الجذري
بالمجمل لا يزال ملف الأسرى عالقاً دون إحراز أي تقدم ملموس، رغم مرور أكثر من شهرٍ ونصف على البدء بتنفيذ بنود الاتفاق، الموقّع في 29 كانون الثاني، بين “قسد”، والحكومة المؤقتة، والذي تضمن مصير المحتجزين، والأسرى، وفي هذا السياق، شهدت عدة مناطق تزايداً في الوقفات الاحتجاجية، والمظاهرات التي نظمتها عائلات الأسرى، والمعتقلين، بمناطق مختلفة في الجزيرة، حيث طالب المشاركون الكشف عن مصير أبنائهم المحتجزين، في سجون الحكومة المؤقتة، مؤكدين ضرورة توضيح أوضاعهم القانونية، والإنسانية، والإفصاح عن أماكن وجودهم. 
وطالبت عائلات الأسرى “الجهات المعنية” اتخاذ خطوات عملية وجدية، لمعالجة هذا الملف، الذي يعد من أكثر القضايا الإنسانية حساسية، في ظل استمرار حالة القلق والغموض، التي تعيشها آلاف العائلات بانتظار معلومات عن مصير ذويهم.
من جانبه، دعا المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى الكشف الفوري عن مصير المعتقلين والمحتجزين، ونشر قوائم بأسمائهم، وأماكن احتجازهم، والسماح للمنظمات الحقوقية، والإنسانية، بالاطلاع على أوضاعهم، تمهيداً لمعالجة هذا الملف، بما يضمن احترام القوانين والمعايير الإنسانية، ويخفف من معاناة عائلاتهم.
ورغم إن “قسد”، والحكومة المؤقتة، كانتا قد تبادلتا الإفراج عن مائتي معتقل في العاشر من آذار الحالي، لكنه لم يكن كافياً، فأعداد الأسرى تتجاوز ذلك بكثير، سيما وإن هذا الملف يعد الملف المحوري، لبناء الثقة في سياق عملية الدمج الوطني الشامل، وتحقيق المصالحة الوطنية، وفتح المجال أمام السوريين، للعمل معاً من أجل بناء مستقبل مستقر وآمن، بعيداً عن الانقسامات، وضمن إطار جهود السوريين، لتعزيز الأمن، وتحقيق الاستقرار الشامل.
وكان الفريق الرئاسي، التابع للحكومة المؤقتة، قد بين أنه يعمل بشكل متواصل على إعداد قوائم بأسماء الأسرى للإفراج عنهم، يرجح أن تعدادهم يتجاوز الـ 300 أسير ويبلغ إلى جانب المعتقلين السابقين 1070 أسيراً بحسب ما صرح به القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي سابقاً، بالإضافة إلى استعادة جثامين مقاتلين استشهدوا خلال الفترة الماضية، هذه الخطوة يعلق عليها مراقبون، ويرجحون، أن يتم تنفيذها قبيل عيد نوروز، لكن ومع ذلك اعتبرت منظمات حقوقية، واجتماعية، إن هذا الملف تحديداً تمت المماطلة فيه من الحكومة المؤقتة، التي وصفت بالغير مبررة، وتم التشديد على ضرورة إغلاق هذا الملف، إن كانت الحكومة جادة في تعهداتها.
المنظمات الإنسانية، سعت لنقل معاناة أهالي الأسرى، والمفقودين، إلى الرأي العام العالمي، وإلى المؤسسات الدولية المعنية بالشأن السوري، وكذلك لوضع العالم، أمام حقيقة الانتهاكات الصارخة التي طالت شعوب المنطقة، في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، وصولاً إلى دير حافر والطبقة والرقة. ليبقى ملف الأسرى بحسب وصف هذه المنظمات، بالجرح النازف في قلب المجتمع السوري، لا سيما أن الأعداد الضئيلة التي تم الإفراج عنها، لا تُذكر، مقارنة بآلاف المغيبين قسراً في سجون الحكومة المؤقتة، ما يشكل بحسب بياناتٍ عديدة تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، والنسيج الاجتماعي، وخرقاً لجميع القوانين والأعراف الدولية. مطالبين بضرورة التحرك الدولي الفوري والحازم، لإجبار الجهات المعنية بالكشف العلني والسريع، عن مصير المفقودين، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، دون قيد أو شرط، ووقف أشكال التعذيب والانتهاكات الحقوقية، التي تُرتكب تحت غطاء العمليات العسكرية والأمنية.
مع تصاعد الأصوات التي تشدد ضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة ومحايدة، للوقوف على جرائم الإعدامات الميدانية، وتوثيق الانتهاكات المرتكبة، كخطوة أساسية لا غنى عنها، لإرساء قواعد العدالة الانتقالية، ومحاسبة الجناة، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب، ووضع حد للممارسات التعسفية التي تتبعها القوات التابعة للحكومة المؤقتة.
تطبيق الاتفاق بوابة لحلٍ شامل
رغم التعقيدات، ما يزال اتفاق الدمج، يمثل إحدى الفرص القليلة المتاحة لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة، فتنفيذه لا يعني فقط حل مشكلة إدارية، أو عسكرية، بل سيشكل خطوة نحو إعادة بناء سوريا، على أسس أكثر استقراراً، كما يمكن أن يفتح الباب، أمام حوار أوسع، حول شكل النظام السياسي في البلاد، بما في ذلك قضايا اللامركزية، والإدارة المحلية لكن هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، فالتاريخ السياسي للصراعات الطويلة، يُظهر أن الفرص التي لا تُستثمر في وقتها قد تتحول لاحقًا إلى أزمات أكبر.
ومن بين هذه الملفات التي تستوجب الحل العاجل هو ملف الأسرى، لما له من أثر كبير في سياق السلم الأهلي، وإعادة بناء الثقة بين أطراف المعادلة السورية، فمن خلال هذه الثقة سيتم ترميم البيت الداخلي السوري، وتقليل مخاطر التصعيد، وإنهاء العنف، وطي صفحة المخاوف من حربٍ أهلية واسعة النطاق.
فإعادة ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين القوى السياسية، والعسكرية المختلفة، يعتبر التحدي الأبرز، ومحور النقاش الأهم، حول مستقبل سوريا، فكل المبادرات السياسية، سواء جاءت من الداخل، أو عبر مسارات دولية، تصطدم في النهاية، بعدم القدرة على بناء أرضية مشتركة، تسمح للسوريين، بالعيش ضمن دولة واحدة بعد سنوات من الانقسام العميق.
الكثير من المحللين، يعتقدون أن العقبة الأكبر أمام الحل في سوريا، ليست عسكرية، أو سياسية، بل نفسية واجتماعية، فالحرب الطويلة، خلقت حالة من الشك المتبادل بين أطراف متعددة، بين الحكومة والمعارضة، وبين الشعوب المختلفة، وبين المجتمعات المحلية، والدولة المركزية، وفي بعض المناطق، فقد السكان الثقة بقدرة الدولة على حمايتهم، خصوصاً في مناطق شمال وشرق سوريا، وجعلت فكرة العودة إلى الوضع الذي كان قائماً في ظل دولة مركزية، غير ممكنة.
لذلك، فإن أي تسوية سياسية في سوريا، لا يمكن أن تقوم فقط على اتفاقات بين القوى السياسية، بل تحتاج إلى عملية أعمق، لإعادة بناء الثقة بين أطراف المعادلة السورية، تتعلق بشكل الدولة السورية في المستقبل، خصوصاً مع إصرار الحكومة المؤقتة، بالحفاظ على نموذج الدولة المركزية، فيما ترى “قسد”، أن الحل يكمن في توسيع صلاحيات الإدارة المحلية، ومنح المناطق قدراً أكبر من الاستقلالية في إدارة شؤونها.
وعلى سبيل المثال تطورت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، التي أدارت مؤسسات مدنية وخدمية، في عدد من المدن والبلدات لسنواتٍ، سيرت أمور المجتمعات المتعايشة على هذه الأرض، بعد أن تركهم النظام السابق، يصارعون مصيرهم المجهول، ويسلم رقابهم للمجموعات الإرهابية. فاليوم من بقي صامداً على أرضه، يدافع عنها ويحميها، قابع في معتقلات الحكومة المؤقتة، لا حل ينهي معاناته، ولا خطوات تعيد بناء الثقة، وهذا ما أثار مخاوف واسعة من تكرار تجارب النظام السابق، في التعامل مع هذه الشعوب، وهو ما شكل هاجساً كبيراً، فيما يخص قدرة الحكومة، على احتواء السوريين.
فملف الأسرى هو القضية الإنسانية الأولى، لا سيما أنه مرتبط بآلاف العائلات، التي تبحث عن مصير أبنائها، خصوصاً بعد أن تحول هذا الملف مع مرور السنوات، إلى مفتاح سياسي، محتمل لأي حل شامل في البلاد، لأنه أساس أية تسوية سياسية حقيقية، قد تمر أولًا عبر معالجة هذا الملف، وإنهاؤه بشكلٍ كامل وشفاف.
No Result
View All Result