No Result
View All Result
محمد عيسى
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد مجرد حدث سياسي أنهى مرحلة طويلة من الحكم الدكتاتوري، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وغموضاً في تاريخ سوريا الحديث. فبدلاً من أن تدخل البلاد ما وُصف حينها بـ”المرحلة الانتقالية” التي وعد بها كثير من الفاعلين السياسيين، وجدت نفسها أمام واقع أكثر تشابكاً، حيث تداخلت الحسابات الإقليمية مع الأزمات الداخلية، وأُعيد ترتيب المشهد السياسي والعسكري بطريقة كشفت أن التغيير لم يكن قطيعة كاملة مع الماضي بقدر ما كان إعادة تشكيل له ضمن معادلات جديدة.
سوريا بين التحول والخطر
في 30 كانون الثاني 2025، تولّى أحمد الشرع رئاسة الحكومة السورية المؤقتة في لحظة اعتُبرت مفصلية، وقُدّمت للرأي العام السوري والإقليمي على أنها بداية عهد جديد قد يقود البلاد إلى الاستقرار بعد أكثر من عقد من الحرب. غير أن الوقائع التي تلت هذا التاريخ سرعان ما أظهرت أن الطريق نحو الاستقرار لن يكون سهلاً، وأن سوريا ما تزال عالقة في شبكة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تراكمت منذ اندلاع الحرب في آذار 2011 وبدء الأزمة في سوريا.
ففي الداخل السوري، كانت البلاد ما تزال تعاني من آثار حرب مدمرة استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً، خلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية، وتراجعاً اقتصادياً حاداً، إضافة إلى تفتت اجتماعي وطائفي عميق لم تتمكن أي سلطة سياسية حتى الآن من معالجته بصورة حقيقية. وفي الخارج، بقيت سوريا ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، ما جعل أي تحول داخلي عرضة للتأثر المباشر بالصراعات المحيطة.
ومع دخول عام 2026، بدأت المنطقة تشهد تصعيداً عسكرياً خطيراً بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو تصعيد سرعان ما تحوّل إلى حرب إقليمية مفتوحة تهدد بجرّ عدة دول إلى دائرة المواجهة، وفي مقدمتها لبنان وسوريا.
وبينما تحاول دمشق في الظاهر تجنب الانخراط المباشر في هذه الحرب، تشير التطورات الميدانية والسياسية إلى أن سوريا قد تجد نفسها عاجلاً أم آجلاً في قلب هذا الصراع، سواء بشكل مباشر أو عبر الضغوط العسكرية والسياسية التي تتعرض لها.
انتقال معلق بين الداخل والخارج
عندما أعلن في 30 كانون الثاني 2025 تولّي أحمد الشرع رئاسة الحكومة السورية المؤقتة، كان الخطاب الرسمي يتحدث عن بداية مرحلة انتقالية تهدف إلى إعادة بناء الدولة وإطلاق عملية سياسية جديدة تعالج آثار سنوات الحرب الطويلة. لكن؛ هذه المرحلة لم تتطور كما كان يأمل كثير من السوريين. فبدلاً من أن تشهد البلاد تحولاً سريعاً نحو الاستقرار، بقيت التحديات الأساسية على حالها تقريباً.
ففي الجانب الاقتصادي، كانت سوريا تواجه واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخها الحديث. فوفق تقديرات اقتصادية صدرت خلال عام 2025، كان أكثر من 80 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما تضررت أو دُمّرت أجزاء كبيرة من البنية التحتية نتيجة سنوات الحرب.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد تركت الحرب التي بدأت في 2011 آثاراً عميقة في بنية المجتمع السوري. فقد أدت سنوات الصراع إلى نزوح ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها، كما ساهمت في تعميق الانقسامات الطائفية والاجتماعية التي لم تكن بهذه الحدة قبل الحرب. هذه الانقسامات لم تكن مجرد خلافات سياسية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى توترات اجتماعية حقيقية بين مكونات المجتمع السوري، وهو ما جعل عملية إعادة بناء الدولة أكثر تعقيداً.
وفي ظل هذا الواقع، لم تكن سوريا مهيأة أصلاً للدخول في أي مواجهة عسكرية جديدة، خاصة في ظل استمرار وجود عدة قوى عسكرية على أراضيها، وتعدد مناطق النفوذ داخل البلاد. لكن؛ التطورات الإقليمية المتسارعة بدأت تدفع سوريا تدريجياً نحو دائرة الخطر.
الحرب الإقليمية تبدأ
في 28 شباط 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد عندما اندلعت الحرب المباشرة بين إسرائيل وأمريكا وإيران بعد سلسلة طويلة من العمليات العسكرية والاغتيالات المتبادلة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر السابقة.
فمنذ حكم النظام السوري البائد، كانت إسرائيل تنفذ ضربات جوية متكررة داخل الأراضي السورية واللبنانية استهدفت مواقع قالت إنها مرتبطة بإيران أو بحلفائها في المنطقة. وفي المقابل، كانت طهران تعمل على تعزيز شبكة حلفائها الإقليميين، في إطار ما يُعرف “بمحور المقاومة”. لكن؛ التوتر بين الطرفين بلغ ذروته في نهاية شباط 2026 عندما تحولت هذه المواجهة غير المباشرة إلى حرب مفتوحة.
هذه الحرب لم تبقَ محصورة بين إسرائيل وإيران فقط، لأن طهران تعتمد على شبكة واسعة من الحلفاء المسلحين المنتشرين في عدة دول، وهو ما جعل المنطقة بأكملها مهددة بالانجرار إلى صراع متعدد الجبهات. وكان لبنان أولى الساحات التي انتقلت إليها هذه الحرب.
ففي الثاني من آذار 2026، أعلن حزب الله دخوله المعركة عبر إطلاق هجوم صاروخي واسع على إسرائيل تضامناً مع إيران. وبحسب تقارير عسكرية، أطلق الحزب خلال الساعات الأولى من الهجوم مئات الصواريخ باتجاه مناطق مختلفة في شمال إسرائيل. الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وقاسياً، حيث بدأت الطائرات الحربية الإسرائيلية تنفيذ ضربات جوية مكثفة داخل لبنان، مستهدفة مواقع عسكرية ومخازن أسلحة تابعة للحزب. وبذلك بدأت فعلياً حرب لبنان 2026 التي ما تزال مستمرة حتى الآن.
تصعيد لبنان يهدد بتوسيع الحرب
خلال الأيام الأولى من الحرب، وتحديداً بين الثاني والسادس من آذار 2026، نفذت إسرائيل مئات الضربات الجوية داخل الأراضي اللبنانية، استهدفت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان ومنطقة البقاع. هذه الضربات أدت إلى دمار واسع في البنية التحتية، كما تسببت في موجة نزوح كبيرة للسكان، خاصة في المناطق الحدودية القريبة من إسرائيل. ووفق تقديرات إنسانية أولية، اضطر آلاف المدنيين اللبنانيين إلى مغادرة منازلهم خلال الأيام الأولى من القتال، في وقت كان لبنان يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات.
وفي الرابع من آذار 2026، أعلنت الحكومة اللبنانية خطوة غير مسبوقة عندما قررت حظر النشاط العسكري لحزب الله داخل لبنان، وطالبت الحزب بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية. لكن؛ هذا القرار بقي عملياً دون تنفيذ، لأن الحزب يمتلك قوة عسكرية كبيرة وتنظيماً مستقلاً عن مؤسسات الدولة، ما جعل تطبيق القرار شبه مستحيل في ظل الظروف الحالية.
ومع استمرار القتال، شهدت الحرب تصعيداً خطيراً في 12 آذار 2026 عندما نفذت إسرائيل غارة جوية كبيرة على منطقة رملة البيضاء في بيروت. وقد أدى هذا الهجوم إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين الذين كانوا قد نزحوا إلى المنطقة هرباً من القصف في الجنوب، وهو ما اعتُبر تحولاً خطيراً لأن الضربة وقعت في وسط العاصمة اللبنانية وليس في مناطق المواجهة المباشرة. وفي اليومين التاليين، أي 12 و13 آذار 2026، وسعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية بشكل أكبر، حيث شملت الضربات الضاحية الجنوبية لبيروت إضافة إلى استهداف جسور وبنى تحتية رئيسية. كما أصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر إخلاء واسعة في جنوب لبنان تحسباً لعملية برية محتملة. لكن؛ التطور الأكثر حساسية لم يكن في لبنان، بل على الحدود السورية اللبنانية.
سوريا وخطر الانجرار للحرب
في 14 آذار 2026، نقلت القناة 12 الإسرائيلية تقارير تحدثت عن قيام الجيش السوري بتفكيك الألغام على الحدود اللبنانية السورية في مناطق مثل وادي خالد والأغوار اللبنانية الشرقية. وبحسب هذه التقارير، فإن عملية إزالة الألغام قد تكون تمهيداً لاحتمال دخول قوات سورية إلى لبنان. هذا التطور أثار مخاوف كبيرة داخل حزب الله، الذي بدأ بدوره تعزيز قواته في البقاع اللبناني خلال يومي 14 و15 آذار 2026 تحسباً لأي تحرك عسكري محتمل من جهة سوريا.
وتحدثت بعض التحليلات العسكرية عن احتمال أن يكون الهدف من هذه التحركات فتح جبهة ضغط إضافية على حزب الله من الشرق، في وقت يواجه فيه الحزب ضغطاً عسكرياً كبيراً من إسرائيل في الجنوب. لكن؛ السؤال الأكبر الذي بدأ يطرح نفسه في الأوساط السياسية والإعلامية هو: هل تحاول إسرائيل جرّ سوريا إلى الحرب؟
ففي ظل الصراع القائم بين إسرائيل وإيران، تبدو سوريا واحدة من الساحات الأكثر حساسية في المنطقة، لأنها تقع جغرافياً بين عدة جبهات محتملة للصراع. كما أن وجود قوى مرتبطة بإيران داخل الأراضي السورية يجعل البلاد جزءاً من المعادلة الإقليمية حتى لو لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب. لكن؛ المشكلة الأساسية أن سوريا ليست في وضع يسمح لها بالدخول في حرب جديدة. فبعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب التي بدأت في 2011، ما تزال البلاد تعاني من آثار الدمار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
كما أن المجتمع السوري نفسه ما يزال يعيش حالة من التعب والانقسام والتفكك الاجتماعي، وهو ما يجعل أي حرب جديدة خطراً حقيقياً على ما تبقى من استقرار داخل البلاد. إضافة إلى ذلك، فإن توسيع الحرب إلى الداخل السوري قد يؤدي إلى إشعال توترات طائفية جديدة في المنطقة، خاصة في ظل محاولات بعض القوى الإقليمية استثمار الانقسامات المذهبية بين السنة والشيعة لإضعاف خصومها.
وفي حال تحولت سوريا إلى ساحة جديدة للصراع بين إسرائيل وإيران أو بين الولايات المتحدة ومحور المقاومة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. حتى الآن، تحاول سوريا رسمياً الحفاظ على موقف حذر من الحرب الدائرة في المنطقة، لكن التطورات الميدانية تشير إلى أن هذا الحياد قد يكون صعب الاستمرار. فالبلاد تقع عملياً في قلب الجغرافيا، التي يمر عبرها الصراع بين إسرائيل وإيران، كما أن الحدود السورية اللبنانية أصبحت فجأة جزءاً من الحسابات العسكرية للحرب.
ومع استمرار التصعيد العسكري في لبنان، وازدياد الضغوط الإقليمية، قد تجد سوريا نفسها أمام خيارين كلاهما صعب: إما الانخراط في صراع لا تملك القدرة على تحمله، أو مواجهة ضغوط عسكرية وسياسية متزايدة من الأطراف المتصارعة.
وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، قد تعيد رسم خريطة الصراعات في المنطقة لسنوات قادمة.
No Result
View All Result