رحل القيادي المناضل والسياسي الكردي القدير، العزيز على قلوب أبناء الشعب الكردي، صالح مسلم، ابن مدينة كوباني، عن عمر ناهز خمسةً وسبعين عاماً، بعد صراعٍ طويل مع المرض، تاركاً خلفه مسيرةً نضاليةً حافلةً بالنشاط والعمل الدؤوب والإصرار والعزيمة والانتماء الصادق للقضية والوطن، ومخلِّفاً أثراً بليغاً لا يمكن أن يُنسى في ذاكرة شعبه ورفاق دربه.
عُدَّ مسلم من أولئك السياسيين الذين عُرفوا بمواقفهم الصائبة في مختلف اللحظات الحساسة التي مرّت بها مسيرته النضالية، والتي عاشها بين صفوف الشعب الكردي وسائر الشعوب الأخرى من السريان والعرب، الذين ربطته بهم علاقات متينة قائمة على الاحترام والعمل المشترك، فقد كان الرفيق الوفي لرفاقه وأصدقائه، وتميّز بمرونته السياسية طوال سنوات نضاله ضمن صفوف حزب الاتحاد الديمقراطي، حيث لعب دوراً كبيراً في تأسيس الحزب وقيادته، وفي توسيع نشاطه ونضاله على مختلف المستويات السياسية والتنظيمية.
كان الشهيد صالح مسلم، بما امتلكه من هدوءٍ وثبات وعمق في الرؤية، شاهداً على عصره وصانعاً في كثير من محطاته. فقد عُرف بقوته الهادئة، وطبيعته التأملية، وقدرته على استشراف ما قد يغيب عن الآخرين. ناضل على أرضه من أجل قضية شعبه، ومن أجل بناء سوريا ديمقراطية يتطلع إليها السوريون اليوم، وضحّى بسنواتٍ طويلة من حياته في سبيل تحقيق مستقبل أفضل لسوريا الجريحة، حيث تسود قيم الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة المتساوية، متمتعاً بقدرة لافتة على الارتجال السياسي والتفاعل الطبيعي في مختلف اللحظات الحرجة.
وقد كان مثالاً للمناضل الكردي الصادق والخلوق، إذ شارك في العديد من المؤتمرات التي عقدها مجلس سوريا الديمقراطية في سوريا وأوروبا إلى جانب قوى المعارضة الديمقراطية. كما بذل جهوداً كبيرة من أجل توحيد صفوف القوى والشخصيات الوطنية السورية ولمّ شمل قوى المعارضة، وعمل لسنوات ضمن هيئة التنسيق، ساعياً إلى إيجاد حلول حقيقية للأزمة السورية في تلك المرحلة، ومواصلاً دربه النضالي الحافل بالمواقف الصلبة والقلب العطوف والروح المتفائلة.
كان الشهيد صالح مسلم سياسياً استثنائياً لا يشبه إلا نفسه؛ مناضلاً في المواقف الصعبة واللحظات المصيرية، وصاحب قضيةٍ ومبدأ. تحلّى بكثير من الصفات والخصال الحميدة، واستطاع خلال مسيرته الطويلة أن يزرع محبته في قلوب كل من عرفه وعمل معه. فقد كرّس حياته للنضال السياسي من أجل الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الكردي، وقدم ما يقارب خمسة عقود من حياته دفاعاً عن حرية هذا الشعب وقيمه، وواجه آلة القمع والاستبداد في السجون، ليغدو أحد الوجوه البارزة في مسار ثورة روج آفا وتجربة السياسة الديمقراطية في سوريا.
وقد شكّل رحيل هذا المناضل الفذ خسارةً كبيرة للحركة السياسية الكردية، ولكل من رافقوا مسيرته النضالية وآمنوا بالمبادئ التي ناضل من أجلها، تلك المبادئ التي سعت إلى ترسيخ قيم الحرية والكرامة والحياة التي تليق به وبشعبه.
واليوم، وتحديداً في هذه المرحلة التاريخية الاستثنائية، تبرز الحاجة إلى استلهام نضاله السياسي والفكري وصون ميراثه النضالي القيّم، والعمل بجدٍّ ومسؤولية من أجل تحقيق الأهداف التي ناضل من أجلها القيادي الكردي صالح مسلم، ولا سيما إبّان الحراك الشعبي في سوريا، والدور الذي أدّاه في دعم تطلعات السوريين نحو التغيير. ويبقى الحلم الذي حمله طوال حياته حاضراً في الوجدان: سوريا ديمقراطية تسودها الحرية والعدالة.
وفي مراسم وداعه، عاهد رفاقه ومحبوّه على مواصلة مسيرة النضال من أجل الحرية والحياة الكريمة، وفاءً لذكراه وصوناً للقيم التي عاش من أجلها المناضل الخالد.