No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
أثار قرار تسمية حديقة عامة في مدينة حلب السورية، باسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، والشعبية، نظراً لحساسية المرحلة التي تمر بها سوريا، وطبيعة العلاقة المتوترة مع تركيا خلال السنوات الأخيرة، فالتسمية ليست مجرد إجراء إداري أو تكريمي عابر، بل تحمل دلالات سياسية ورمزية عميقة، خاصة في ظل اتهامات واسعة لأنقرة، بالتدخل العسكري والتغيير الديمغرافي في مناطق سورية مختلفة.
رمزية تسمية المرافق العامة
عادةً؛ يتم إطلاق أسماء شخصيات وطنية، أو رموز تاريخية لها إسهام واضح في خدمة البلاد أو المجتمع المحلي، على الحدائق والمستشفيات والمدارس والجسور، وغيرها من البنية التحتية، وتُعد هذه التسمية جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة المجتمعية، وتعبيراً عن الهوية الوطنية، والقيم المشتركة. لكن؛ عندما يتم اختيار اسم شخصية أجنبية مثيرة للجدل في السياق المجتمعي، مثل الرئيس التركي أردوغان، وتسمية حديقة في سوريا باسمه، حيث تحتل بلاده أجزاء من الشمال السوري، فإن الأمر يتجاوز التكريم البروتوكولي، والعرف الوطني السوري، ليصبح رسالة سياسية وثقافية، لذلك، فإن حساسية المجتمع تجاه هذه الخطوة تبدو مفهومة في ضوء الأعراف المتبعة.
خلال السنوات القليلة الماضية، نفذت تركيا عدة هجمات عدوانية داخل الأراضي السورية، مثل “درع الفرات” 2016، والتي احتلت بموجبها مناطق إعزاز وجرابلس، و”غصن الزيتون” 2018، والتي احتلت بموجبها عفرين، و”نبع السلام” 2019، التي احتلت فيها مناطق سري كانية، وكري سبي. هذه الهجمات، وصفتها أنقرة بأنها إجراءات أمنية لحماية حدودها، تحت حجج واهية لا أساس لها من الصحة، والسوريون باتوا يعلمون أن ما حدث انتهاك للسيادة الوطنية السورية، إضافة إلى ذلك، تتكرر الاتهامات بحدوث تغييرات ديمغرافية، في بعض المناطق الخاضعة للنفوذ التركي، سواء عبر التهجير القسري، أو إعادة التوطين، في هذا السياق المشحون، يصبح تكريم الرئيس التركي، داخل مدينة سورية خطوة محملة بالرمزية السياسية أكثر من أي شيء آخر، ما يفسره الكثيرون باعتبارها تطبيعاً مع واقع يرفضه كثيرون.
التناقض والبعد الاجتماعي للتسمية
كان من المفترض؛ أن تتم استعادة سيادة الدولة السورية، على كافة أراضيها بعد انهيار وسقوط نظام الأسد البعثي البائد، وبالتالي إعادة الاعتبار للسيادة والهوية الوطنية السورية، خاصة في المناطق التي احتلتها دولة الاحتلال التركي والتي شهدت تحولات كبيرة خلال سنوات الحرب، وبموجب هذه الرؤية، كان يجب أن تكون الأولويات المتوقعة من أي سلطة جديدة تحكم سوريا أن تعمل وفق الآتي:
ـ إنهاء أي وجود عسكري أجنبي غير متفق عليه وطنياً.
ـ إعادة المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية.
ـ حماية الطابع الثقافي والاجتماعي المحلي.
من هذا المنظور، نرى أن تسمية مرفق عام (حديقة)، باسم رئيس دولة محتلة ومتدخلة عسكرياً في سوريا، تعتبر خطوة متناقضة مع هذه التطلعات، بل وربما تُفهم كرسالة سياسية غير منسجمة مع المزاج الشعبي في بعض الأوساط. بغض النظر على أن مدينة حلب، التي تعتبر عصب الاقتصاد السوري، والمدينة الاقتصادية الأولى في سوريا، فهي تحمل ثقل تاريخي وثقافي كبير، خاصةً في الوجدان السوري، فهي ليست مجرد مركز حضري، بل رمزاً للصمود والتراث والتنوع الاجتماعي. لذلك؛ فإن أي قرار رمزي داخلها يكتسب حساسية مضاعفة، المعارضون للقرار يرون أن حلب تزخر بأسماء شخصيات وطنية وثقافية وعلمية، تستحق التخليد في الفضاء العام، سواء من أعلام المدينة، أو من رموز سورية عامة، وما أكثرها، ومن هنا يمكننا طرح السؤال التالي: لماذا يُتجاوز هذا المخزون الوطني لصالح شخصية خارجية، ساهمت في القتل والدمار والتهجير والانقسام في سوريا؟
إشكالية الذاكرة والهوية السورية
المسألة في جوهرها ليست اسم حديقة فحسب، بل صراعاً على الرمزية والذاكرة العامة السورية، فالفضاء العام، من أسماء الشوارع إلى الحدائق، يشكّل جزءاً من السردية الوطنية السورية، لا يمكن تجاوزها، وعندما يشعر جزء من المجتمع السوري، بأن هذه السردية تُعاد صياغتها بطريقة لا تعكس معاناته أو رؤيته، يظهر الاحتقان في حالات ما بعد النزاعات، تكون الرموز شديدة الحساسية، لأن المجتمعات تكون في طور التئام الجراح، لذلك تميل كثير من الدول الخارجة من الحروب إلى الحذر الشديد في اختيار الأسماء والرموز العامة.
قرار تسمية حديقة في حلب باسم الرئيس التركي أردوغان، في هذه الأوقات الحساسة، يتجاوز كونه إجراءً خدمياً بسيطاً فحسب، بل يمسّ قضايا السيادة والذاكرة والهوية الوطنية، ويؤثر على الوضع العام في سوريا، وبينما قد يرى فيه البعض خطوة سياسية أو إدارية عادية، يعتبره آخرون أن هذا التكريم تجاوز السيادة السورية.
الجدل الدائر حول تسمية الحديقة بحلب، يكشف حاجة ملحّة إلى مراعاة البعد الرمزي للقرارات المحلية، خصوصاً في بلد ما يزال يعيش تداعيات صراع طويل ومعقّد، وفي مثل هذه السياقات، وهذه الحالات المثيرة للجدل، تميل الحكمة السياسية إلى تغليب الأسماء الجامعة للسوريين، التي تعزز التماسك المجتمعي، بدلاً من تلك التي قد تعمّق الانقسام وتثير الجدل، وتخلق البلبلة بين الشعب السوري.
No Result
View All Result