تشهد المنطقة تصعيداً خطيراً بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، في مشهدٍ يوحي بحربٍ وجوديةٍ لا هوادة فيها. وفي خضمّ هذه الحروب الطويلة، تتعرّض المرأة لشتى أشكال العنف، وتُمارَس بحقّها سياسات القمع والاستبداد.
لقد شاهدنا ذلك خلال الفترة الماضية في غزة والسودان وسوريا، واليوم في إيران، حيث الحرب المشتعلة منذ أكثر من أسبوع، والتي يبدو أنّ نيرانها مرشّحة للامتداد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط. ولا شكّ أنّ استمرار هذا التصعيد يهدّد المكتسبات التي حقّقتها المرأة عبر عقودٍ من النضال، في وقتٍ لم تُبذل فيه جهودٌ كافية لترسيخ هذه المكتسبات قانونياً وحقوقياً، وتحصينها بنصوصٍ دستوريةٍ واضحة تجعلها في صدارة الأولويات الوطنية، لا في هامش الصراعات السياسية والعسكرية.
في سوريا، وتحديداً في روج آفا، تبدو المكتسبات التي حقّقتها المرأة خلال السنوات الماضية أمام اختبارٍ عسير. فالسلطة الحالية في دمشق – وفق ما يراه كثيرون – لا تعترف بدور المرأة ونضالها، بل تنظر إلى حركتها بوصفها تحدّياً لبُنى السلطة التقليدية. وفي ظلّ غياب دستورٍ توافقيٍّ يحمي حقوق النساء، وافتقار المشهد المؤسسي إلى هيئاتٍ تقودها النساء بصورةٍ فاعلة، تتعاظم المخاوف من تراجع المشاركة النسائية في مراكز صنع القرار. إنّ هيمنة الذهنية الأحادية، أيّاً كان توصيفها، تعيد إنتاج معادلةٍ تُقصي المرأة عن المجال العام، وتُبقي القرار حكراً على الرجال وأيديولوجياتهم.
لقد شكّل النموذج الإداري الذي نشأ في روج آفا تجربةً لافتةً في تمكين المرأة، ورسّخ مبدأ الشراكة في القيادة، ومشاركتها في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى غدت عنصراً فاعلاً في صياغة القرار، وحماية حقوق النساء من مختلف المكوّنات السورية. تلك التجربة، بما لها وما عليها، قدّمت مثالاً على إمكان إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس المساواة الجندرية، لا التراتبية الذكورية.
إنّ محاولات تقييد النساء أو الحد من أنشطتهنّ المجتمعية لا تعني فقط انتكاسةً لحقوق المرأة، بل تراجعاً لمسار تطوّر المجتمع بأسره. كما أنَّ إنهاء سياسات الإقصاء والعنف الممارس بحقّ النساء عبر التاريخ يتطلّب إرادةً سياسيةً وتشريعيةً واضحة، تضعُ حداً لأيّ خطابٍ يرى في المرأة خطراً بدل أن يراها شريكاً في البناء.
واليوم، يتطلّب الواقع من نساء سوريا والعراق وتركيا وإيران – باعتبارها ساحاتٍ ملتهبة – ومن جميع النساء في المناطق التي تشهد حروباً وصراعات، تكثيف جهودهن، وجعل يوم الثامن من آذار لهذا العام يومًا عالمياً فعلياً للقضاء على العنف ضدّ المرأة، لا مجرّد مناسبةٍ احتفالية. وخوض نضالٍ أعمق في مختلف الميادين، تحت شعار: “حان وقت المرأة” وحان وقت حماية مكتسباتها بفلسفة: المرأة، الحياة، الحرية”. كما يقع على عاتق النساء تصعيد نضالهنّ الفكري والحقوقي في مواجهة آلة القمع التي تحاول النيل من إرادتهنّ ودورهنّ الطليعي في المجتمع.
إنّ عدم الرضوخ للضغوط التي تواجهها النساء في مسيرتهنّ النضالية، ومقاومة الحروب التي تعرقل حياتهنّ وتضاعف معاناتهنّ على شتّى الجبهات، يظلّ شرطًا أساسيًا للوقوف صفاً واحداً في وجه كلّ من يهدّد وجود المرأة وحقوقها.
فلنجعل من الثامن من آذار محطةً للمراجعة والمساءلة والتجديد، ويوماً لإعادة التأكيد أنّ كرامة المرأة من كرامة المجتمع، وأنّ أيّ مشروعٍ سياسيٍّ لا يضع حقوق النساء في صلبه، إنّما يؤسّس لاختلالٍ بنيويٍّ سيطال الجميع، عاجلاً أم آجلاً.