فالنتينا عبدو
نُحيّي الثامن من آذار، اليوم العالمي للمرأة، في مرحلة دقيقة تمرّ بها روج آفا، حيث تتصاعد التحديات وتتكثّف محاولات استهداف مكتسبات ثورة المرأة. إن هذا اليوم لا يمثّل مناسبة رمزية عابرة، بل محطة نضالية متجدّدة تعبّر عن صراع تاريخي مستمر بين ذهنية الهيمنة الذكورية ومشروع الحرية المجتمعية.
يشكّل الثامن من آذار تجسيداً لإرادة المرأة الحرة في كسر قيود الاستغلال الرأسمالي والسلطوي، واستعادة دورها الطليعي في صناعة التاريخ وإعادة بناء المجتمع على أسس ديمقراطية تحررية. فالمرأة لم تكن يوماً هامشاً في حركة المجتمع، بل كانت على الدوام قوةً مؤسِّسة في كل تحوّل حضاري حقيقي.
المرأة جوهر التحوّل الديمقراطي
في منظور المجتمع الديمقراطي، لا تُختزل قضية المرأة في إطار حقوقي جزئي، بل تُعدّ جوهر المسألة الاجتماعية وأساس أي تحوّل ديمقراطي حقيقي، فالذهنية السلطوية التي همّشت المرأة عبر القرون هي ذاتها التي أنتجت أنظمة الاستبداد القومي والديني والطبقي. ومن هنا، فإن تحرر المرأة يُعدُّ المدخل الاستراتيجي لتحرر المجتمع بأكمله.
وينطلق هذا الفهم من مفهوم الأمة الديمقراطية كمشروعٍ حضاري بديل، قائم على التعددية والعدالة الجندرية والتنظيم المجتمعي الحر، حيث تتبوأ المرأة موقع الشريك الكامل في القرار والقيادة، لا بوصفها تابعاً بل قوةً فاعلة ومؤسِّسة للنظام الديمقراطي الجديد.
من الاحتفاء إلى الفعل المنظّم
إن الثامن من آذار ليس مجرد مناسبة للاحتفاء، بل لحظة لتجديد العهد مع النضال النسوي، وترسيخ الانتقال من الرمزية إلى الفعل المؤسسي المنظّم. فالتحرر لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء آليات عملية تضمن تمكين المرأة فعلياً في مختلف ميادين الحياة. وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسس التنظيمية والعملية، من أبرزها:
اعتماد نظام الرئاسة المشتركة كآلية تجسّد مبدأ الشراكة المتكافئة في القيادة.
ترسيخ التنظيم الذاتي للمرأة عبر هيئات ومجالس مستقلة تعزّز إرادتها الحرة.
دعم الاقتصاد المجتمعي النسوي كبديل عن أنماط الاستغلال الرأسمالي.
تكريس ثقافة مناهضة العنف والتمييز من خلال التربية المجتمعية المستمرة.
المرأة في خط الدفاع عن المجتمع
لقد أثبتت المرأة حضورها الريادي في خط الدفاع عن المجتمع، وفي حماية القيم الديمقراطية في مواجهة الاستبداد والتطرف. كما أن مشاركتها الفاعلة في هياكل الإدارة الذاتية والمجالس المحلية والتنظيمات المدنية تمثّل دليلاً واضحاً على قدرتها القيادية في إدارة الشأن العام وصياغة مستقبل أكثر عدالة وإنصافاً.
إن تكريم المرأة في هذا اليوم هو اعتراف بدورها التاريخي في إعادة إنتاج المجتمع على قاعدة الحرية، ورفض قاطع لكل أشكال التهميش والإقصاء التي كرّستها الأنظمة السلطوية عبر التاريخ.
الثامن من آذار.. عهد متجدّد للنضال
في ظل التحديات السياسية والاجتماعية الراهنة، تقتضي المرحلة تعميق التضامن النسوي الأممي وبناء شبكة نضالية عابرة للحدود في مواجهة منظومات القهر والهيمنة. فالتحرر النسوي ليس مسألة محلية فحسب، بل قضية إنسانية شاملة ترتبط بتحرير الوعي الجمعي من ثقافة السلطة والإقصاء.
ختاماً، يشكّل الثامن من آذار إعلاناً متجدداً بأن تحرر المرأة هو معيار تحرر المجتمع، وإن بناء الديمقراطية الحقيقية يبدأ من كسر قيود الذهنية الذكورية، وصولاً إلى مجتمع حرّ تشاركي تُصان فيه كرامة الإنسان دون تمييز، وتُصاغ فيه الحياة على قاعدة العدالة والمساواة والحرية.