تطوراتٌ متسارعة تشهدها المنطقة، كعادتها، في ظل اشتداد حدّة التوتر بين واشنطن وطهران، فالولايات المتحدة تهدد إيران، التي كانت قد أسهمت سابقاً في ترسيخ نفوذها داخل العراق، وتعلن سعيها لوضع حدٍّ للهيمنة الإيرانية انطلاقاً من الساحة العراقية.
في المقابل، تحذّر طهران واشنطن من مغبة أي هجوم، وسط حراك دبلوماسي مكثف، أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فيتوقع أياماً معقّدة، كما يؤكد مراقبون، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط.
معظم التقديرات تشير إلى أن العراق يقف اليوم أمام امتحان صعب، ويُنظر إليه بوصفه ساحة الاحتمال الأخطر ومرمى العاصفة في حال انفجار المواجهة. وعلى ما يبدو، فإن تركيا بدورها مطالَبة بالاستعداد لأسوأ السيناريوهات في ظل المستجدات الأخيرة، بعدما أصبح صوت الحرب أعلى من صوت التفاوض بين أطرافٍ متصارعة تجمعها، مصالح متشابكة. ومن المهم التأكيد أن هذا الصراع، إن اتسع نطاقه، ستكون له تداعيات عابرة للحدود، تمسّ الإقليم بأسره.
وسط هذه المتغيرات، يبرز تجاهلٌ واضح من قبل القوى الدولية والأطراف الإقليمية المنخرطة في هذا الصراع الدامي لمخاوف المكوّنات الاجتماعية المختلفة، وهو نهجٌ أثبت عُقمه مراراً. وتتجه الأنظار اليوم إلى منطقة شنكال “سنجار”، التي يقطنها الكرد الإيزيديين، والذين تعرضوا لأبشع المجازر على يد “داعش”. واليوم يواجه هؤلاء هواجس مصيرٍ مشابه في ظل التهديدات التركية الأخيرة التي جاءت على لسان وزير الخارجية حقان فيدان، إضافةً إلى المواقف الخجولة وغير المسؤولة لبعض المسؤولين العراقيين حيال هذا الملف الحساس، والتي تمثلت في محاولات نزع سلاح أبناء المنطقة وتجريدهم من وسائل الدفاع والحماية الذاتية، بما يثير مخاوف من فتح الباب مجدداً أمام تكرار المجازر وجرائم الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين.
من جهةٍ أخرى، يسعى العراق إلى إبراز قدرته على مواجهة أي هجمات محتملة قد تستهدفه بشكلٍ مباشر، مؤكداً تمسكه بسيادته وأمنه الوطني. أما تركيا، فتعمل على تقديم نفسها بوصفها الطرف القادر على لعب دور “الضامن” في معادلات الإقليم، ساعيةً إلى توسيع تحالفاتها وتعزيز حضورها في معادلة الشرق الأوسط الجديد، حتى وإن كان ذلك على حساب تعميق النزاعات واستنزاف شعوب المنطقة. هذه الحرب المحتملة تمسّ الشعب السوري عن كثب، ولا سيما أنها تدور في جغرافيا قريبة من حدوده. ومن المرجّح أن تكون لها تداعيات كبيرة عليه، خصوصاً في حال انسحاب التحالف الدولي من سوريا وإنهاء وجوده العسكري بعد اثني عشر عاماً، الأمر الذي قد يفتح المجال سريعاً وأوسع أمام عودة “داعش” وتصعيد عملياته الإرهابية. الحكومة السوريّة المؤقتة تجد نفسها اليوم في مواجهة “داعش”، الذي يحاول إعادة التموضع في المشهد السوري، وقد صعّد من نشاطه مؤخراً بعد مقتل أربعة عناصر من “الأمن العام” في هجومٍ يُعدّ الثاني خلال أيام.
يبقى السؤال الجوهري: أيّ سيناريو ينتظر المنطقة وشعوبها في ظل هذه التطورات؟ الولايات المتحدة تهدد، وطهران تتوعد، ونتنياهو يحشد ضد إيران باعتبارها “فرصته الأخيرة”، في حين يتشبث الشرع بالسلطة ويسعى إلى نيل اعتراف بشرعيته، والعراق يراقب بحذر. وبات التصعيد الإيراني ـ الأمريكي حدثاً يشغل العالم بأسره، نظراً لتداعياته المباشرة على حياة الشعوب في هذه الجغرافيا الحساسة. فهل تقود هذه التحولات إلى مرحلة من الاستقرار وإنهاء حالة الحروب والأزمات والمجاعات؟ أم أنها ستفتح الباب أمام حربٍ مفتوحة لا نهاية لها، تحرق الأخضر واليابس؟