كل شيء في بلاد الرافدين اليوم يبدو وكأنه يتحرك داخل ضباب كثيف، والرؤيا غير واضحة، قرارات واجتماعات تصدر وتعقد، ولكن حتى الآن لم ترسم ملامح الصورة القادمة، وأسئلة تتقدم يوما بعد آخر بشأن مستقبل هذا البلد، فمنذ انتخابات تشرين 2025، تحوّل العراق من ساحة صراع داخلي، إلى ساحة اختبار لنفوذين متقابلين، بين أبرز لاعبين في الملف العراقي، الولايات المتحدة وإيران.
أزمة تشكيل الحكومة
يتصاعد الانسداد السياسي في العراق مع استمرار تعثر مجلس النواب في حسم منصب رئيس الجمهورية، وما يترتب عليه من تعطيل لاستحقاق تكليف رئيس مجلس الوزراء، فمن جهة الحزبان الكرديان الاتحاد الوطني الكردستاني، والديمقراطي الكردستاني، لم يتفقا على مرشح الرئاسة، والانقسامات داخل قوى الإطار التنسيقي من جهة أخرى.
هذا المشهد لا يكرس فقط حالة الجمود السياسي، بل يفتح الباب أمام مسار حكم ملتبس، تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع تشابك الصراع بين الأطراف، بما قد يضع البلاد أمام مفترق طرق حساس تتزايد معه مخاطر الانزلاق نحو فوضى سياسية ومؤسساتية.
وداخل قوى الإطار التنسيقي، تبرز خلافات واضحة حول ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، بين جناح يؤيد المضي بالترشيح، وآخر يرفضه، في ظل تمسك المالكي بخياره وعدم طرح بديل واضح.
وبحسب مصادر مطلعة لـ“روج نيوز”، على مجريات المشهد السياسي، فإن زعيم ائتلاف دولة القانون قد يتجه للمضي نحو رئاسة الحكومة، بعد تقديم تعهدات سياسية توصف بأنها تستجيب لشروط أميركية تتعلق بملفات داخلية. لكن؛ في الوقت ذاته، ترجح المصادر ذاتها أن ملف اختيار رئيس الوزراء، قد يمتد لفترة أطول، نتيجة استمرار الخلافات داخل القوى السياسية الشيعية، وهو السيناريو الأقرب، الذي يحذر منه مسؤولون عراقيون، باعتباره مدخلا محتملا لفوضى سياسية ستكون لها تداعيات مباشرة على المجتمع العراقي.
ففي العاصمة بغداد وبقية المحافظات، يتصدر الوضع الاقتصادي اهتمامات الشارع العراقي، في ظل ارتفاع الأسعار وتأخر صرف الرواتب إلى جانب تصاعد المخاوف من تقلبات سعر صرف الدينار أمام الدولار، وما يرافق ذلك من تآكل مستمر في القدرة الشرائية للمواطن.
العراق والتدخلات الخارجية
لا ينحصر السؤال عما إذا كان العراق في قلب العاصفة في معناه المباشر، بقدر ما يحيل إلى ما يخفيه من دلالات، ففي البحر، تشير تقارير صحف أجنبية إلى اقتراب بوارج أميركية، وسط تصاعد التهديدات بضربة محتملة ضد إيران، في وقت تواصل فيه طهران كسب المزيد من الوقت عبر مسار المفاوضات مع واشنطن، وبين هذا وذاك، يراقب العراق عن كثب تطورات هذا الصراع وتداعياته باعتباره أحد أكثر ساحاته حساسية.
ولا يبدو هذا المشهد الإقليمي منفصلا عن تعثر تشكيل الحكومة في بغداد، إذ يتحول التصعيد الخارجي إلى عامل ضغط إضافي يثقل مسار التفاهمات الداخلية، خصوصا في ظل مشهد سياسي غير مستقر، وبوصلة أميركية لم تحسم اتجاهها بعد، ما يضع القرار العراقي في دائرة الانتظار والترقب.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبرز السؤال الأكثر حساسية، هل يملك العراق هامش التحول إلى لاعب متوازن قادر على تحييد نفسه عن صراع المحاور، أم أنه مقبل على الانخراط في أزمة إقليمية أوسع، قد تتشكل عبرها ملامح شرق أوسط جديد، يكون العراق أحد ميادينه المفتوحة؟