تشهد سوريا منذ أكثر من عام حالة من الفوضى والفلتان الأمني على مختلف الجبهات، بدءاً من خطاب الكراهية وزرع الفتنة بين الشعوب، وتهديد النسيج الاجتماعي السوري، وصولاً إلى الحرب الأهلية التي تؤججها نار الفتنة، والجبهات المشتعلة، واتفاقات وقف إطلاق النار الهشة، وليس انتهاءً بحالات التهجير المستمرة، إلى جانب عمليات التهجير الجماعي التي تمارسها السلطات الحالية والقوى الإقليمية، والتي ترى في هذه الممارسات منفذاً حيوياً لاستمرار الفوضى والأزمة، مستفيدةً من إطالتها لأمد طويل.
كما يعاني السوريون من الحصار الذي يخنق مدنهم منذ أشهر، فيذوق الأبرياء والأطفال قسوة الحصار، ويُعاقب مئات آلاف المدنيين لأسباب واهية. سوريا تعيش في دوامة حرب ضارية لا نهاية لها في الوقت الحالي، والإرهاب يحاصر البلاد من جميع الجهات، والمجتمع الدولي يلتزم الصمت، بينما تأنُّ الشعوب تحت وطأة الانتهاكات اليومية، من جرائم القتل إلى عمليات الخطف والاعتقالات التعسفية، وانتشار الجوع والفقر بين جميع فئات الشعب السوري، ولن يستطيع أحد تجاهل هذا الواقع.
فالوعود النهضوية التي تطلقها السلطة بلا أساس ولا أدوات حقيقية لم تُذكر حتى الآن، وتطبيقها في الوقت الحالي صعب للغاية، بل يمكن القول إنه من المستحيل تحقيقها. الشعب السوري يستحق حياة كريمة، وحلاً سياسياً شاملاً، ونظاماً ديمقراطياً يشمل الجميع، ويبدأ ذلك بمحاسبة المجرمين الذين تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء، ووضع حداً لعمليات القتل والحرق ونهب منازل السوريين بلا ذنب.
السبيل الرئيسي في الوقت الحالي لصمود سوريا وخلاصها من الأزمات التي تجتاحها من جميع الجبهات، هو احترام حقوق الكرد، وتعزيز الديمقراطية، والعمل على حماية حقوق جميع المواطنين، هذا ليس ترفاً، بل ضرورة مرحلية هامة من أجل مستقبل سوريا حرة يسودها القانون والعدالة والمساواة، ويضمن حقوق جميع مكونات المجتمع السوري الأصلي على اختلاف مشاربهم ودياناتهم وطوائفهم.
رغم تغيير النظام السياسي في سوريا، إلا أن العديد من الدول التي كانت تتحكم فيها ما زالت تسعى لفرض هيمنتها، وعلى رأسها تركيا، التي ما زالت تعرقل مساعي الحل السياسي. والمسار الحقيقي يتطلب خطوات مهمة، من بينها فك أحمد الشرع يد تركيا عن المجموعات المنضوية للجيش، وفك ارتباط أسعد الشيبياني بحقان فيدان، وإلا فإن سوريا ستشهد حرباً أهلية أعمق من الحاضر. إبقاء يد تركيا فوق رؤوس المسلحين والسيطرة على السياسة الخارجية يعني عدم وجود حكومة سورية حقيقية، ويعزز النفوذ الأجنبي الذي يهدد النسيج الاجتماعي السوري العريق.
نعم، سوريا بحاجة إلى حل سياسي ونظام ديمقراطي، لكي يعيش جميع السوريين معاً وفق مبدأ العيش المشترك. ويجب أن تدرك الشعوب القاطنة في هذه المنطقة أن القوى الخارجية لا تسعى لمصالحتهم، بل تهدف إلى خلق الفوضى بينهم والاستفادة منها لخدمة مصالحها وأجندتها في المنطقة. والكل متفق على أن سوريا بلد الحريات والعيش المشترك.