No Result
View All Result
قامشلو/ سلافا عثمان – رغم استقرار سعر صرف الليرة السورية خلال الفترة الأخيرة، يواجه المواطنون واقعاً معيشياً أكثر قسوة، مع استمرار الارتفاع اليومي في الأسعار، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا التناقض وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية.
بين أرقام الصرف المعلنة وواقع الأسواق فجوة تتسع يوماً بعد يوم، حيث لم ينجح ثبات الدولار اسمياً في كبح موجة الغلاء، أو في حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
استقرار شكلي فقط
عند التجوال في الأسواق السورية، لا يحتاج المواطن إلى كثير من التدقيق ليلاحظ أن الأسعار تواصل صعودها بوتيرة شبه يومية، رغم ما يُوصف باستقرار سعر صرف الليرة السورية منذ نحو شهر عند حدود 11,500 ليرة مقابل الدولار الواحد. هذا التناقض الظاهر بين ثبات سعر الصرف الرسمي واستمرار الغلاء المتسارع ينعكس مباشرةً على مستوى معيشة السكان، إذ تتآكل القدرة الشرائية بسرعة تفوق أي تحسن اسمي في قيمة العملة المحلية. ويؤكد باحثون في الشأن الاقتصادي أن استقرار سعر الصرف وحده لا يشكل مؤشراً كافياً على تحسن الوضع الاقتصادي، خاصةً في ظل غياب الثقة العامة بالعملة الوطنية، واستمرار العوامل الضاغطة على الأسعار من مختلف الاتجاهات.
فقدان الثقة النقدية
يُعد فقدان الثقة المزمن بالليرة السورية أحد أبرز أسباب استمرار ارتفاع الأسعار. فعلى مدى سنوات طويلة من التضخم والانخفاض الحاد في قيمة العملة، ترسخت لدى التجار والمستهلكين قناعة بأن أي استقرار قد يكون مؤقتاً، ما يدفعهم إلى تسعير السلع فعلياً بالدولار، أو تخزين القيمة في السلع ذاتها بدل الاحتفاظ بالعملة المحلية. هذا السلوك لا يقتصر على التجار فقط، بل يمتد إلى المستهلكين الذين يسارعون إلى الشراء والتخزين خوفاً من ارتفاعات جديدة، ما يخلق طلباً إضافياً مصطنعاً يساهم في رفع الأسعار، حتى في غياب مبررات مباشرة مرتبطة بسعر الصرف.
السوق الموازية تتحكم
رغم الإعلان عن سعر صرف رسمي مستقر، يعمل الاقتصاد السوري فعلياً وفق سعر الصرف في السوق الموازية، وهو سعر أكثر تقلباً ويميل غالباً إلى الارتفاع. معظم تكاليف الاستيراد والنقل والعمليات التجارية وحتى بعض الخدمات تُحتسب بناءً على هذا السعر غير الرسمي. ونتيجة لذلك، يبقى تأثير استقرار السعر الرسمي محدوداً جداً، ولا ينعكس على الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك. فالتاجر الذي يموّل نشاطه ويؤمّن بضائعه وفق سعر السوق السوداء، لا يمكنه التسعير على أساس سعر رسمي لا يعكس تكلفته الحقيقية.
انهيار الإنتاج المحلي
إلى جانب العوامل النقدية، يبرز الانهيار الواسع في الإنتاج المحلي كسبب محوري في تفاقم الغلاء. فقد تضررت قطاعات الصناعة والزراعة بشكل كبير خلال سنوات الحرب، نتيجة الدمار الذي طال البنى التحتية، ونقص الطاقة، وارتفاع تكاليف التشغيل. هذا التراجع الحاد في العرض المحلي أدى إلى ندرة العديد من السلع المنتجة داخلياً، وجعل السوق السورية أكثر اعتماداً على الاستيراد، وبالتالي أكثر حساسية لتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة.
تكاليف إنتاج مرتفعة
حتى السلع التي ما زالت تُنتج محلياً، لم تسلم من موجة الغلاء. فارتفاع أسعار الوقود، والاعتماد الواسع على المولدات الكهربائية، وزيادة أجور النقل، وغلاء المواد الخام المستوردة التي تُدفع بالدولار الأمريكي وفق سعر السوق الموازية، كلها عوامل رفعت تكلفة الإنتاج بشكل كبير. هذه التكاليف تنتقل تلقائياً إلى المستهلك النهائي، في ظل غياب أي دعم فعّال أو سياسات تخفيفية للقطاعات الإنتاجية، ما يجعل الأسعار في تصاعد مستمر بغض النظر عن استقرار سعر الصرف اسمياً.
احتكار واختلالات
لا يمكن إغفال اختلالات السوق وهيمنة شبكات احتكارية على سلاسل توريد عدد من السلع الأساسية، حيث تتيح هذه السيطرة لبعض الجهات التحكم بالأسعار بعيداً عن منطق العرض والطلب. في ظل ضعف الرقابة الفعلية، تتحول أي فرصة، سواء كانت ارتفاعاً في الدولار الأمريكي أو حتى مجرد إشاعة، إلى ذريعة لرفع الأسعار، دون حسيب أو رقيب، ما يحرم المستهلك من أي فائدة محتملة لاستقرار سعر الصرف.
طباعة نقدية ومخاوف
يثير الحديث المتكرر عن طباعة نقدية جديدة، في ظل غياب برامج واضحة للإصلاح الاقتصادي، مخاوف إضافية في السوق. فالتوسع النقدي غير المنضبط يسهم في تغذية التوقعات التضخمية، ويدفع التجار إلى رفع الأسعار استباقياً خشية تراجع جديد في قيمة الليرة. ويؤكد خبراء أن أي سياسة نقدية لا تستند إلى شفافية وثقة عامة، سرعان ما تتحول إلى عامل ضغط إضافي بدل أن تكون أداة استقرار.
فجوة الرواتب والأسعار
في مقابل هذا الارتفاع المستمر للأسعار، بقيت الرواتب والأجور عند مستويات متدنية جداً، ما أدى إلى اتساع غير مسبوق في الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة. وباتت شرائح واسعة من المواطنين عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، حتى مع تقليص الاستهلاك إلى الحد الأدنى. هذه الفجوة لا يمكن ردمها عبر زيادات شكلية على الرواتب، بل تتطلب معالجة شاملة تمس جذور الأزمة الاقتصادية.
حلول ومعالجات
يرى مختصون أن تضييق الفجوة بين الأسعار والدخول يتطلب حزمة سياسات متكاملة، تبدأ بتشديد الرقابة الفعلية على الأسواق، ومحاربة الاحتكار والاستغلال، خاصة في السلع الأساسية، عبر آليات رقابية صارمة وشفافة.
وعلى المدى المتوسط والطويل، تمر المعالجة الجذرية عبر إعادة الإعمار، وتحفيز الاستثمار في الإنتاج، مع إعطاء أولوية قصوى لإحياء قطاعي الزراعة والصناعة، وتوفير الطاقة بأسعار مناسبة للفعاليات الإنتاجية، وتسهيل حصول المنتجين الصغار والمتوسطين على التمويل.
No Result
View All Result