No Result
View All Result
الحسكة/ رغد محمد ـ أكدت نساء من مختلف الشعوب في الحسكة “كرد وعرب وسريان”، أن المنطقة تمثل نموذجاً للتعايش المشترك، مشددات على أنّ الوحدة والتلاحم المجتمعي سيكونان الضامنين لردع مخططات الطائفية، وأنهن صف واحد في وجه الهجمات على المنطقة.
تعد مدينة الحسكة واحدة من أبرز النماذج الغنية بتجربة العيش المشترك، حيث تمتزج فيها الهويات الثقافية والقومية والدينية ضمن فسيفساء إنسانية فريدة، فمنذ عقود طويلة احتضنت الحسكة الكرد والعرب والسريان الآشوريين والأرمن، إلى جانب تنوّع ديني شمل المسلمين والمسيحيين بمختلف طوائفهم، ليشكل هذا التنوع قاعدة راسخة لعلاقات اجتماعية قائمة على الاحترام المتبادل والتكافل اليومي.
ولم يكن العيش المشترك في الحسكة مجرد تعايش جغرافي فرضته الظروف، بل هو نتاج تاريخ طويل من التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فقد تشارك أبناء المدينة الأفراح والأحزان وتجاوروا في الأحياء، وتقاسموا الأسواق والمدارس وأماكن العمل، ما خلق شعوراً جماعياً بالانتماء إلى مدينة واحدة وهوية جامعة تتسع للجميع دون إقصاء.
وشكلت الطفولة في مدينة الحسكة مساحةً إنسانية جامعة لم تعرف الحدود بين الشعوب بقدر ما عرفت معنى الجيرة والمشاركة، فكانت البذرة الأولى للمحبة والبراءة دون التمييز والعنصرية. فيما لعبت النساء دوراً محورياً في تعزيز هذا التلاحم عبر التعاون في تحضير الطعام ورعاية الأطفال وحفظ الروابط الاجتماعية. وتعد قيم التضامن والتجاور من أسمى المبادئ التي تبني المجتمعات وتضمن استقرارها.
السلام والعيش المشترك
وبهذا السياق، أوضحت عمشة الصالح (أم محمد) لصحيفتنا “روناهي” أنّ “ترابط الشعوب بمختلف القوميات والديانات موجود منذ الطفولة، نتقاسم الأفراح والأحزان معاً، ففي تل براك المنطقة التي احتضنت طفولتي عشنا إلى جانب المسيحيين، وفي الحسكة إلى جانب الكرد، وما يجمعنا أعمق من أي اختلاف، وأن العامل المشترك الذي يسود هذه العلاقات هو اللغة التي نفهمها جميعاً دون ترجمة”.
وبينت: “في التفاصيل البسيطة تتجلى قيم التضامن والتكافل، فتتحول يد العون إلى يد تواصل، ويتحوّل التنور الذي يميز قرانا إلى مساحة لقاء بين ثقافات متجاورة وقلوب متقاربة، فالخبز الذي نعدّه معاً لا يغذّي الجسد فقط، بل يغذّي معنى الشراكة والمسؤولية الجماعية، ويجسّد فكرة أن المجتمع القوي يُبنى بتعاون شعوبه”.
وفي الختام، أكدت عمشة الصالح أنّ النساء متعايشات منذ زمن طويل والتكاتف والتعاون بين الشعوب ليس شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط الأعمال، وتؤسس لمستقبل قائم على الاحترام المتبادل والعيش المشترك الحقيقي، وإرث يتوارث لأجيال القادمة.
من جانب آخر، قالت “غزالة حسين” أنّ: “العيش المشترك بين شعوب المدينة يشكّل حجر الأساس في استقرار المجتمع، والعلاقات بين العرب والكرد والسريان والمسيحيين قامت منذ سنوات طويلة على التعاون والاحترام المتبادل، والحسكة عرفت بتنوعها كونها تمثل نموذجاً متقدماً من التكاتف الاجتماعي”.
ونوهت أنّ الأهالي يتشاركون الأفراح والأحزان دون تمييز، لافتة إلى أنّ الجيران من مختلف الشعوب يقفون إلى جانب بعضهم البعض في مناسبات العزاء، عبر تقديم المساعدة وتحضير الطعام، وفي الأفراح من خلال المشاركة والدعم المعنوي: “هذا التعايش لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تاريخ اجتماعي مشترك، بدأ منذ الطفولة”. مؤكدةً أنّ اختلاف القوميات أو الأديان لم يكن يوماً سبباً للخلاف، بل عاملاً لتعزيز الروابط الإنسانية بين أبناء المدينة.
ووجّهت “غزالة حسين” رسالة في ختام حديثها إلى جميع الشعوب، دعت فيها إلى التمسك بوحدة الصف، وعدم الانجرار وراء خطاب التحريض والفرقة: “الحسكة ستبقى قوية بأبنائها مجتمعين، والوطن لا يُحمى من الأعداء والمخربين الذي يسعون إلى تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة إلا بتكاتف أبنائها”.
التمسك بالوحدة في وجه المخاطر
إنّ التجارب المجتمعية الناجحة تثبت أن الاستقرار لا يتحقق بالقوة أو الإقصاء، بل بالعدالة والمساواة واحترام الخصوصيات، ما يجعل العيش المشترك قاعدة صلبة لأي مشروع مجتمعي يسعى إلى الأمن، والتنمية، ومستقبل آمن للأجيال القادمة.
وبخصوص ذلك، أكدت “سوسن عبد الأحد”: إنّ المنطقة تمثل لوحة فسيفسائية رائعة، فتتعايش الثقافات واللغات والأديان جنباً إلى جنب منذ زمن بعيد: “الحسكة هذه المدينة التي تحمل تاريخاً طويلاً، أصبحت نموذجاً حياً للتنوع الاجتماعي والثقافي”.
وبينت: “نعيش هنا شعوباً متعددة عرباً وكرداً وسريان وأرمناً وإيزيديين وأشوريين وغيرهم، وعلى الرغم من تغير الظروف وتقلب الأحوال، ظلّ العيش المشترك والمحبّة المتبادلة بيننا راسخة لم تستطع الفتن أو الخلافات أن تفرّق شعوب هذه المنطقة، وما زلنا نعيش بسلام واستقرار، نتيجة الحب المتوارث والعلاقات الاجتماعية المتينة التي تجمعنا”.
واختتمت سوسن عبد الأحد حديثها: “قد نختلف في الديانة، فقد يكون بعضنا مسلماً، وآخر مسيحياً أو إيزيدياً، ولكن هذا التنوع لم يمنعنا يوماً من احترام بعضنا البعض ومن التكاتف الذي يخيم على العلاقات بين كافة الشعوب ولا من المشاركة في الأفراح والأتراح، في المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية، لقد أصبح التجاور والصداقات والمساعدة المتبادلة والتعاون جزءاً من حياتنا اليومية، ما يجعل الحسكة مثالاً حياً على العيش المشترك القائم على الحب والاحترام المتبادل”.
وبناء على ما سلف، إن التعددية في الحسكة تجربة حية تؤكد أن المجتمع القوي هو الذي يقبل الاختلاف، ويحتضن التنوع، ويجعل منه مصدر ثراء وقوة. وهكذا تصبح الحسكة بفسيفسائها البشري والثقافي، نموذجاً ملهماً للعيش المشترك ومثالاً حياً على أن التعايش والتنوع يمكن أن يشكلا أساساً لبناء مجتمع مستقر ومزدهر.
No Result
View All Result