No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
تشهد تركيا منذ أشهر تدهوراً كبيراً في ملف حقوق الكرد، في ظل تصاعد حملات الاعتقال والاحتجاز بحق ناشطين، ومحتجين كرد، على خلفية المظاهرات التضامنية مع مقاومة روج آفا، وقد بلغ مجموع المحتجزين والمعتقلين في هذه الحملات أكثر من 842 شخصاً، منهم ١١٨ معتقلاً، والآلاف من الذين خضعوا للاحتجاز والتحقيق، وسط اتهامات بممارسة العنف أو الإرهاب، أو مجرد التعبير عن رأيهم في احتجاجات سلمية.
هذه الحوادث والاعتقالات تعكس، محاولات الدولة التركية عرقلة نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي”، ورغم ذلك تدعي أن عملية السلام مستمرة، ويجب حل قضية القائد عبد الله أوجلان، وقضية الشعب الكردي المرتبطة بحريته بشكل مباشر، ومنذ مبادرته في 27 شباط 2025، لم تقم تركيا حتى الآن بأية مبادرة حقيقية لنجاحها، هذه الاعتقالات تشبه إلى حد كبير الأحداث التي جرت أثناء مقاومة كوباني عام 2014 ـ 2015، عندما أدّت احتجاجات التضامن مع مقاومة المدينة ضد “داعش” الإرهابي، إلى اعتقالات واسعة واستخدمت فيها القوة المفرطة، واستهدفت شخصيات سياسية كردية بارزة تم اعتقالهم، أمثال صلاح الدين دميرتاش، الذي ما يزال معتقلاً، رغم ضغط المحكمة الأوروبية وإصدارها قراراً بضرورة إطلاق سراحه الفوري.
التضامن مع روج آفا
بعد نداء القائد عبد الله أوجلان، للسلام والمجتمع الديمقراطي في 27 شباط 2025، من أجل إنهاء الصراع والحرب الدائرة منذ أكثر من أربعة عقود، أعلنت تركيا بدء عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني، وفي أواسط أيار من العام نفسه قرر حزب العمال الكردستاني، وبناء على تعليمات قائده ومؤسسه، القائد عبد الله أوجلان، إنهاء مرحلة الكفاح المسلح في المؤتمر الثاني عشر.
وتم تنفيذ ما وقع على عاتق الحزب، وبالنتيجة شكّلت الدولة التركية لجنة برلمانية خاصة لمتابعة عملية السلام، لكن، الطرف التركي لم يقم بتنفيذ إصلاحات هيكلية، تضمن الحقوق السياسية، والثقافية، للكرد، ولم يحدث أي تغيير في مسار السلام، حيث يواجه أزمة ثقة عميقة، هناك أيضاً استمرار اعتبار تركيا وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وبالتالي قوات سوريا الديمقراطية في سوريا امتداد لحزب العمال الكردستاني، وتصفهم بالإرهاب، هذا التصنيف يشكّل الأساس القانوني الذي تستخدمه السلطات التركية، في تبرير الاعتقالات والادعاءات بحق المحتجين الكرد داخل تركيا. منذ بداية كانون الثاني 2026 وحتى شباط 2026، نظّم ناشطون كرد في مدن باكور كردستان، وتركيا، مظاهرات ومسيرات شعبية للتعبير عن التضامن مع مقاومة روج آفا، بعد تصاعد هجمات الإبادة، هذه المظاهرات الجماهيرية، كانت جزءاً من حركة احتجاجية أوسع، امتدت إلى مناطق مثل آمد، ووان، وأنقرة وإسطنبول، رفع فيها المحتجون شعارات ضد الهجمات على روج آفا، وطالبوا بحقوق الكرد في التعبير عن دعم مقاومة روج آفا. بدأت السلطات التركية بحملات اعتقال واسعة، حيث تم احتجاز 842 شخصاً خلال 49 مظاهرة، في 19 مدينة كردية وتركية بين الأول من كانون الثاني، والثاني من شباط 2026، من بين المحتجزين هناك 99 قاصراً، و25 منهم تم اعتقالهم رسمياً، وتم الإفراج عن بعض المحتجزين بشروط قضائية. لكن؛ العديد منهم بقي معتقلا، بتهمة “الترويج للإرهاب” و”الانضمام لتجمع غير قانوني”.
اعتقالات وانتهاكات وعمليات تعذيب
أظهر تقرير أصدرته جمعية حرية المحامين في تركيا، عبر شهادات حول تعرض المعتقلين إلى الإساءة الجسدية، والمعاملة السيئة أثناء الاحتجاز، بالإضافة إلى تجاوز مدة الاحتجاز القانونية، واستخدام الحبس الاحتياطي كعقاب، كما شملت الاعتقالات محامين، وصحفيين، كانوا يغطون الأحداث؛ ما أثار مخاوف حقوقية حول تقييد حرية التعبير والعمل الصحفي، وأصدرت العشرات من جمعيات المحامين التركية، بيانات احتجاج على هذه السياسات، التي تتبعها ما تسمى شرطة مكافحة الشغب، ودعت، إلى تحقيق مستقل في التقارير المتعلقة بالتعذيب، وطريقة الاعتقالات، والإهانات التي يتعرض لها المعتقلون.
تركت هذه الاعتقالات انعكاسات سيئة على المجتمع الكردي، وأيضا على الداخل التركي، حيث زادت حالة الاحتقان لدى المجتمع التركي، وخاصة بين القوى السياسية الكردية، والحكومة التركية، إذ ترى هذه القوى، أن هذه الاعتقالات تأتي اً لسياسة التخويف والترهيب، ضد المعارضة والأحزاب والناشطين الكرد، ما يؤثر على عملية السلام الجارية في تركيا، وسيكون لها تأثير كبير على المنطقة برمتها، إلى جانب أنها سببت نوعاً من الخوف والاضطراب داخل المجتمع الكردي، خاصة بين الشباب، والنشطاء السياسيين، والمدنيين، فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وحرية التجمع، والإدلاء بالآراء بحرية، لاسيما أن جزءاً من المعتقلين قُصر ويجب الإفراج عنهم.
ما أشبه الأمس باليوم
تشير التحليلات إلى أن الأحداث التي جرت أثناء مقاومة كوباني عام 2014 ـ 2015، كانت نقطة فاصلة في علاقة الدولة التركية بالحركة الكردية، في ذلك الحين خرجت مظاهرات جماهيرية واسعة، تضامناً مع مقاومة كوباني ضد الهجوم الذي شنته مرتزقة “داعش” الإرهابي، في حين تمثلت ردة فعل السلطات التركية بحملات اعتقالات واسعة، واستهداف لقادة ونشطاء سياسيين كرد في وقتها، ما أوضح موقفها من هجوم داعش على كوباني، وتبين أن تركيا قدمت أشكال الدعم لداعش، للسيطرة على كوباني، وهناك أعداد كبيرة من الوثائق تؤكد ذلك.
اليوم، ومع تزايد هجمات الإبادة على روج آفا، وتصاعد التضامن الكردي في باكور كردستان، وتركيا نفسها، يبدو أن الدولة التركية، تكرر ما قامت به أثناء هجمات داعش السابقة على كوباني، واتخذت النمط الأمني في التعامل مع الاحتجاجات والمظاهرات الكردية، وهو ما يعدّ للعديد من المراقبين قاعدة ثابتة في سياسة أنقرة، تجاه الحراك السياسي الكردي، في حين أن الخطاب الرسمي للساسة والمسؤولين الأتراك، حول عملية السلام الجارية، تؤكد مسار السلام، حتى ولو كان بالكلام فقط.
إدانات واسعة دون جدوى
العديد من المنظمات الحقوقية، ومنظمات المجتمع المدني، وحقوق الإنسان، أدانت هذه الاعتقالات غير قانونية والغير أخلاقية، واعتبرت تلك المنظمات الاعتقالات تعسفية، ولا تستند الى أية أدلة ملموسة، سوى المشاركة في المظاهرات، وحتى القانون التركي يمنع استخدام الحبس الاحتياطي على المعتقلين، والحملات تعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق التظاهر السلمي وحرية التعبير، واعتقال القصر وحده جريمة ضد الإنسانية والحقوق، والتي لا يجوز القيام بها استناداً إلى اتفاقيات حقوق الطفل الدولية، التي تمنع احتجاز القُصر في سياقات لا تبررها أسباب أمنية واضحة.
الأحداث الأخيرة في باكور كردستان، وتركيا، من خلال حملات الاعتقالات الواسعة قد أظهرت أن الوضع الحقوقي، والقانوني، للكرد داخل البلاد، يشهد توترا متصاعدا، والسبب تقرب الحكومة التركية من الاحتجاجات بسياسة الحديد والنار، والمظاهرات والمسيرات سلمية هدفها التضامن مع مقاومة روج آفا، لكنها قوبلت باعتقالات واسعة.
وعلى الرغم من الوعود الرسمية، من الدولة التركية، بـاستمرار “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي”، إلا إن السياسات الأمنية المشددة، تضع قيودا كبيرة على حرية التعبير، والتجمع، وتعيد التذكير أن القضية الكردية في تركيا، ما تزال بعيدة عن إيجاد حل جذري لها، يؤدي إلى الاعتراف الكامل بالحقوق السياسية، والثقافية للكرد الذين يتجاوز عددهم الثلاثين مليون، كما أن المجتمع الدولي يلتزم الصمت، ولم يصدر منه حتى الآن أي موقف قوي وجاد وموحّد بحق الكرد، ورغم دعوة بعض المراقبين، والحقوقيين، والشخصيات، إلى توفير آليات رقابية مستقلة للتحقيق في ادعاءات الدولة التركية، وحالات التعذيب والاحتجاز التعسفي، لحماية حرية التجمع السلمي، والتعبير عن الآراء بحرية، وضمان حقوق الكرد.
No Result
View All Result