تعرّضت روج آفا، تلك البقعة الجغرافية الصغيرة التي تقطنها غالبية كردية منذ آلاف السنين، لأبشع مؤامرة دولية عرفتها الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، على يد قوى دولية وإقليمية هدفت إلى القضاء على الكرد، وطمس وجودهم، وإنهاء آمالهم في الحرية والحياة الكريمة التي سعوا إلى تحقيقها عبر عقود طويلة من النضال.
عقب الإعلان عن النفير العام في روج آفا في مواجهة هجمات الإبادة، خاض الشعب الكردي مقاومة الكرامة والوجود، ووقف في وجه واحدة من أخطر المؤامرات وحملات الإبادة التي تعرّض لها في أجزاء كردستان الأربعة، وفي دول المهجر والشتات. وخرج الكرد إلى الساحات، رافعين أصواتهم عالياً تضامناً مع أبناء جلدتهم الذين حاربوا الإرهاب نيابةً عن العالم أجمع.
وتوجّه العشرات من الفنانين والأطباء والصحافيين، إلى جانب النساء والشبان الكرد، نحو روج آفا، وشاركوا في مقاومة الكرامة والوجود، معبّرين عن تضامنهم الكامل في مواجهة المخططات العدائية التي تستهدف الشعب الكردي. وبذلك تعزّزت الثقة والوحدة من جديد بين أبناء الشعب الكردي، وتكرّس شعوراً جمعياً بأن الكرد شعب واحد، أينما وُجد.
وقدّم الشعب الكردي في روج آفا، ومعه الشعوب السورية الأخرى المتعايشة على هذه الأرض منذ آلاف السنين، تضحيات جساماً على طريق ترسيخ الأمن والاستقرار والعيش المشترك. وبذلوا جهوداً كبيرةً لحماية المنطقة التي تتعرّض بشكلٍ متواصل لهجمات خارجية تستهدف وجودهم التاريخي.
كان كل ما جرى في هذه المقاومة موضع تقدير واحترام؛ فقد شكّل كل تفصيل فيها فسحة أملٍ لنيل الشعب الكردي حقوقه المشروعة، بدءاً من المبادرات الإنسانية التي نُظّمت لتأمين احتياجات المهجّرين والنازحين، مروراً بالنساء والشبان الذين حرسوا أحياءهم ومناطقهم، وصولاً إلى الفنانين الذين أنشدوا أغنية المقاومة وعبّروا عن تضامنهم مع أبناء جلدتهم من مختلف أصقاع العالم، والمقاتلين الذين قاوموا وما زالوا يقاومون في خنادق الكرامة من أجل ضمان حياةً حرةً تليق بنضالهم المتواصل، فضلاً عن الشبان الذين تجاوزوا حدود الدول وانضموا إلى مقاومة الكرامة دفاعاً عن الكرد في وجه هجمات الإبادة.
عانى الشعب الكردي طويلاً، وما زال يعاني، من ويلات الحروب والنزاعات، وهو اليوم بأمسّ الحاجة إلى الدعم، ولا سيما في سوريا، حيث يشكّل جزءاً أصيلاً من النسيج السوري المتنوع الممتد لمئات السنين. وهذا التنوع، بطبيعته، مصدر قوة وغنى، ولذلك يستحق الشعب الكردي العيش بكرامة على هذه الجغرافيا التي قدّم من أجل حمايتها آلاف الشهداء والتضحيات.
نعم، آلام الشعب الكردي كبيرة اليوم، وربما القلوب مثقلةً بالأوجاع، لكن مقاومتهم أكبر من كل هذه الآلام. ولا بد أن تنتصر إرادة الشعوب، وأن تنتهي معاناتهم عبر النضال المتواصل، والمقاومة الشاملة، والوحدة. ولا بد أن تشرق شمس الحرية من جديد على الكرد، معلنةً نهاية كل السياسات والمساعي التي سعت إلى طمس هويتهم وثقافتهم وكسر إرادتهم، وتكريس العنف ضدهم. فبالنضال الحر، وبالعيش المشترك مع الشعوب الأخرى، يستطيع الكردي الحر أن يعيش بأمان وكرامة.