No Result
View All Result
قامشلو/ آرين زاغروس ـ منذ سيطرة الحكومة السورية المؤقتة على الرقة والطبقة ودير الزور، عادت أنماط الحكم القسري عبر القتل الممنهج، والاعتقال التعسفي، والنهب المنظم، بأساليب تختلف شكلياً عن الساحل السوري لكنها تتقاطع معه في الجوهر، ضمن سياسة واحدة تقوم على إخضاع المجتمع بالقوة وتفادي أي مساءلة، وفيما تفاوتت أدوات العنف بين القتل العلني في الساحل، والضبط الأمني المبطّن في هذه المدن، والاحتواء القلق في السويداء، يبقى القاسم المشترك غياب أي مشروع سياسي أو إداري، واستمرار الإفلات من العقاب، ما ينذر بدوامة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
منذ أن بسطت حكومة دمشق المؤقتة سيطرتها على مدن الرقة والطبقة ودير الزور، عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية، دخلت المنطقة مرحلة جديدة اتسمت بالفوضى الأمنية، وتفكك الضبط الإداري، وعودة أنماط قديمة من الحكم القسري، أعادت إلى أذهان السكان سنوات القمع والانتهاكات التي عرفتها مناطق أخرى خضعت سابقاً لسلطة دمشق.
لم تقتصر السيطرة العسكرية على إعادة نشر القوات ونقاط التفتيش، بل رافقها تحوّل سريع في طبيعة التعامل مع السكان، حيث برزت ممارسات اتسمت بالقسوة والتعسف، شملت القتل خارج إطار القانون، والاعتقالات الواسعة، والنهب المنظم، والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة، في مشهد بدا بعيداً عن أي مفهوم لـ “إعادة الاستقرار” الذي رُوّج له رسمياً.
سلطة بالقوة لا بالإدارة
في الرقة والطبقة ودير الزور، اتخذت السيطرة طابعاً أمنياً صرفاً، حيث أُخضعت المدن لمنطق الغلبة العسكرية بدل الإدارة المدنية، انتشرت الحواجز داخل الأحياء، ونُفذت حملات دهم واسعة، وفرضت سلطات الأمر الواقع قيوداً صارمة على حركة السكان، وسط غياب كامل لأي آليات مساءلة أو قضاء مستقل.
القتل خارج القانون كان من أبرز ملامح هذه المرحلة، إذ سُجلت حوادث تصفية ميدانية تحت ذرائع فضفاضة، أبرزها زعزعة الأمن، ولم تُعلن أسماء الضحايا، ولم تُفتح تحقيقات علنية، ما خلق حالة خوف جماعي ورسّخ شعوراً بأن السلاح هو المرجعية الوحيدة.
النهب بدوره لم يكن سلوكاً فردياً معزولاً، بل اتخذ طابعاً واسع النطاق. المنازل التي أُخليت قسراً، أو التي غادرها أصحابها خوفاً، تعرضت للسرقة. المحال التجارية، المستودعات، وحتى بعض المرافق الخدمية، لم تسلم من الاستباحة. في دير الزور، طال النهب معدات زراعية وسيارات خاصة، بينما شهدت الطبقة سرقة مؤسسات ومخازن، في مشهد يعكس غياب أي ضبط عسكري أو إداري.
الاعتقال كأداة حكم
الاعتقال التعسفي عاد ليكون أداة مركزية للسيطرة. شملت الحملات شباناً وموظفين سابقين وعاملين في المجال المدني لدى مؤسسات الإدارة الذاتية، دون توجيه تهم واضحة أو عرضهم على جهات قضائية. أما مصير المعتقلين، فبقي مجهولاً، في ظل صمت رسمي مطبق، ما أعاد إنتاج نموذج السجون المغلقة الذي عُرفت به الدولة السورية خلال العقود الماضية.
هذا الواقع خلق موجة نزوح صامتة، حيث غادرت عائلات كثيرة منازلها باتجاه مناطق أقل توتراً، هرباً من الاعتقال أو التصفية أو فقدان الممتلكات، في تكرار لسيناريوهات عرفتها مناطق أخرى من البلاد.
عند مقارنة ما يجري في شمال وشرق سوريا بما حدث في الساحل السوري، تتبدّى فروقات في الشكل لا في الجوهر. ففي الساحل، مورست السلطة بعنف مباشر وعلني، تجلّى في عمليات قتل واسعة النطاق ذات طابع مكشوف، حملت سمات العقاب الجماعي، في سياق التعامل مع مناطق اعتُبرت غير موثوقة سياسياً وذات تاريخ طويل من المعارضة.
في المقابل، اتخذت الانتهاكات في الرقة ودير الزور وبقية مناطق شرق الفرات طابعاً مختلفاً، حيث لم يكن القتل علنياً بالدرجة ذاتها، بل جاء ممنهجاً ومبطّناً، يجري تنفيذه تحت غطاء أمني صارم، من خلال الاعتقال، التصفية الصامتة، والنهب المنظم، ضمن بنية ضبط أمني تسعى لإخفاء العنف لا إلغائه. هذا الفارق جعل الانتهاكات في الشرق أقل صخباً لكنها أكثر انتشاراً واستدامة، فيما بدا العنف في الساحل أكثر مباشرة ووضوحاً، ما يؤكد أن اختلاف الأسلوب لا يعني اختلاف السياسة، بل يعكس تنويع الأدوات وفق طبيعة كل منطقة وسقف مقاومتها.
أما السويداء، فتشكّل حالة مختلفة نسبياً. ورغم ما شهدته من توترات واغتيالات وفوضى أمنية، إلا أن سيطرة الحكومة المؤقتة هناك بقيت محدودة ومحكومة بتوازنات محلية معقدة، فالمجتمع المحلي في السويداء فرض خطوطاً حمراء حالت دون تكرار السيناريو الدموي الذي شهدته الساحل.
النهب المنظم والقتل الجماعي لم يتحولا ظاهرة عامة في السويداء كما في الشرق والساحل، ليس بسبب اختلاف في طبيعة السلطة، بل بسبب اختلاف في قدرة المجتمع المحلي على المقاومة وفرض شروطه، إذ إن العشائر التي خرجت لمساندة الحكومة المؤقتة؛ كانت غايتها الأولى النهب القتل ولأسباب انتقامية، كما حصل في الساحل عندما هبت العشائر لمساعدة الحكومة في نهب المنازل وقتل السوريين المدنيين على الهوية ومع ذلك، تبقى السويداء تحت ضغط أمني دائم، وتعيش حالة استنزاف مستمرة عبر الفوضى المدروسة بدل الاجتياح المباشر.
سياسة واحدة بأدوات متعددة
ما يجمع الرقة، والطبقة، ودير الزور مع الساحل والسويداء، غياب أي مشروع سياسي أو إداري حقيقي لإدارة المناطق بعد السيطرة، والاختلاف يكمن فقط في الأدوات المستخدمة في الساحل، تُستخدم القوة العارية، وفي الطبقة والرقة ودير الزور القبضة الأمنية المغلقة، وفي السويداء سياسة الاحتواء القلق.
هذه المقارنة تكشف أن الانتهاكات ليست أخطاء فردية أو تجاوزات مؤقتة، بل جزء من نمط حكم يقوم على إخضاع المجتمع بالقوة، مع تفاوت في درجات العنف تبعاً للبيئة المحلية وقدرتها على المقاومة.
حتى الآن، لم تُعلن حكومة دمشق المؤقتة عن أي خطط لمحاسبة المتورطين في القتل أو النهب، ولم تسمح بدخول لجان تحقيق مستقلة إلى المناطق المتضررة هذا الصمت يعزز المخاوف من ترسيخ واقع جديد قائم على الإفلات من العقاب، ويفتح الباب أمام دورة جديدة من العنف وعدم الاستقرار. في ظل هذا المشهد، تبدو مدن الطبقة، والرقة، ودير الزور في سوريا أمام مستقبل غامض، حيث لم يؤدِ تغيير السيطرة إلى حماية المدنيين، بل أعاد إنتاج أسوأ نماذج الحكم الأمني، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مسار سياسي يضع حداً لسنوات الدم والانتهاكات.
No Result
View All Result