بعد أكثر من عقد على الحرب، تواجه سوريا تناقضاً حاداً يجسّد تعقيد المرحلة الانتقالية، فبينما تكتسب سلطة الشرع شرعية متزايدة على المستوى الدولي، فإنها تواجه في الداخل تآكلاً مطرداً للثقة، خاصة من قبل المجتمعات غير العربية وغير السنية وغير المتشددة دينياً، فقد تحوّلت الشكوك الأولية لدى العلويين والدروز والكُرد إلى رفض صريح، في ظل استمرار أعمال العنف والتمييز التي يتعرضون لها، والتي ينفذها في كثير من الأحيان فاعلون يرتدون زي قوات الأمن الجديدة، مخالفين بذلك الخطاب الرسمي الداعي للوحدة الوطنية. يضاف إلى هذه التركيبة المعقدة الإطار الأيديولوجي للقيادة الحالية، الذي يمزج بين القومية العربية والإسلاموية والوطنية السورية. بينما يجعل هذا المزيج القيادة ممثلاً للبرجوازية العربية السنية، ويوفر لها قاعدة تعاطف، فإنه يعيق في الوقت ذاته بناء هوية وطنية جامعة.
هنا تبرز مفارقة أخرى؛ ففي الوقت الذي يرى فيه كثير من السوريين الدولة المركزية القوية كضامن وحيد للوحدة، أثبتت سنوات الحرب أن المناطق التي تحملت مسؤولية إدارة شؤونها بنفسها ـ سواء في الشمال الشرقي الكردي أو في الجنوب الدرزي – طورت كفاءات محلية وأظهرت قدرة على الصمود.
إن منح المحافظات مشاركة حقيقية في صنع القرار ليس تنبيذاً بالوحدة، بل هو اعتراف بهذه الخبرات المتراكمة وخطوة لبناء ولاء أعمق للدولة من خلال المشاركة في تحمل المسؤولية وحل المشكلات.
غير أنّ المشهد الحالي لا يبعث على التفاؤل، فالعملية الانتقالية لا تزال تعتمد بشكل كبير على السلطة المركزية واختيار الأفراد الأكفاء، بدلاً من بناء المؤسسات والأحزاب السياسية. إن سلطة القرار ما تزال متركزة في يد الرئاسة، مما يطرح تساؤلات حول الجدية في تطبيق مبادئ المشاركة وبناء مؤسسات ديمقراطية.
إن إجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية خلال أربع سنوات، كما هو مخطط له، يتطلّب فضاءً عاماً حراً يتمكن فيه السوريون من التنظيم والتظاهر والوصول إلى المعلومات دون خوف.
تواجه سوريا خطر التقهقر نحو نموذج الدولة الاستبدادية المركزية ذات النظام الفاسد القائم على المحسوبيات، وهو نقيض ما خرج السوريون إلى الشوارع من أجله.
إن التساؤلات المطروحة حول تناقض الخطاب مع الممارسة، كما يتجلى في الهجمات الأخيرة على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ودير حافر رغم الخطابات التصالحية، تهدد بمزيد من تآكل المصداقية، فكيف يمكن إقناع عائلات الضحايا شهداء وجرحى بكلام المصالحة بينما تستمر الأعمال القمعية؟ وكيف يمكن الوثوق بمراسيم الحقوق إذا كانت قابلة للإلغاء وفقاً لأهواء السياسة؟
إنّ نجاح سوريا المستقبلية، لن يتحقق إلّا عبر عقد اجتماعي جديد يتجاوز الهيمنة الأحادية، ويعترف بالتنوع الغني للمجتمع السوري، ويتطلب هذا انتقالاً حقيقياً من خطاب الوحدة الشكلي إلى ممارسة تشاركية تضمن الأمن والكرامة والعدالة لجميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم الأثنية أو المذهبية، عندها فقط يمكن بناء الثقة المفقودة، وبدء عملية مصالحة وطنية حقيقية تكون الأساس المتين لإعادة إعمار البلاد.




