No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ أوضاع إنسانية مأساوية لآلاف العائلات المهجرة من الطبقة والرقة التي لجأت إلى مدارس ومراكز إيواء غير مجهزة في مقاطعة الجزيرة، وسط نقص حاد في الغذاء والتدفئة والخدمات الأساسية، مع معاناة مضاعفة للأطفال، فأكد مهجرون، أن التهجير المتكرر حرمهم الاستقرار والأمان، في ظل غياب الحلول وضبابية المصير، وتمسكهم بحق العودة الآمنة إلى ديارهم.
تتواصل فصول المعاناة الإنسانية لعشرات العائلات المهجرة من أهالي مقاطعة عفرين والشهباء، ممن اضطروا للتهجير مجدداً من مناطق الرقة والطبقة، ليجدوا أنفسهم في مقاطعة الجزيرة أمام واقع قاسٍ يفتقر لأبسط مقومات الحياة، ورغم محدودية الإمكانات، فتحت المدارس ودور العبادة والمراكز العامة أبوابها لاستقبال المهجرين، في محاولة لاحتواء موجة تهجير جديدة، إلا إن هذه الأماكن غير المجهزة تحولت إلى ملاذ اضطراري لعائلات أنهكها التهجير المتكرر، فيما لا يزال مصيرها مجهولاً.
في مدن وبلدات المقاطعة، توزعت العائلات المهجرة على عدد من المدارس والمساجد ومراكز الإيواء، ففي ديرك وخانة سري، استقبل مسجد سيد عبد الله، ومسجد هاني سلطان، ومسجد الشيخ نواف، إضافة إلى قاعة عبد الجبار، ومسجد قرية جلو، ومساكن كتبية وأكاديمية، ومراكز الكومينات، عشرات العائلات الهاربة من القصف.
أما في ناحية عامودا، فقد لجأت نحو خمسين عائلة إلى أربع مدارس، “مدرسة بدران خالد، ومدرسة ملا جزيري، ومدرسة الشهيدة أمارة، ومدرسة خديجة”، كما فتحت مدارس أخرى في قامشلو أبوابها، من بينها أكاديمية هيمو، ومدرسة حاتم الطائي، ومدرسة الوفاء، ومدرسة مصطفى مسعود، ومدرسة ابن سينا، ومركز ومدرسة عباس علاوي، ومدرسة إبراهيم هنانو، ومدرسة مصطفى كلو، وغيرها، لتتحول الصفوف الدراسية غرف نوم مؤقتة، والأروقة إلى مساحات للانتظار.
مراكز إيواء غير مجهزة
وخلال زيارة صحيفتنا “روناهي” إلى مدرسة “حاتم الطائي”، جسدت صورة التهجير بأقسى تفاصيلها، فبعد أن قضت العائلات ليلتها الأولى في ملعب 12 آذار، انتقلت صباحاً إلى المدرسة، فبدأ الأهالي بإغلاق النوافذ بالكرتون، وفرش ما تيسر لهم من بطانيات على أرضية البلاط الباردة.
أطفال لم تتجاوز أعمارهم خمس سنوات يرقدون فوق الأرض، تحاول أمهاتهم تدفئتهم ببطانيات بالية لا تقي من نسمات الشتاء القاسية، وبينما يجمع الرجال والنساء الأوساخ ويشطفون الصفوف، يبدو المشهد وكأنه طقس اعتادوا، إذ لم يعد التهجير حدثاً استثنائياً في حياتهم، بل تكراراً مؤلماً لمسار طويل من التهجير.
وفي السياق، قالت “فكرة محمد إسماعيل“، وهي إحدى المهجرات المقيمات في مدرسة حاتم الطائي: “خرجنا من عفرين، ثم الشهباء، تلاها الشيخ مقصود، ثم الرقة، واليوم نحن في قامشلو ولا نعلم إلى أين سنذهب، ومصيرنا ما زال مجهولاً”.
وأشارت، إلى أن الحكومة السوية المؤقتة تطالبهم بالعودة إلى منازلهم في عفرين، إلا أن الأهالي يرفضون ذلك إلا بضمانات آمنة، خوفاً مما قد يواجهونه هناك، مؤكدةً، أنهم لم يهربوا من بطش داعش ليعودوا إلى عرينها.
ووصفت “فكرة”، واقعهم داخل المدرسة: “اعتدنا التهجير، نعرف ماذا نحمل معنا، ونحن نغادر من مكان إلى آخر، لكن إلى متى سنبقى مهجرين بلا وطن أو أمان؟ أطفالنا لا يعرفون معنى الاستقرار، ودخلنا هذه المدرسة نحمل متاعنا القليل، لكننا عائلة كبيرة، لدينا عشرة أطفال يرتجفون من البرد، دون أي مساعدة”.
وفي مدرسة تضم عشرات العائلات وأكثر من خمسين طفلاً، تتراوح أعمارهم بين سنتين وعشر سنوات، تبدو المعاناة مضاعفة، لا سيما في ظل غياب الغذاء، والماء، والحليب، والاحتياجات الأساسية للأطفال.
تهجير بلا نهاية
ومن جهتها، وصفت المواطنة “نزيرة حمو”، القادمة من عفرين إلى الحسكة، واقع التهجير بكلمات تختصر الألم، وهي أم لطفلين بعمر خمس سنوات: “لا يوجد حليب للأطفال، ولا حفاظات، والعديد من المرضى بلا دواء، لا شيء من الخدمات الأساسية متوفر، وما زالت العديد من العوائل في الشوارع لا تعرف إلى أين تتجه، لقد عشنا حياتنا في الترحال من مدينة إلى أخرى، وكل ما نريده هو العودة إلى ديارنا في عفرين، لكن ذلك أصبح حلماً بعيد المنال، فالأراضي ما زالت محتلة ولا يمكننا العودة”.
وتابعت نزيرة حديثها عن رحلة الخروج من الرقة: “نحن أكثر من 16 شخصاً من ثلاث عائلات، لدينا ثمانية أطفال أعمارهم أقل من خمس سنوات، خرجنا بسيارة هوندا صغيرة، حملتنا مع أمتعتنا القليلة، بضع بطانيات نتلحف بها من برد الطريق، كنا خائفين من المجهول، خاصةً أننا شهدنا سابقاً جرائم قتل واختطاف على الطرقات، لكننا لم نستسلم”.
ورغم قسوة الواقع، لا تزال “نزيرة حمو” متمسكة بالأمل، فأكدت في ختام حديثها، إن التهجير لم يكسر إرادتهم: “قاومنا لسنوات، ورغم كل ما عشناه من تهجير، ما زلنا نقاوم بإرادتنا وأملنا، ولم يثنِنا أي احتلال أو تهجير عن حلم العودة، وسنستمر في الصمود حتى نعود إلى ديارنا آمنين”.
وفي ظل هذا المشهد الإنساني المأساوي، تتعالى أصوات العائلات المهجرة، مطالبة بتأمين المساعدات العاجلة، من غذاء ودواء ومواد تدفئة، إضافةً إلى إيجاد حلول جذرية تضمن لهم حق العودة الآمنة إلى منازلهم. وبين مدارس تحولت إلى ملاجئ، وأطفال ينامون على أرض باردة، يبقى السؤال مفتوحاً إلى متى سيبقى هؤلاء عالقين في رحلة تهجير بلا نهاية؟
No Result
View All Result