عدنان الدوسري
كان مساء الأمس بارداً على نحوٍ غير معتاد. لم يكن برد الطقس وحده، بل ذلك الإحساس الغامض الذي هزّني من الداخل، كإنذارٍ صامت بأن شيئاً ما يتشكّل في الجسد. مع الساعات الأولى، بدأت علامات الأنفلونزا تتقدّم بثقة، وراحت الحمى تتسلّق رأسي ببطء، زحفاً يشبه ظلاً ثقيلاً يتمدّد على جدار غرفة ضيّقة. كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة، والمدينة خلف النافذة تكتفي بأضوائها البعيدة، كأنها تدرك أن هذا الوجع شأنٌ شخصي، لا يعني سواي. في مطبخي الصغير، حيث يمتزج صمت المكان برائحة المعدن البارد، جلست أراقب جسدي وهو يتنازل، قطعةً قطعة، عن تماسكه.
لم أكن مريضاً لأن الأنفلونزا اجتاحتني فحسب، بل لأن الحمى فتحت في رأسي أبواباً لم أكن مستعداً لفتحها. هلوساتٌ خفيفة في البدء، متردّدة، ثم ما لبثت أن صارت أكثر جرأة، تتجوّل في داخلي بلا استئذان، تنبش طبقاتٍ قديمة من الذاكرة، وتقترب من أسرارٍ حسبتُها محصّنة. شعرتُ بأنها ستفضحني حتى العظم، وكأن الوجع تحوّل إلى قاضٍ صارم لا يعترف بحقّ الصمت ولا يقبل التأجيل.
هزّتني الأنفلونزا كنخلةٍ أصابها العطش؛ واقفة في ظاهرها، شامخة في هيئتها، لكنها في الداخل تستند إلى فراغٍ واسع. جذورها مغروسة في أرضٍ يابسة، ورأسها مرفوع نحو سماء شحيحة لا تمطر. كان البرد والحمّى يتناوبان عليّ كخصمين قديمين، يتنازعان جسدي بلا شفقة، يختلفان في الوسيلة، ويتّفقان في الغاية: إنهاكي ببطءٍ محسوب.
نهضت بصعوبة، وسرت خطوتين نحو الموقد. القدر الفارغ فوق النار بدا كأنه ينتظر قراري الأخير. هل أعدّ شوربة؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكنه كان ذروة هذا المساء. فالشوربة لم تكن طعاماً فقط، بل فعل مقاومة، إعلاناً خافتاً عن رغبتي في البقاء، محاولة متواضعة لأقول لجسدي: ما زلت هنا. وعلى الطاولة المقابلة، وقفت علبة الدواء ببياضها البارد، تعدني بتحسّنٍ دقيق الجرعات، منضبط المواعيد، بلا عاطفة، بلا رائحة بيت.
رفعت يدي إلى رأسي. كان الثقل أكبر من أن تفسّره الحرارة وحدها. الغربة تضغط من الداخل، والوحدة تعصرني ببطءٍ يعرف طريقه جيداً. هنا، في هذا المكان، لا أحد يسألني إن كنت قد تحسّنت، ولا صوت يقول: اترك كل شيء وسأعدّ لك الحساء. حتى السعال خرج من صدري ثم عاد إليّ بلا صدى، كأنه يجرّب صوته في فراغٍ لا يجيب.
تردّدت طويلاً. فكّرت أن الشوربة قد لا تكون حلاً، وأن الدواء وحده لا يكفي. ما كنت أحتاجه حقاً لم يكن في الصيدلية ولا في المطبخ؛ كان صوتاً دافئاً، يداً تستقر على الجبين، جملة عابرة تقول: ستمرّ. غير أن الغرفة ظلّت صامتة، والنافذة موصدة على ليلٍ لا يعرف اسمي ولا يكترث لارتعاشي.
في تلك اللحظة، ابتسمت ابتسامة متعبة، تشبه هدنة قصيرة مع الواقع. فتحت علبة الدواء، وملأت القدر بالماء في الوقت ذاته. عقدت مصالحة صغيرة بين الجسد والعقل، بين العلم والحنين. لم يكن أمامي سوى أن أداوي نفسي بنفسي، وأن أقاوم هذا الاهتزاز الداخلي.
وقفت أراقب الماء وهو يقترب من الغليان، وأنا أقترب بدوري من فهمٍ بسيط: أن النجاة، أحياناً، لا تحتاج أكثر من قرارٍ صغير. كنخلةٍ عطشى، ما زلت، رغم كل شيء، أرفع رأسي نحو السماء، مؤمناً أن الغيم، مهما طال غيابه، لا ينسى طريقه.