بعد عقدٍ من الرحيل، ما يزال صوت الفنان الكردي الكبير كريم كابان يتردّد في الذاكرة الجمعية، حاملًا معه دفء الحبّ ووجع الوطن، وموقظًا حنين أجيالٍ كبرت على ألحانه. فذلك الصوت الذي سكن أشرطة الكاسيت القديمة، وتحول يومًا إلى هديةٍ بين العشّاق وملاذٍ لذكريات الكبار، لم يخفت برحيل صاحبه، بل ظلّ حيًّا في وجدان المستمعين، شاهدًا على مسيرة فنية وإنسانية امتزج فيها الغناء بالألم، والفنّ بالحلم الدائم بالحرية.
كريم كابان، واسمه الكامل عبد الكريم جلال محمود، وُلد في 24 شباط 1927 في محلة الشيخان بمدينة السليمانية، ضمن عائلة وطنية. كان والده حريصًا على تعليمه، فأُرسله في طفولته إلى الحُجرة لتعلّم القراءة والكتابة.
وبعد أن تعلّم كريم كابان في الحُجرة مبادئ القراءة وتلاوة القرآن، واصل دراسته في مدرسة الفيصل بمدينة السليمانية. وبفضل صوته الجميل، شارك في جميع الأنشطة الفنية في مدرسته، وداوم على أداء الأناشيد الوطنية.
وامتلأت سنوات عمره اللاحقة بالنشاط الفني والغناء والمشاركات واللقاءات الفنية، وخلّف نحو عشرين عملًا مسجّلًا. ورغم قلّة إنتاجه نسبيًا، فإنّه استطاع من خلال تلك الأعمال أن يرسّخ مكانته في الفن الكردي وذاكرة المستمعين.
في عام 1945 أصبح كريم كابان مديرًا للقسم الكردي في إذاعة بغداد، وفي الأول من تموز من العام نفسه أُقيم له حفلٌ كبير في بغداد. وفي العام ذاته أصدر أول أعماله الغنائية على شريط كاسيت بعنوان “طريق العشق”، والذي ضمّ ثماني أغانٍ.
وكان لكريم كابان شقيقٌ آخر يُدعى قادر كابان، وهو أيضًا أحد المطربين الكرد من ذوي الأصوات الجميلة، إلا أنّه اعتُقل في سنٍّ مبكرة بسبب نضاله السياسي، وأُعدم شنقًا عام 1981 في سجون النظام العراقي آنذاك، ولا يزال مصير جثمانه مجهولًا حتى اليوم.
وقد ترك فقدان شقيقه قادر أثرًا بالغًا في حياة كريم كابان، ودفعه نحو الحزن والمرارة. وقد تحدّث بنفسه في أكثر من مناسبة عن هذه الخسارة، معتبرًا إيّاها إحدى أقسى الضربات التي انعكست بوضوح على حياته وفنّه.
لم يكن كريم كابان مجرّد فنان، بل كان أيضًا شخصية سياسية ووطنية، الأمر الذي جعله يتعرّض أكثر من مرة للاعتقال والسجن والمضايقات، كما أُبعد بسبب مواقفه من السليمانية إلى وسط وجنوب العراق.
وكثيرًا ما تحدّث عن أنّ حياته كانت مليئة بالمعاناة والتشرّد، غير أنّ أكبر همومه كان حلم الحرية لشعبه، وأن يرى الكرد في الجهات الأربعة من كردستان أحرارًا ومستقلّين، إلا أنّه ودّع الحياة وهو يحمل هذا الهمّ في قلبه.
عاش الفنان الكردي الكبير كريم كابان 89 عامًا، وفي سنواته الأخيرة عانى من المرض والآلام، إلى أن أغمض عينيه في 14 كانون الثاني 2016، وتوقّف قلبه عن الخفقان، ليوارى الثرى لاحقًا في مراسم مهيبة في مقبرة سيوان بمدينة السليمانية.
“روج نيوز”