No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
من القصص الشعبية التي تستند إلى أساس تاريخي في الذاكرة الشعبية للجزيرة السورية قصّة الأخوين “حمود وسعود” في زمن الاحتلال العثماني للمنطقة، تمرّدا على العثمانيين آنذاك، فلجآ إلى جبل شنكال الذي كان في ذلك الحين ملاذاً آمناً للفارّين من قبضة العساكر، فكان الأخوان متخفيين في تجاعيد الجبل، الذي أصبح المأوى الآمن لهما لزمن طويل، وعليه كان لابد أن ينزل أحدهما بالتناوب إلى القرى القريبة من الجبل لأخذ احتياجاتهما من الغذاء والماء والكساء، وفي يوم لم يكن يوافقهما الحظ بما يكفي، نزل “حمود” إلى السوق القريب لاقتناء حاجياتهما المعهودة، كان العسكر العثماني الذي مازال يتقفّى آثار الأخوين منذ زمن يتجوّل في المكان، لم يستطع “حمود” الفرار من جديد لأن خطّة العسكر كانت محكمة وأغلقت عليه منافذ العودة إلى الجبل، فوقع “حمود” أسيراً لدى العثمانيين.
طال غياب “حمود” وبدأ “سعود” يعد الدقائق لعودة أخيه التي بدأت تنذر بأنها لن تتحقّق، وهاجسٌ يلح عليه بأن أخيه وقع في قبضة عدوّه، فبدأ القلق على مصير “حمود” يراود “سعود” بشدّة.
نزل يتقصّى أخبار أخيه سالكاً طريقاً أخرى غير تلك التي سلكها أخوه الأسير الذي بات متيقناً من أسره بعد أن أمضى نهاراً وليلة، وهو ينتظر عودته دون جدوى.
نزل من الجبل مخفياً وجهه، يتقصّى دون سؤال صريح، ولم تكن معرفة مصير أخيه عصية، وخاصة أن خبراً كهذا في ذلك الوقت يكون حديث أصحاب المحال والمقاهي لما كانوا يعانونه من التضييق العثماني بكل مفاصل الحياة، لابد أن يبحث “سعود” عن أخيه المفقود حتى وإن كان في ذلك هلاكه، وكان سلاحه عبارة عن سيف ليس محنيّاً كما كانت السيوف الهندية وغيرها، ويسمّى باللهجة الشعبية “الكردة”، وذلك ليسهل إخفاؤه في ملابسه. بدأت رحلة البحث والتخفّي من ولاية إلى ولاية والسؤال سرّاً والإغراء بالمال للمتنفّذين في سبيل الوصول إلى خبر عن “حمود” حتى وصل إلى الولاية المطلوبة، وظل يتابع أخبار أخيه ليبلغه أخيراً أن “حمود” حُكم بالإعدام.
وفي فجر اليوم الذي سيشهد إعدام الأسير، راح يراقب المحال التي بدأت تفتح أبوابها للعمل، فوجد مطعماً بدأ يجهّز ذبائحه ليقدّمها لزبائنه، وكان أصحاب بعض المطاعم آنذاك يقومون بتقطيع الخراف بعد ذبحها والبدء بالشواء على “الصاج” الذي مازال مستخدماً في الجزيرة السورية حتى يومنا هذا باستخدامات عديدة.
جلس “سعود” في المطعم وطلب من صاحبه أن يُعد له وجبة طعام من لحم خروف، بدأ بتقطيعه للتو وقد نال منه الجوع.
صاحب المطعم: كم مقدار الوجبة التي تريد؟
“سعود”: قطّع، واشوِ، وضع أمامي حتى أكتفي.
واستمرت الحال هكذا حتى تناول “سعود” لحم الخروف كلّه.
صاحب المطعم مندهشاً ممّا يرى: أعتذر منك فقد كانت ذبائحي اليوم كلّها هذا الخروف، وليس هناك المزيد لأقدّم لك.
– لا مشكلة، كم الحساب؟
– خمسة عشر قرشاً
– أمتلك ليرة ذهبية، هل لديك الزيادة التي فوق حسابك؟
– لا.. ليس لدي، ولكن ننتظر حتى تفتح المحال أبوابها، لنجد من يأخذها ويعطي كلاً منّا حقّه.
– لا مشكلة.
جلس “سعود” بمكانه عند صاحب المطعم وبدآ يتجاذبان أطراف الحديث.
صاحب المطعم: ستشهد ساحة المدينة اليوم إعدام مجموعة من الشباب المتمرّدين على الحكومة العثمانية، وغالباً يغلق التّجّار وأصحاب المحال أبوابهم، ويذهبون إلى الساحة ليشهدوا تنفيذ الأحكام.
“سعود”: إذن نذهب سويّاً، ونشهد الإعدام، ـوهو يعلم أن “حمود” من بين من سيُنفّذ بحقِّهم حكم الإعدام في الساحة ـ، وعندما ننتهي من هذا المشهد نعود إلى هنا، ويكون التّجّار قد عادوا إلى أعمالهم، وتأخذ حقك كاملاً.
تجمّع الناس من كل حدب وصوب في ساحة المدينة، فكانت السلطة العثمانية آنذاك تعمد إلى تنفيذ أحكام الإعدام بالمتمردين على سياساتها في الساحات العامة لإرهاب الناس ومنعهم من التفكير بالتمرّد على سلاطينها، بدأت أصوات طبول العسكر تُسمع من بعيد، وقد لاحت طلائع الموكب، الذي يقود المحكومين إلى مصيرهم الأخير.
تقدّم المشهد رجل ضخم تقيّده السلاسل، وقد بدا أسداً لا يقوى على فك قيوده، فيزأر ثائراً على قدرٍ لا يملك من أمره شيئاً، وكأن لسان حاله يقول: “لو لم أكن مقيّداً بكل هذه السلاسل، فلن تستطيعوا بكل جموعكم أن تنالوا من هيبتي وعنفواني، ولكن هكذا الأيام حين تدبر عن أهلها”.
اقترب الموكب، وبدأت تتبدّى ملامح الأسير المقيد وإذ به “حمود” شقيق “سعود”.
وصل “حمود” المقيّد الذي أتعب العسكر بتمرده طوال الطريق، وهم يخافونه وكأنهم مقيدون بجبنهم، وكأنه حرٌّ بكبريائه إلى خشبة تنفيذ الحكم، صعد شامخاً غير آبه بمصيره المحتوم، وقد وقف شيخٌ يرتدي عمامة على رأسه بدأ يلقّنه الشهادتين، ثم قال له: “هل لك طلبٌ أخير؟”.
الأسير: بلى، بيتٌ من الشّعر فقط “عتابة”.
الشيخ: ما هو؟
“حمود”:
“طلع غيم جديد وغيم كله
ومعذبني مدگدگ الزردوم كله
أيا طارش إن وصلت “سعود” گله
الحديد الصلب طوگ الرگاب”.
ودون أن يمعن الأسير النظر بالجماهير التي احتشدت لتشهد مصرعه على المشنقة، ظهر “سعود” لنجدة أخيه بنداء الدم ونداء أخيه “حمود” الذي طلب أخاه ببيت “العتابة” ذاك وهو يقول:
“جمل جمل گادوك على القلعة وأناخوك.
وبحبال تازة وذرعانك وأناخوك.
ما تدريني يلنخيتني أنا أخوك.
أنا عظيدك يوم ملاگاة الجناب”.
وقتل “سعود” العساكر الذين يحيطون بأخيه “حمود” على خشبة الإعدام، وقطّع الحبال والسلاسل التي تكبّل أخاه ليصبح حرّاً، وتثور الناس بالمكان على العسكر العثماني، وقد نال ظلم السلاطين من نفوسهم، ثم عمّت الفوضى بالمدينة، وتمّكن الأخوان من الفرار.
رغم هول ما حدث وتركيز الأخوين على النجاة، فقد صار الجرم مضاعفاً بحقهما، لم يصرف كل هذا “سعود” عن حق صاحب المطعم الذي كان يشاهد كل ما جرى، فتوجّه إليه سريعاً في زحمة الناس.
وقال له: نقودك، فهي حقك.
صاحب المطعم: “مسامح وماهوب”، “اجعلها عوافي وهنا”، “أكل الرجال على قد أفعالها”.
لتصبح مثلاً يُضرب حتى يومنا هذا بالرجال الذين يزيدون من الطعام.
ختاماً يسأل أحدهم: هل كل الذين يزيدون من الطعام تكون زيادتهم على قدر أفعالهم، ويُقال فيهم هذا المثل الشعبي؟
No Result
View All Result