أحمد عبد الرؤوف
عرفَ الشِّعر العربي عبر تاريخه أشكالاً عديدة وأغراضاً تنوّعت بين المدح والفخر والهجاء والوصف والغزل والشِّعر العذري الذي يُعتبر من أبرز أغراض الشِّعر في الجاهلية وخلال مختلف عصور الأدب العربي، وكتب به عدد من الشّعراء الذين تخلّدت أسماؤهم بقصائدهم وقصص حبِّهم الخالدة في الأدب والتاريخ
نشأة الشِّعر العذري
الشِّعر العذريُّ غرض شعري أصيل من أغراض الشِّعر العربي، يقوم على العاطفة الصادقة والعطاء المطلق من المحب لمحبوبته دون انتظار مقابل لذلك، فتكون القصيدة على ذلك تصويراً عفيفاً للمشاعر التي تغلب عليها اللوعة والوفاء والعطاء دون التفكير بشكل المحبوبة أو قدر عطائها وعواطفها تجاه المحب، وتعود نشأة الشِّعر العذري لأواخر العصر الجاهلي، وتطوّرت كثيراً خلال العصر الأموي، وسُمّي بالشِّعر العذري نسبة لقبيلة “بني عذرة” والتي كانت تتميّز بالحب النّقيّ، ويتجنّب شعراؤها الوصف المباشر لمحاسن المرأة، فتتعلّق القصيدة بالمشاعر وتتجنّب الوصف الحسي تعظيماً واحتراماً وحبّاً للمرّأة، ومن أشهر شعراء الشعر العذري قيس بن الملوح “مجنون ليلى” وجميل بثينة وكثير عزة، وعروة بن حزام، وقيس بن ذريح، وكان إخلاص أحدهم يصل إلى درجة الموت والخوف على سمعة المحبوبة، ولا يتّسع قلبه إلا لامرأة واحدة، فيقول قيس بن الملوح في ليلى:
“أما عاهدتني يا قلبُ أني
إذا ما تُبْتُ عن ليلى تتوبُ
فها أنا تائبٌ عن حبِّ ليلى
فما لكَ كلّما ذُكرت تذوبُ”
أبياتٌ تحمل صراعاً شديداً بين القلب وشوقه لوصل محبوبته والذي ينتصر في كل مرّة على القلب باستسلام مؤلم يحبه الشاعر رغم ما يتركه من حسرة الحرمان ودمعة الشوق وشدّة الصدق، ليكون الشعر العذري بذلك أحد أبرز الأشكال الجمالية التي توازن بين العاطفة والموسيقا والبلاغة، وفي إطار الحسرة على مضي العمر بعيداً عن المحبوبة، والرّضا بما تقدمه المحبوبة مهما كان شحيحاً يقول جميل بثينة:
“ألا ليت ريعان الشّباب جديدُ
ودهـرٌ تولّى يا بثينُ يعــودُ
فنبقى كما كنّا نكونُ وأنتمُ
قريبٌ وإذ ما تبذلينَ زهيدُ”
ووصل الحد بشعراء آخرين إلى التمني بخلود الوصل حتى بعد الموت، فيعيشان معاً ويموتان معاً، ويكون قبره إلى جانب قبرها كأن يقول عروة بن حزام:
“ألا ليتنا نحيا جميعاً وإن نَمُتْ، يجاور في الموتى ضريحي ضريحُها”
الشّاعر عروة بن حزام
يميل شعراء العذرية إلى التلذّذ بألم الحرمان والفراق، فقد ظلّ الشّاعر قيس بن الملوح ملتاعاً لأنه حُرم من ابنة عمه ليلى، ويرى بعض النقّاد أن الحب يتخلّد بالحرمان، ويطفئ جمرة شوقه الوصل، لذلك أصبحت العذرية مذهباً للعشّاق وملهمة للشعراء الذين يغرقون في عشق الروح ويتجاوزون الجسد وعالم المادّيات بشكل كامل، ونجد أن أغلب المهتمّين بتاريخ الأدب يستشهدون بشعر قيس في ليلى لشدة حبه لها ولكثرة ما كتب بها من قصائد، ويقلّون من استذكار قصص شعراء ربّما بلغ الحب العفيف بهم درجات وصلت في بعض الأحيان إلى الموت، ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نستذكر الشاعر عروة بن حزام الذي مات كمداً على فراق ابنة عمّه ومحبوبته عفراء، حيث كبرا معاً في بيت عمه الذي تكفّله يتيماً، ووعده بتزويجها له، لكن أمها رفضت بسبب فقره وطلبت مهراً كبيراً بلغ 80 ناقة آنذاك، فذهب عروة إلى اليمن أملاً بإدراك مهر عفراء، وعندما عاد وجدها قد تزوجت رجلاً من الشام، فرحل يبحث عنها حتى وجدها وبكى عليها أياماً ثم عاد، وظل يهزل حتى مات عشقاً، وهو من أبرز شعراء الحب العذري، ومات متأثراً بحب عفراء في عام 30 هـ – 650 م، وبعد أن علمت عفراء بمصير عروة ماتت حسرة عليه، ودُفنت إلى جواره، تُظهر القصّة حجم الحب العذري في قلوب أصحابه آنذاك، وكيف يصل بهم إلى الهلاك، ومن هنا تأتي جماليّة وقيمة الشّعر العذري الذي خلد لنا أسماء أصحابها وقصصهم التي أصبحت عنواناً للتراث العربي، ومن أصدق ما قال عروة بن حزام في ابنة عمه عفراء حين عاد مخذولاً ومكسوراً من لقائها الأخير في الشّام قبل أن يموت:
“يكلّفني عمّي ثمانين ناقةً
وما ليّ يا عفراءُ غيرُ ثمانِ
فو الله ما حدَّثتُ سرَّكِ صاحباً
أخاً لي، ولا فاهت به الشفتانِ
سوى أنّني قد قلت يوماً لصاحبي
ضحىً، وقلُوصانا بنا تَخدانِ
ألا حبّذا من حبِّ عفراءَ واديا
نعامٍ وبرْكٍ حيث يلتقيانِ
ضَحينا ومسَّتْنا جَنوبٌ ضعيفةٌ
نسيمٌ لريّاها بنا خفقانِ
تحمّلْتُ زفراتِ الضحى فأطقْتُها
وما لي بزفراتِ العشيِّ يدانِ”.
تحمل هذه الأبيات المجتزأة من قصيدة طويلة للشاعر العذري عروة بن حزام الكثير من المعاني العفيفة التي يشدد فيها الشاعر على نقاء عواطفه وحرصه على المحبوبة وإن خسرها إلى الأبد، وهو يدرك أنه سيدفع روحه ثمناً لفراقها، وبهذا المعنى يكون الشّعر العذري من أسمى وأجمل أغراض الشعر العربي عبر التاريخ، ويكاد الشعر اليوم يفقد هذه المعاني الخالصة، فنجد شعراء يكتبون الشعر العذري في موضع، ثم يعودون ويكتبون شعر الغزل في موضع آخر فلا ينذر الشاعر شعره للعذرية دون سواها، علماً أن ليس بالضرورة أن يختص الشاعر بغرض شعري دون سواه، ولكن العشق النقي يتملك قريحة الشاعر ويأخذه من جميع أشكال الشعور إلى امرأة واحدة وقصة واحدة وقصيدة واحدة.