No Result
View All Result
قامشلو/ ملاك علي – شهد مهرجان روج آفا، بدورته الحادي عشر للثقافة والفن مشاركةً واسعة ولافتة للمرأة، وكان لها دور محوري في مختلف جوانب المهرجان، سواء على مستوى التنظيم أو في تقديم العروض الفنية والثقافية، ما عكس المكانة المتقدمة التي تحظى بها المرأة في الحياة الثقافية والمجتمعية.
يُعدّ مهرجان روج آفا للثقافة والفن من أبرز الفعاليات الثقافية السنوية في المنطقة، لأنه يهدف إلى إحياء التراث الثقافي والفني، وتعزيز الهوية المجتمعية، وخلق مساحة حرة للتعبير الفني، التي تجمع مختلف شعوب المجتمع، ومنذ انطلاقه، شهد المهرجان تنظيم دورات متتالية، شكّلت كل واحدة منها محطة ثقافية مهمّة أسهمت في ترسيخ دوره كمناسبة جامعة للفنانين والمثقفين والجمهور على حدّ سواء.
وخلال دوراته المتعاقبة، استطاع المهرجان أن يطوّر برامجه وأنشطته، فلم يقتصر على عرض الفنون الشعبية والتراثية فقط، بل فتح المجال أيضاً أمام الفنون المعاصرة، مثل المسرح، والموسيقا الحديثة، والفنون التشكيلية، والأمسيات الأدبية، ما جعله مرآة حقيقية لغنى وتنوّع الثقافة في روج آفا، كما ساهم في إتاحة الفرصة أمام المواهب الشابة للتعبير عن إبداعاتها والتواصل مع الجمهور، إلى جانب الحفاظ على الموروث الثقافي ونقله إلى الأجيال الجديدة. وتكمن أهمية المهرجان للمجتمع في أنه يُنظَّم بشكل سنوي، ما يمنحه استمرارية وتأثيراً تراكمياً، فيعزّز روح التلاقي والتعايش بين مختلف الشعوب، ويسهم في تقوية الروابط الاجتماعية، وترسيخ قيم الانتماء، والحفاظ على الهوية الثقافية في ظل المتغيرات الاجتماعية والسياسية، وبذلك، أصبح مهرجان روج آفا للثقافة والفن حدثاً ثقافياً راسخاً، لا يقتصر دوره على الاحتفال بالفن، بل يتجاوز ذلك ليكون مساحة للحوار والتلاقي وبناء الذاكرة الثقافية الجماعية.
تنوع أدبي وفني
انطلق المهرجان هذا العام، في العشرين من كانون الأول الجاري، واختتم في الثلاثين من الشهر ذاته، بمشاركة واسعة من مثقفين وكتّاب، وسياسيين وفنانين وشعراء، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات الإدارة الذاتية، والمجتمع المدني والأحزاب النسائية، فيما لم تكن مشاركة المرأة في مهرجان روج آفا الحادي عشر للثقافة والفن حضوراً رمزياً، بل جاءت فاعلة وممتدة على مدار أيام المهرجان، فبرزت أصوات نسوية في مختلف الفعاليات الثقافية والفنية، من قراءات شعرية وقصصية إلى ندوات فكرية وأعمال مسرحية، في مشهد يعكس تطور الدور الثقافي للمرأة في روج آفا.

وخلال الأيام الأولى من المهرجان، سجلت الشاعرات والكاتبات بشيرة درويش، وعبير حصاف، وشف حسن، وعريفة بكر، وإقبال رجب، وروجين محمد موسي، ولجين الحسن حضوراً لافتاً بقراءات شعرية وقصصية باللغتين الكردية والعربية، تناولت قضايا الإنسان والهوية والمرأة والمجتمع.
وفي السياق الفكري، شاركت شهرزاد الجاسم ندوة حوارية ناقشت القضية الكردية من منظور سوري، ومساهمةً في إثراء النقاش الثقافي، والسياسي في فعاليات المهرجان، فيما واصلت الأمسيات الأدبية استقبال أسماء نسوية أخرى مثل ديالا علي، وروكن علي شير، وديرسم علي، وعبير دريعي، وهيفاء محمود، اللواتي قدمن نصوصاً أدبية تنوّعت بين الشعر والسرد.
كما شهدت القراءات الشعرية باللغة الكردية مشاركة نورهان حسن، ونارين متيني، وأناهيتا سينو، ولمعة علي، في تأكيد على حضور المرأة الكردية في الحفاظ على اللغة والذاكرة الثقافية، إلى جانب مشاركات لاحقة لشاما محمد، وبيريفان عامودي، وشيرين يوسف، وزلوخ بكر، ودنيا سليمان، وأونا إسماعيل، وروان بدرخان بأمسيات شعرية وقصصية متتالية.
ولم يقتصر حضور المرأة على المنبر الأدبي فقط، بل امتد إلى الفعل الفني، حيث شاركت الكساندرا محمد، في العرض المسرحي “المثقف”، بينما حضرت أسماء نسوية أخرى في الفعاليات الختامية للمهرجان مثل ميديا بركات، وكردستان يوسف، وفيروز رشك، ليؤكدن أن المرأة شريك أساسي في المشهد الثقافي لا على هامشه.
حين يُعاش النص
ومن هذا المنطلق، تحدثت الشاعرة والكاتبة القصصية والمسرحية وواحدة من المشاركات في قصة قصيرة بمهرجان روج آفا “كردستان يوسف“، وأنها ترى مشاركتها في المهرجان، التي شكّلت محطة خاصة في مسيرتها الإبداعية، فهذه المشاركة الأولى لها في مهرجان أدبي، رغم أنها تكتب منذ خمسةٍ وعشرين عاماً، ولديها مطبوعة بعنوان “وشم على ذاكرة الغيم” إضافة إلى عدد من الأعمال قيد النشر، تشمل قصصاً ومسرحيات وقصائد ستكون جاهزة خلال فترة قصيرة.
لم تكن مشاركة كردستان في مهرجان روج آفا للثقافة والفن خطوة مخططة مسبقاً، رغم تجربتها الطويلة في الكتابة، غير أن تفاعل الزملاء والأصدقاء مع نصها “صرخة على الرصيف” شكّل دافعاً أساسياً لدخولها المهرجان، بعد أن رأوا في القصة ما يستحق أن يُقدَّم على منصة ثقافية أوسع، هذه المشاركة جاءت محمّلة برؤية خاصة للقصة القصيرة، تنطلق من اعتبار النص تجربة إنسانية تُعاش بعمقها النفسي والاجتماعي، وتعتمد على شخصيات واقعية قادرة على ملامسة القارئ وجعله جزءاً من الحدث، لا مجرد متلقٍ له.
تؤمن كردستان بأنّ القصة ليست بناءً تقنياً فقط، بل حالة شعورية تتشكل من تناغم المشاعر واللغة، وأنّ العنوان بوابة النص الأولى، إن لم يكن صادقاً أُغلق الطريق أمام القارئ: “فنجاح القصة لا يقوم على عنصر واحد، بل على تناغم خفي بين المشاعر والتقنيات، يشبه أوركسترا داخلية، أكتب عمّا يراه الناس، لكنني أروي ما لا يشعرون به بما يكفي، من هذا المنطلق اخترت عنوان قصة المشاركة “خاتم على صحن بارد” بوصفه حالة شعورية لا مجرد جملة، إذ يعبّر عن لحظة فقدت حرارتها”.
خاتم من فضة وحكاية حية
تبين كردستان أنّ هذه الدورة جعلتها تشعر أنها لم تُقدّم قصة فحسب، بل قدّمت نفسها علناً للمرة الأولى، وتركت القصة تلمع مثل خاتم من فضة، بارد في ظاهره، لكنه صادق، هادئ، وقادر على الوصول إلى الأعماق، وكانت هذه المشاركة الأولى التي تحصل فيها على الجائزة الأولى للقصة القصيرة: “لا أعدّها الأفضل بالضرورة، لكنها الأصدق، وما يولد من الصدق يبقى حيّاً في ذاكرة القرّاء”.
توضح كردستان مضمون قصتها بأنّها عن النزوح والخيام لأهالي سري كانيه، وهي جزء من مجموعتها القصصية القادمة “حين تزهر الخيام” التي ستصدر خلال الأيام القليلة المقبلة، وبعيداً عن نتيجة الفوز: “كانت المشاركة بحد ذاتها تجربة غنية، لما وفرته من لقاء مباشر مع جمهور يشترك في شغف القصة، أما الفوز بالمركز الأول فكان مفاجأة سعيدة وهدية ثمينة، أعتبرها رسالة تشجيع لمواصلة الكتابة، والتعبير عن صورة المرأة القوية”.
كردستان تعدُّ أنّ للمرأة دوراً محورياً في الثقافة والمجتمع، وأنّ حضورها يتجاوز مجرد المشاركة الشكلية، فالمرأة صوت ووعي يثريان الفضاء الثقافي، ويمنحان العمل الأدبي بعده الإنساني والعاطفي، هذه الرؤية تجعل مشاركتها في الفعاليات الثقافية أكثر من مجرد حضور، بل تعبيراً عن قوة وإرادة وإسهاماً حقيقياً في صناعة الثقافة: “اليوم، تستطيع المرأة أن تتفوّق، وأن تعيد تشكيل الحس الجمعي، وتمنح اللغة ألوان المعرفة، لأنها تدرك أن اللغة هي لباس الفكرة، وأن الفكرة من دون لغة متينة معرضة للانهيار، ومن هذا المنطلق، أشجّع كل امرأة على السعي لتحقيق أحلامها بالوعي والفكر، فمشاركتها في الفعاليات الثقافية ليست إضافة شكلية، بل تعزيزاً حقيقياً للثقافة ذاتها”.
وفي ختام حديثها، تهدي كردستان هذا الفوز وهذا التكريم لكل امرأة تخشى التعبير عن ذاتها أو المشاركة، لتعرف أن لكل خطوة، مهما بدت صغيرة أو باردة في البداية، القدرة على ترك أثر ودفع العالم نحو دفء أكبر.
حث المرأة على المزيد من التطور
ومن جهتها، بيّنت عضوة اللجنة التحضيرية لمهرجان روج آفا الحادي عشر للثقافة والفن، “شبال يوسف” في لقاء خاص لصحيفتنا “روناهي” إنّ المهرجان، استمر على مدى عشرة أيام متواصلة، وتميّز هذا العام بتنوّعه الثقافي الواسع وغناه في المضامين والأنشطة.
وأوضحت شبال، أن برنامج المهرجان شمل ندوات حوارية تناولت قضايا اجتماعية، ثقافية، سياسية، واقتصادية متعددة، إلى جانب محاضرات فكرية قيّمة قدّمها محاضرون ومثقفون من مختلف مناطق روج آفا، إضافة إلى أمسيات ثقافية وأدبية ضمّت قراءات شعرية وقصصية، وعروض أفلام سينمائية قصيرة، فضلاً عن عرض مسرحي لافت لاقى تفاعلاً جماهيرياً كبيراً: “المهرجان شهد مشاركة واسعة لمثقفين ومبدعين من مدن وبلدات عدة، من بينها عامودا، والحسكة، والدرباسية، وديرك، وكركي لكي، وقامشلو، ما يعكس اتساع رقعة الحراك الثقافي وتنوّع المشاركين فيه”.
وفيما يخص مشاركة المرأة، أكدت شبال، على حضور النساء التي كانت مميزة في هذه الدورة مقارنة بالأعوام السابقة، سواء من حيث العدد أو مستوى المشاركة، إذ شاركت النساء في مختلف مجالات المهرجان الثقافية والفنية، وهو ما يدل على أهمية دور المرأة وإصرارها على تطوير ذاتها رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
مشيرة الى أن مشاركة المرأة في هذا المهرجان شكّلت رسالة واضحة عن قدرتها على تجاوز التحديات والعوائق التي قد تحول دون حضورها في الفعاليات الثقافية، مؤكدةً حرص اللجنة المنظمة على تشجيع المرأة وحثّها على المزيد من التطور والانخراط الفاعل في الحياة الثقافية والعامة.
وختمت عضوة اللجنة التحضيرية للمهرجان “شبال يوسف“ حديثها، بالتأكيد على أن المرأة تمثّل عنصراً أساسياً في بناء مجتمع مثقف ومتحضّر، سواء على مستوى سوريا عموماً أو شمال وشرق سوريا خاصة، موجّهةً تحية تقدير إلى المرأة الكردية على نضالاتها المتواصلة في المجالات الثقافية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية.
ويُعدّ مهرجان روج آفا للثقافة والفن مناسبة سنوية تهدف إلى إحياء التراث الثقافي والفني، وتعزيز التلاحم المجتمعي، وقد جاءت مشاركة المرأة في نسخته الحادية عشرة لتؤكد مرة أخرى دورها الريادي والمؤثر في نجاح الفعاليات الثقافية وترسيخ الهوية المجتمعية.
No Result
View All Result