بيسان عدوان
نريدُ لغةً جديدةً، يا الله،
لغةً تشبه التراب
حين يستيقظ بعد المطر،
حين تخرجُ من الشقوقِ
رائحةُ الأمهات
وحين يُفتحُ فمُ الأرضِ
كجرحٍ يطلبُ المعنى.
نريدُ لغةً
تمشي على قدمَي مقاتلٍ
عائدٍ من الليل
يجرّ وراءهُ القمرَ كقنبلةٍ
من الضوء
ويفتحُ فمَهُ
فيخرجُ منهُ نشيدُ الزعتر
نشيدُ موتانا الذين أكلوا الحصارَ
ولم يشبعوا من الحلم.
نريدُ لغةً لا تخافُ من البارود
ولا تختبئُ
حين يصفرُ الموت
لغةً تتوضّأُ بالدمِ
قبل أن تكتب
وتُقبّلُ جبينَ الأرضِ
قبل أن تنطق.
نريدُ لغةً من الزعتر
من شجرٍ
يعرفُ أسماءَ الشهداءِ
واحدًا واحدًا
من الريحِ التي تمرُّ على الخنادقِ
وتقرأُ الفاتحة
من صوتٍ يقولُ: لا نخاف
حتى لو سقطَ العالمُ كلُّه.
نريدُ لغةً تُقاتلُ معنا
وتنمو في الترابِ
مثلَ الزعتر
كلما داسَها العدوّ
عادت أقوى
وعطِرةً أكثر
نريدُ لغةً جديدةً، يا الله
لغةً تُولَدُ من الزعترِ البريّ
تتنفّسُ التراب
وتفتحُ جرحَها
كي يمرَّ النورُ منها
نريدُ لغةً تشبهُ رائحةَ الأرض
بعد القصف
تشبهُ حليبَ الأمهات
الذي جف في الليل
تشبهُ صوتَ المقاتلِ
حينَ يبتسمُ للموت
ويقول: أما نحن أو نحن
ليسَ له اسمًا
ولا وجهًا
هو كلُّ الوجوهِ التي سقطت
وبقيت
كلُّ الأسماءِ التي لم تُكتَبْ
على الشاشات
كلُّ القلوبِ التي
ما زالت تنبضُ
في ركامِ البيوتِ
في المدن الخراب
في رائحة قتلانا
وتقول: أنا البلاد
من زعترِ الجبالِ خرجَ
من ريحانةٍ نائمةٍ
تحتَ الأنقاضِ خرجَ
من رمادِ الأصدقاءِ خرجَ
من الصمتِ خرجَ
من اللهِ خرجَ
حين نامُ الليلُ على حافةِ غزة
يقوم من نومهِ كالنبيّ
يخلعُ الخوفَ
كما يخلعُ قميصَه
ويكتبُ على جدارِ السماء
“لن يمرّوا”
يمشي على الحافةِ
لا يطلبُ نجاةً
ولا يتذكّرُ كيفَ يُخاف
في يده حجرٌ
وفي قلبهِ صاعقة
كلُّ ما حولَه يقولُ: لا نجاة
لكنَّه يركضُ نحوَ الحديد
يفتحُ البابَ بجسده
ويعودُ من الموتِ ليحيا
مرّةً أخرى
كأنَّه الزمنُ
يعيدُ نفسهُ كي لا يُهزَم.
الحديدُ يرتجف
والجدارُ يلهث
والجنودُ
يختبئونَ خلفَ أسمائهم
وهو وحدَه يخرجُ من الدخانِ
كأنه ترنيمةٌ كنعانيةٌ قديمة
تُعيدُ للأرضِ لغتَها الأولى
هو الذي يحاورُ الموتَ
كما يحاورُ العاشقُ
وجهَ حبيبته
يُغمضُ عينيه
ويصغي إلى نبضِ التراب
ثم يكتبُ بالرمادِ
وصيّتَه الأخيرة
لن نموت
لن نموت
لن نموت
بل سنرّثُ الحياة.