No Result
View All Result
ناصر ناصرو
لم تأتِ لحظة السقوط من فراغ، ولم تكن انفجارًا مفاجئًا بلا مقدمات. ما سبقها كان زمنًا طويلًا من التعفّن البطيء، حيث تحولت سوريا إلى دولة تُدار ضد شعبها، لا من أجله.
في مرحلة ما قبل السقوط، لم يعد الفساد حالة عارضة أو خللًا يمكن إصلاحه، بل صار العمود الفقري لمنظومة الحكم. كل مؤسسة كانت تعمل بمنطق الغنيمة، وكل منصب تحوّل إلى أداة نهب، وكل قرار سياسي أو اقتصادي كان يخضع لمعادلة الولاء لا الكفاءة. الدولة لم تعد إطارًا جامعًا، بل شبكة مصالح مغلقة، تُدار من فوق المجتمع وبعيدًا عنه، فيما كان السوريون يُدفعون تدريجيًا إلى حافة العوز واليأس.
في تلك المرحلة، تداخل الفساد الداخلي مع تدخلات خارجية حولت سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. لم تعد السيادة مفهومًا فعليًا، بل شعارًا يُستعمل لتبرير القمع، بينما كانت القرارات المصيرية تُصاغ خارج الحدود. القوى الإقليمية والدولية تعاملت مع البلاد كملف أمني أو ورقة تفاوض، لا كدولة وشعب، هذا التداخل بين الاستبداد الداخلي والارتهان الخارجي أنتج واقعًا مشوّهًا: نظام عاجز عن حماية شعبه، لكنه متشبث بالسلطة، ومجتمع منهك، لكنه ممنوع من التغيير. ومع مرور الوقت، صار الانهيار مسألة توقيت لا أكثر.
لم يكن السقوط مشهدًا كلاسيكيًا كما في كتب التاريخ. لم تسبقه طقوس انتقال واضحة، ولم ترافقه لحظة إجماع وطني. جاء فجأة، صادمًا، ومربكًا. عاش السوريون تلك اللحظة بمشاعر متناقضة: فرح خجول يشبه التنفّس بعد اختناق طويل، وصدمة عميقة لأن ما سقط لم يكن فقط رأس السلطة، بل الهيكل الذي أُجبروا على العيش داخله لعقود. كثيرون لم يصدقوا ما جرى في البداية، ليس لأنهم أحبوا النظام، بل لأنهم اعتادوا على فكرة أنه باقٍ مهما انهار كل شيء من حوله.
كانت لحظة السقوط مفرحة من حيث المبدأ، لأنها أنهت زمنًا من القهر المنهجي، لكنها في الوقت نفسه كشفت فراغًا مخيفًا. سقط النظام فعليًا، لا شك في ذلك، لكن لم تسقط معه كل آثاره، ولم يولد بديله تلقائيًا. هنا بدأت مرحلة أكثر قسوة، مرحلة ما بعد السقوط، حيث غاب الأمن، وتفككت المرجعيات، وتحوّلت البلاد إلى مساحة قلق مفتوح. لم يعد الخوف من أجهزة القمع القديمة، بل من الفوضى، ومن السلاح المنفلت، ومن قوى أمر واقع تبحث عن تثبيت نفوذها بأي ثمن.
في هذه المرحلة، اكتشف السوريون أن غياب النظام لا يعني بالضرورة حضور الدولة. الأمن لم يعد مضمونًا، والطمأنينة غابت، والناس باتوا يعيشون على حافة المجهول. ازدادت النزاعات المحلية، وبرزت محاولات لفرض السيطرة بالقوة، وظهرت خطابات جديدة تحمل في جوهرها منطقًا قديمًا: حكم بالقوة، إقصاء للآخر، وتبرير الاستبداد باسم الاستقرار. هنا، بدأ أخطر امتحان حقيقي لسوريا، امتحان ما إذا كان المجتمع قادرًا على عدم السقوط في فخ إعادة إنتاج ما ثار عليه.
وسط هذا المشهد المضطرب، برزت شمال وشرق سوريا كحالة مختلفة نسبيًا، ليس بوصفها جزيرة معزولة عن الأزمة، بل كنقطة مقاومة للانهيار الكامل. في وقت غابت فيه السلطة المركزية، واستُبيحت فيه مفاهيم الدولة في مناطق واسعة، حافظت هذه المنطقة على حدٍّ أدنى من التنظيم والأمن، رغم كل الضغوط. لم يكن ذلك نتيجة فراغ، بل نتيجة تجربة تراكمت خلال سنوات، قامت على إشراك المجتمع، وتنظيم الحياة اليومية، ومنع انزلاق الخلافات إلى اقتتالٍ داخلي شامل.
دور شمال وشرق سوريا في مرحلة ما بعد السقوط لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السوري العام، هذه المنطقة لم تدّعِ الكمال، ولم تقدّم نفسها كبديل جاهز لسوريا كلها، لكنها أثبتت أمرًا جوهريًا: إن غياب المركزية الصلبة لا يعني الفوضى، وأن الأمن يمكن أن يُبنى من المجتمع لا فوقه. في زمن التفكك، شكّلت هذه التجربة مساحة استقرار نسبي، ونقطة اختبار لفكرة أن سوريا يمكن أن تُدار بطريقة مختلفة عن النموذج الذي قادها إلى الخراب. اليوم، تعيش سوريا مرحلة دقيقة للغاية. ما بين ذاكرة الفساد والاستبداد التي سبقت السقوط، وواقع القلق وانعدام الأمان الذي تلاه، يقف الشعب السوري أمام خيار تاريخي. إما تحويل هذه اللحظة إلى بداية إعادة بناء حقيقية، تُقطع فيها الصلة مع نموذج الدولة الأمنية المركزية، أو السماح للخوف بأن يدفع الناس إلى القبول بقفص جديد، قد يبدو أقل قسوة في البداية، لكنه يحمل في جوهره بذور الانهيار ذاته.
السياسي العاقل يدرك أن أخطر ما يواجه سوريا اليوم ليس فقط غياب الأمن، بل غياب الرؤية. وأن بناء الدولة لا يبدأ بإعادة القبضة، بل بإعادة الثقة، ولا يتحقق بإقصاء المجتمع، بل بإشراكه. ما بعد السقوط ليس زمن انتظار، بل زمن مسؤولية، وإذا لم تُلتقط هذه اللحظة بوعي وشجاعة، فإن التاريخ لن يرحم من أضاع فرصة الخروج من القفص، بعد أن فُتح بابه أخيرًا.
No Result
View All Result