جوان عبدال
إن أي عمل كان؛ يحتاج إلى بُنى ومقومات لرفع صرحه، وهذا لا يعني بالضرورة أن يبدأ المرء من الصفر، لأن هناك خطوات قد تمت وسار بها الركب حينا أو بعض حين، وهو جامع لكل الأذواق والميول.. إلا في الإبداع، الذي هو مبتكر جملة وتفصيلا -خلق واختراع- رغم شكله وكيانه إلا أن له معطيات جدية مبتكرة.. ويظهر هذا في الأدب والفن جليا أكثر من غيره في المجالات الأخرى، وهنا حصرنا قولنا فيهما، حتى نعرّفه من مبتدئه إلى منتهاه.
والإبداع لغة: منْ أبدعَ شيئا أكان قولا أو صنعَ فعلا أو عملا جديدا، إذا ابتدأه لا عن سابق مثال أو عن مثال سابق بحيث لا يكون تقليدا لأنه لا يوجد شيء بالمطلق إلا وله ما يشابهه، ونستثني إلا القليل، وفي التعريف: هو نشاط إنساني ومظهر من مظاهره، فالتفكير بالشيء وإيلاؤه الجانب الكثير من الاهتمام يؤدي إلى منتج جديد لم يكن معروفا قبلا، أكان في الفكر والفهم والوعي أو كان في الفنية والتقنية أو كان في الرؤى في استعماله المجازي واستعماله المادي، ويتم ذلك ضمن حيز المعرفة والمهنة في المجتمع والحياة العملية، وذلك عبر استكشاف طرق إضافية أو جديدة، واستشفاف طرح حلول للرؤى والمسائل والمشاكل الموجودة، أي موجهة لتصور جديد أو فهم لطروحات ومهمات صراعية وقيمية كانت، وكل ذلك يتحقق في مظهر الذات ويكون حامله ببعديه الوجودي والغيبي، فهو أشبه بحالة التلهي واللعب لتكوين نمطية معرفية أو منظومة حياتية يوزن عليها المرء خطوات حياته ووجوده.
والإبداع حالة ذاتية فردية تختلج في النفس لحاجة داخلية مرتبطة بوجودها ودورها في الحياة ومصادفاتها، وتتفاعل بالخيال والتصور من ذاكرة استجمعت ذاكرتها بما جمعت من قيم المجتمع وثقافته ورؤاه وحاجياته.. وبفعل هذا يعرف الوجود والأنا ضمن مجال العالم الخارجي، للمطلق، لمعنى أسمى، ملبيا حاجاته الغيبية، وتجانس الداخل مع الخارج، لإيجاد تصور أو تقديم نمط يراه مناسبا للذات والآخرين، يراه العامة وترضاه الخاصة، وهنا أقول عن الشرط هو ردة فعل قدري على الموجود تمثلا ومحاكاة.. وإلى هنا وأوصلنا سؤالنا: هل ما يقدمه المرء مثمر أم لا، مثمر له وللآخرين، مثمر له فقط وليس للآخرين.
لذا؛ كان سؤالنا: كيف نؤسس للإبداع؟ فلنقرأ ونتثقف ونشاهد ونعرف؛ حسيا تصورا وخيالا وماديا نقدا وتحليلا حتى نصل إلى المبتغى.. لما تريده الأنا ويصلح بالتالي للآخرين.. أن يبرمج ويخطط وفق الحاجات الآنية والمستقبلية في جانبين؛ الجانب النظري منه والجانب العملي.
ثمة مقولة مفادها: “إن كل عمل إبداعي يجب أن تفهمه العامة وترضى عنه الخاصة”، هذا جيد وهكذا يجب أن يكون، فلا شروط جازمة ولا حدود فاصلة، ولكن الإبداع –لأنه إبداع- فإنه يشق طريقه عبر أراض من كل الأشكال؛ صحراء وجبال وليس دائما سهل ومروج، وليسير؛ فليس ثمة معوقات تحدّ من انطلاقه، فهو كالنهر يجري شوقا إلى البحر وإن كان يُرى في مكانه ساكنا، إن المقومات التي سبقت إبداعها –وليس النقد بالتأكيد- هو الذي يحمل على عاتقه السير به إلى ألقه، والإبداع “ماذا نعني بالإبداع” لأن ثمة أشكال وأنواع وتعاريف جمة له، إنما أقصد المعطى السيري والفني والرمزي.. إلخ.
الإبداع شيء -كالموسيقا وكالشعر-لا يعرّف بسهولة، وإن كان يجوز تتبعه والاقتراب منه ورؤيته، وهو موهبة وقسمة لأناس قليلين، وإن كان أدعياؤه كثرا، فمهما تماهي المرء وتلبس لبوسه وتلون بلونه، ولكن ينكشف سرهم سريعا بعد كتابة سطرين، فقد يسهو حينا -وقد شبهناها بـ “ضربة مقلاع أتت في عينه”-ولكن يعود من غفوته ويظهر المدعي دون تلكؤ.
وقد تصيب “ضربة مقلاع ” هدفها، ولكن ليس كل مرة، وهذا لا يعول عليه دوماً، فلا بد من أسس وخلفية تبنى عليها، فإن امرأً ما يريد أن يبدع في عمل أدبي أو فني أو أي عمل آخر، قد تأتي في يده، ولكن إن كان ذا خلفية أكاديمية أو خلفية معارفية تعليمية أو خبرة وممارسة دراية ومحاكاة لكان أصدق ومسيطرا على أفقه أكثر.
إن المحاولات المزاجية أو التظاهر أو حب الاختلاف –سمة الأنانية- لا تقود إلا إلى تشتت المعنى، أو إن المحاولات غير الناضجة لا تؤدي إلى زبدة ما، بل أنه خض الماء بالزبد. أما القول بالحداثة عن كل إحباط غير سوي، وممارسة التجارب المجهضة وقانون الاحتمالات الصائبة، بأن لابد من إحداها أن تصيب من كل بد وكفى بالله وكيلا، كمثال “اضرب هالطينة بهالحيط إذا ما لزقت تعلم”، لا يمكن الوثوق به لمسير الأدب المبدع.
إن محاولات التجريب دون الأسس نوع من العبث، لأن الأمر يحتاج إلى الموهبة بالدرجة الأولى، ويأتي في المرتبة الثانية التعلم والمحاكاة والتمثل، حتى نحصل على شيء ذي معنى من سوية الإبداع. نعم هناك أدوات مساعدة كالمعرفة والمحاكاة وكذلك الحرفة إضافة إلى اللغة.. إذن هناك الإنشاء والمعنى والرسالة.. والمزاوجة بين المقومات والتجارب المتنوعة قد تؤدي إلى حداثة ما، يعتد بها، ويمكن السير عليها والإشادة بها ردحا. فالتجريب والمحاولة لا تصنع شيئا مهما، إنما المهم هو الموهبة، فقد يأتي شبه الإبداع و”شُبّه لهم” على حصان أبيض فيتوهم حامله ألقه، ولكن لا ولا مع أن الركب يسير إلى ما لا نهاية.
في المحصلة رغم مقولة إن الإبداع في الأدب لا يؤسس، إنما هو موهبة فطرية تنتاب المرء ليسير عليها، نِعمَ هذا القول، ولكن يلزمها تشذيب وعناية خاصة حتى تكون على صراط، وليس بالتجريب والمحاولة وحدهما يصل المرء، رغم التعلم والمعرفة والحرفنة على أصولها، فالمسؤولية والوعي بها كفيلة بأن تقود إلى سوية إبداعية تنبع من الذات وتعبر عن همومها، ومعيار الصح والخطأ نسبي في عطائه، وليس تأسيس إبداع مفبرك.
وعود على بدء ولسؤال كهذا: كيف نؤسس للإبداع؟ فهذا السؤال يقود إلى المتاهة، لأن لا شيء يؤسس عليه غير الصحيح أي “لا يصح إلا الصحيح”، إذن الموهبة الحقة الفطرية الخام تحتاج إلى اهتمام حتى تحافظ على نمطها. وقولنا لا يرتكز على الحداثة والتجريب والتغريب أصولا، لأن الصدق والوعي بالذات والمسؤولية تجاهها كفيلة لمقولة صادقة نقية الضمير للتعبير عن الأنا وعن الآخرين من وجهة نظري أنا.