No Result
View All Result
حمزة حرب
لم تشهد الحياة في سوريا بعد سقوط النظام السوريّ متغيراً كبيراً يجعلها أفضل حال مما كانت عليه قبل سقوط النظام، رغم تغير كلّ العناوين والشعارات لتتوافق مع السلطة الانتقاليّة القائمة، فكان عام 2025 شاهداً على استمرارِ الخوف السياسيّ واتباع النظام المركزيّ المقيت، ما حال دون تحقيق حياة آمنة بالمعنى الشامل فالأمان مجزّأ، هشّ، ومتفاوت، تحكمه عوامل الجغرافيا والاقتصاد والسلطة المحليّة ويبقى الانتقال من أمانٍ مؤقتٍ إلى أمانٍ مستدام رهن إعادةِ بناء الدولةِ على أسس قانونيّة وديمقراطيّة، تجعلُ الإنسانَ لا السلطةَ، محورَ الأمن والاستقرار وهدفَ البناءِ قبل الحجر والمدن.
توالت بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أحداثٌ مفصليّةٌ في تاريخ سوريا، أبرزُها توقيع الإعلان الدستوريّ المعلن من طرفٍ واحدٍ، والذي حدّد رئيس المرحلة لنفسه قيادة المرحلةِ الانتقاليّة في البلاد لخمس سنوات، وتشكيل حكومة انتقاليّة برئاسته في آذار 2025؛ وجميعها عوامل أدخلتِ البلاد في مرحلةٍ مضطربةٍ فشهدت منطقة الساحل والسويداء أحداثاً داميةً وأنعشتِ الإرهابَ مع خلقِ بيئةٍ توافقه وحاضنةٍ للفكرِ المتطرف.
واقعٌ متردٍّ
التحول الذي طرأ على سوريا بعد نزاع طويل خلّف خللاً جوهرياً في هيكليات الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الأمن الانتقاليّ أداة أساسيّة لفهم طبيعة المرحلة الراهنة، لأنه عملية أساسيّة لإصلاح المنظومات الأمنيّة، ولأنه إطار شامل لإدارة التوازنات السياسيّة والاجتماعيّة والأمنيّة، في ظل واقع هشّ ومفتوح على تهديدات متشابكة.
فالواقع السوريّ يُظهر بصورة لا تدع مجالاً للشك، أن الأمان لا يمكن أن يكون نتاج القوة وحدها بل نتيجة منظومة متكاملة تشمل احتكار السلاح بيد سلطة شرعية متوافق عليها وطنيّاً، وبناء مؤسسات أمنيّة خاضعة للمساءلة واستقلال القضاء وتحقيق العدالة الانتقاليّة، وإعادة إنعاش الاقتصاد وتعزيز المشاركة السياسيّة بين أطياف المجتمع السوريّ على اختلاف مكوناته.
وبعد مرور ما يزيد عن عام على سقوط النظام السوريّ السابق، وفرار بشار الأسد منهياً بذلك حكمَ عائلته، الذي دام عقوداً طويلة تاركاً بلاده مثقلةً بالأزماتِ المركبةِ بين أمنيّة وعسكريّة واقتصاديّة والطامة الكبرى، أنّ من تولى حكم البلاد لم يكن لديه خارطة طريق واضحة المعالم لتغيير الواقع الميدانيّ والإنسانيّ والاقتصاديّ وحتى الأمنيّ.
توحيد فئات الشعب في ظل تعقد البنية الدينيّة والعرقيّة والقوميّة من أكثر الملفات التي فشلت فيها الحكومة الانتقاليّة؛ ما شكّل عائقاً في طريق سوريا للخروج من مشاهد الخراب، الذي تراكم عبر أزمات استمرت لسنواتٍ طويلة، وهو ما قاد طيلة عامٍ منصرم الى عدم استقرارها السياسيّ، وتواصلت التحديات الأمنيّة، بما في ذلك تهديدات مرتزقة الاحتلال التركيّ والتنظيمات المتطرفة وداعش.
شكّلت نشوة سقوط الأسد عاملَ إلهاءٍ للشعب السوريّ وأبعدته عن تحقيقِ هدفه الذي خرج من أجله في آذار 2011 مطالباً بالحرية والعدالة والكرامة والمساواة لتتبدد الآمال أمام الحقائق المؤلمة المرتبطة بإعادة بناء دولة ممزقةٍ بشدةٍ وزاد تمزيقها النفس الطائفيّ الذي طغى على خط سير الحكومة الانتقاليّة من خلال حكمها بلون واحد وبمركزيّة مطلقة.
فالاستقرار الذي اعتبر ضرورياً أيضاً لمستقبل الاقتصاد السوريّ لا يمكن أن يحدث دون تحسن الوضع الأمنيّ، ولن يتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلاد بالقدر اللازم لإعادة إعمار حقيقية رغم أن توجه الحكومة الانتقاليّة وانفتاحها على الخارج كان بهدف جلب الاستمرار لكن الابتعاد عن الداخل هو ما أخر تعزيز الوضع الأمنيّ.
اليوم بات أمام دمشق تحدٍّ جدي بعد أن منحها المجتمع الدوليّ فرصة لمواجهة الجماعات التي تزعزع استقرار المنطقة، كما فتح انضمام سوريا إلى التحالف الدوليّ الباب أمام شراكة أوسع مع الولايات المتحدة والمجتمع الدوليّ ضد مرتزقة داعش والأطراف المتطرفة التي تعتبر شريكاً وثيقاً لهذه الحكومة، وهو ما أفسح لها مجال التحرك بحرية والتحضير لتنفيذ هجمات عدائية ضد مناطق شمال وشرق سوريا.
أظهر نشاطُ مرتزقة “داعش” استمرار تهديدها لمستقبل سوريا وقوات سوريا الديمقراطية إلى جانب القوات الشريكة “التحالف الدوليّ” أبدت تضحيات كبيرة لفرض الأمن والاستقرار ومنع تمدده مرة أخرى، وأحصى المرصد السوريّ لحقوق الإنسان، منذ مطلع العام 2025 حتى اليوم، 233 عملية نفذتها خلايا مرتزقة داعش في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا.
وجميعها تمت، حسب المرصد السوريّ، عبر هجمات مسلحة واستهدافات وتفجيرات أسفرت عن ارتقاء نحو 87، هم 71 شهيداً من قوات سوريا الديمقراطيّة “قسد” والتشكيلاتِ العسكريّة العاملة معها، و16 مدنيّاً وتوزعتِ العمليات الإرهابيّة على النحو التالي: 201 عملية في دير الزور، 17 عمليّة في الحسكة، 15 عملية في الرقة، كما تمّ توثيق عمليات محدودة للغاية في مناطق الحكومة، على رأسها عمليتان إرهابيتان في إدلب، وأخرى في تدمر راح ضحيتها أمريكيان ومترجم.
إلى جانب ذلك تحدثت مصادر حقوقيّة، أنّ ما يزيد على 87% من السكان الأصليين للمناطق المحتلة لا يزالون مهجرين قسراً، إلى جانب حالات انتهاكات جسيمة بحق المرأة التي دفعت ضريبةً كبيرةً نتيجة الفلتان الأمنيّ، وكانت حالاتُ الاختطاف السمة الأبرز في مناطق سيطرة الحكومة الانتقاليّة، ففي السويداء إلى جانب المئات، الذين قتلوا على يد القوات الأمنيّة وعناصر متحالفة معها، اُختطفت 295 امرأة، عاد بعضهن، وبقي ما يزيد عن 200 امرأة في عداد المفقودات، بينما في الساحل وإلى جانب المجازر، التي اُرتكبت تم توثيق اختطاف ما يزيد عن 46 امرأة في عداد المفقودات، وهذا مؤشرٌ خطيرٌ يعكس عُمقَ الشرخِ والهشاشة الأمنيّة والفوضى التي تعصف بالبلاد.
هجوم تدمر دليلٌ دامغٌ
لا يمكن اعتبار الهجوم الذي استهدف أفراداً أمريكيين قرب مدينة تدمر على أنّه مجرد حدث أمنيّ، أو عمليّةً إرهابيّة تقليديّة نفذتها بقايا مرتزقة “داعش”، بل يجب التعامل مع هذه العملية كمؤشرٍ سياسيّ وأمنيّ لافتٍ، يولّد سؤالاً جوهريّاً حول تكوينِ الدولة السوريّة الجديدة، وحدود قدرتها أو رغبتها في تفكيكِ البنيةِ المتطرفةِ، التي ما زالت كامنة ومتمددة في أوصالها وخاصة المؤسستان العسكريّة والأمنيّة.
فقد أوقع حادث تدمر الأمنيّ قتلى وجرحى في صفوف الأمريكيين، وتم تنفيذه في منطقةٍ يُفترض، أنّها تحت سيطرة الحكومة الانتقاليّة بل تم تنفيذها من المسافة صفر، ومن قبل شخص منضوٍ في صفوفِ وزارةِ الداخليّة التابعة للحكومة الانتقاليّةِ، وهذا يقود إلى استنتاجٍ جوهريّ بأنّ التطرف اليوم يعتبر نفسه شريكاً في السلطةِ القائمة، لأنه كان وإلى وقتٍ قريبٍ أحد أبرز حوامل هذه السلطة قبل تسلمها مقاليد الحكم.
لذا؛ فمن غير السهل انقلابُ هذه السلطة على نفسها، رغم كلّ الرسائل التي يبعثها رأس الهرم فيها ممثلاً برئيس المرحلة الانتقاليّة أحمد الشرع، وهي أنّهم غيّروا نهجهم وتخلّوا عن تاريخهم المتطرف، وأنّهم منفتحون على السوريين، ولكن هذا لم يكن شفيعاً لا للسوريين ولا للقوات التي اعتبرت هذه السلطة مؤخراً أنّها شريكة في محاربة الإرهاب، وهو الإرهاب نفسه الذي يتغلغل في العقدِ اللمفاويّة للحكومة الناشئة.
من المعلوم بمكان أنّ التطرفَ ابنُ بيئته، حسب مراقبين، ولا يمكن له أن يتحركَ بهذه الأريحيّة بمعزل عن البيئة الحاضنة، أو على الأقل بيئة ذاتِ مرونةٍ تتيحُ له حريةَ الحركة، فتدمر مثلاً تعتبر منطقةَ ضعفٍ تنمويّ، وقد كانت دائماً مسرحاً للعمليات الإرهابيّة بل ومرتكزاً ومنطلقاً للإرهابيين، علاوة على انتقال العديد من مرتزقة داعش إلى هيئة تحرير الشام، قبل سقوط النظام وإبان انكساراته المتلاحقة على يد قوات سوريا الديمقراطيّة، ليكونَ ملف التخلص منهم اليوم خدمةً لبراغماتيّةٍ عاليةٍ تبديها الحكومة الانتقاليّة أمراً ليس باليسير.
واشنطن التي فقدت جنوداً أمريكيين في تدمر اليوم، ورغم الخطاب الذي أطلقه ترامب على مرأى ومسمعٍ من العالم أجمع، وعدم تحميله الحكومةَ الانتقاليّة المسؤوليّة علناً، ولكن في الحقيقة واشنطن لا تضحي بخسائرها بهذه الطريقة، ولا تتعامل بهذه السطحيّة مع هذه الوقائع، وقد تعيد واشنطن بناءً على تجارب ميدانيّة لسنوات طويلة تقييمها للحكومة الانتقاليّة السوريّة، خصوصاً وأنّ من نفّذ العملية كان من ضمن طاقمِ الحراسة القريب من الرئيس الشرع.
الانطباع السائد اليوم هو أن هناك بطئاً أقرب للمراوغة بين الأقوال والأفعال في عملية تطهير الأجهزة المرتبطة بالحكومة الانتقاليّة وضبط الأطراف المسلحة، فالعمليّةُ الإرهابيّةُ حملت رسالة لواشنطن يجب أن تتلقفها من وجهة نظر خبراء بأنّها يجب أن تعيدَ حساباتها في عمليةِ تعويمِ الحكومةِ الانتقاليّة، وهي بهذا الواقع، وأن ترتكز على دعمِ قسد في إقليم شمال وشرق سوريا، وإلا فالسياسة التي يتبعها المجتمع الدوليّ ستضيّع كلّ جهود مكافحة الإرهاب.
مستقبلٌ ضبابيّ
الفلتان الأمنيّ يعمّق المعاناةَ وينعش الإرهابَ، وهو يستمر في مناطق سيطرةِ الحكومة الانتقاليّة، بالتوازي مع تصاعدِ الخطاب التحريضيّ والتجييش الطائفيّ وخروج مسيرات “استفزازيّة” في الساحل، ووقوع جرائم قتلٍ وارتكاب مختلف الانتهاكات في مناطق الساحل والسويداء وجميعها تعكس اتساع حالة التوتر والاضطراب في البلاد.
التدخلات الإقليميّة والدوليّة التي تتقاطع جميعها في صياغةِ بيئةٍ أمنيّةٍ مركّبة على حساب السوريين، وهو ما أدخل الأمن الانتقاليّ في سوريا في عمليةٍ معقّدةٍ، تتجاوز الإجراءات التقنيّة لتطرح أسئلة أعمق حول الشرعيّة، والثقة بين الشعوب، وإمكانيّة بناء مؤسسات جامعة قادرة على الصمود في وجه هذه التهديدات.
الجهاتُ القائمة على إدارةِ المرحلة الحالية، معظمُها مجموعات لم تنخرط في النسيج المجتمعيّ طيلة 14 عاماً فكانت في إدلب والشمال السوريّ المحتل وشكّلت أشبه ما يكون بكيانٍ متطرفٍ يخضعُ للاحتلال التركيّ المباشر، ولم تُبنِ ثقةً متبادلةً مع جميعِ الشعوب، وشهدت إدلب خروجَ الكثير من المظاهرات التي ترفض الواقع القائم وتندد بسياسة “هيئة تحرير الشام” ولجأت الهيئة إلى قمع المظاهرات عبر الاستنفار الأمنيّ ومحاولات محدودة لاحتوائها. وآخر موجة مظاهرات في إدلب ومناطقها بدأت 25/2/2024 واستمرت حتى الجمعة 22/11/2024 أي قبل أيام قليلة من بدء عملية ردع العدوان وجدد المتظاهرون المطالبةَ بتنحّي “الجولاني” وحلَّ جهاز الأمن العام، والإفراج عن المعتقلين، ولذلك، فإنّ ترويج الصورة المثالية لواقع إدلب ليس صحيحاً، وما جرى بعد سقوط البائد، كان محاولةَ تعميمٍ لواقعِ إدلب على مناطقَ سوريّةٍ مختلفةٍ.
إلا أنّ سيطرة الحكومةِ السوريّة الانتقاليّة على أجهزة الأمن ما زال محدوداً، ولم تكتمل بعد عملية دمج سوريا في برنامج وطنيّ موحّد. كما أنّها تعاني عجزاً ماليّاً ونقصاً في الخدمات إضافة لتفشي ظاهرة حيتان المال والمتنفذين في السلطة، وهو ما انعكس سلباً على واقع الخدمات العامة الأساسيّة، ويضعف القدرة على توفير الأمان الاقتصاديّ والاجتماعيّ للمواطنين، وهو عنصر أساسيّ لبناءِ الثقة وتعزيز التماسك نحو مفهوم الأمن الإنسانيّ.
إذا استمرتِ الحكومة في الاعتماد على القوة وحدها لفرض قراراتها على الشعب السوريّ فإنّ ذلك سيكرّس حالة المظلوميّة التي كانت سبباً في انتفاض الشعب السوريّ على حكم بشار الأسد وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى إسقاطه، ويبدو اليوم أنّ السلطة الانتقاليّة تفضل استمرار الاعتمادِ على الخارج وعلى عناصرها المتطرفة، وهو ما أسفر عن فشلٍ في مقاربةِ الأمن الانتقاليّ التي يجب أن ترتكز على الشراكةِ المجتمعيّة وبناء مؤسسات جامعة.
فلا يمكن تحقيق أمان حقيقي ومستدام دون معالجة الانتهاكات ولا يمكن ان يتحقق الأمان مع غياب العدالة الانتقاليّة الذي يولد استمرار الشعور بالظلم، ويغذّي النزعات الانتقاميّة، ويقوّض أي محاولة لبناء سلم أهلي فالمحاسبة وفق القانون وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ليست مطالب حقوقيّة وحسب، بل شروط أساسيّة لإعادة بناء الثقةِ والأمان المجتمعيّ.
إلى جانب الأمان الجسديّ الذي يبرز البعدُ النفسيّ بوصفه عنصراً مهملاً في النقاشِ العام، فقد خلّفت سنواتُ الحرب والقمع صدماتٍ جماعيّةً عميقةً، وجعلتِ الشعورَ بعدم الأمان حالة داخليّة مستدامة حتى في غياب النظام الذي سقط أواخر العام المنصرم وتتطلب معالجة هذا البعد سياسات دعم نفسيّ ومجتمعيّ، وإعادة بناء الفضاء العام على أسس تشاركيّة.
كما أنّه وفي سواد هذا الواقع المرير برزت نقطة مضيئة متمثلة باتفاق العاشر من آذار التي يمكنُ البناءُ عليها للانتقال إلى دولةِ المواطنة، فالشراكة مع قسد تمنح الحكومة الانتقاليّة متنفساً حقيقيّاً من أزماتها المركبة التي تكاد تخنقُ أيّ أفق لها ويمكن أن يضمنَ للسوريين العدالة ويحقق شروط الأمن المستدام على الساحة السوريّة.
تقودُ قسد والإدارة الذاتيّة تجربةً فريدةً على الساحةِ السوريّةِ، وقد منحتهم هذه التجربة الخبرة العالية أمنيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً، وحتى سياسيّاً ضمن أطر وطنيّة حافظت على النسيج المجتمعيّ وأسست مرحلةً يمكن البناء عليها من المشاركة الطوعيّة القائمة على العيش المشترك ومبادئ المواطنة المتساوية لجميع أبناء سوريا بمختلف شعوبهم وبتنوعهم الغني، ودون ذلك يجمع المراقبون للمشهدِ السوريّ أنّ مصير الحكومة الانتقاليّة محكومٌ عليه بالفشل مهما أظهرت خطاباتها من غزلٍ سياسيّ، لا قيمة له عند إسقاطه على الواقع الميدانيّ والمجتمعيّ.
No Result
View All Result