No Result
View All Result
أسعد العبادي
إن فرص تحقيق الوحدة الوطنية في سوريا تحت ظل سياسة الاستئثار والتفرد في الحكم، وتجاهل المطالب المشروعة للشعوب السورية في تحقيق النظام اللامركزي لإدارة البلاد، تبدو تلك الفرص ضعيفة جداً على المدى القريب، ولكنها ممكنة نظرياً على المدى البعيد بشروط معقدة جداً، ولكي نحلل العوامل التي تعيق الوحدة الوطنية المستدامة؛ لابد من استعراض تلك العوامل على النحو التالي:
العوامل التي تعيق الوحدة الوطنية والمتمثلة في الضاغط الإقليمي ومصالح الجوار
ـ التدخلات الإقليمية المتعددة، والمتضاربة: سوريا أصبحت ساحة لصراع بالوكالة.
إيران وحلفاؤها: يسعيان لتعميق النفوذ الاستراتيجي وربط سوريا بمحور المقاومة، ما يعزز انقساماً طائفياً وسياسياً مع فئات أخرى.
تركيا: تحتل مناطق عدة من الشمال وتحارب قوات سوريا الديمقراطية؛ وهذا يخلق واقعاً أمنياً منقسماً ويثير قضية الهوية الكردية باعتبارها قضية شعب، وتاريخ، وثقافة، وليست قضية هامشية.
إسرائيل: تضرب بشكل متكرر أهدافاً إيرانية، وحلفاءها في سوريا، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم ويحد من سيادة الدولة.
الدول الخليجية والعربية: لها مصالح في احتواء النفوذ الإيراني ودعم مجموعات معينة، ما يؤثر على التمويل والمواقف السياسية للأطراف الداخلية.
ـ استخدام الأطراف الداخلية الدعم الخارجي: كثير من المجموعات المسلحة والمرتزقة (الحكومة وما تسمى بالمعارضة بمختلف أشكالها) مرتبطة بتمويل ودعم خارجي، ما يجعل أولوياتها تتأثر بمانحيها أكثر من انطلاقها من حوار وطني خالص.
3 تحويل الصراع من داخلي إلى إقليمي دولي: أصبح حل الأزمة السورية مرتبطاً بحل الخلافات الإقليمية (مثل النزاع السعودي ـ الإيراني، أو العلاقة التركية ـ الأمريكية حول الكرد)، وهذا يجعل الحل السوري رهين تسويات أكبر قد تكون مستحيلة حالياً.
العوامل التي قد تسمح بفرصة للوحدة الوطنية ولو على المدى البعيد
ـ إرهاق جميع الأطراف: بعد أكثر من عقد من الحرب، هناك إرهاق شعبي وجماعي وشبه استنفاذ للموارد. هذا قد يخلق أرضية للقبول بحلول وسطى مهما كانت مرة.
ـ المصالح المشتركة الإقليمية الجديدة: قد تدفع مصالح اقتصادية أو أمنية إقليمية جديدة (مثل إعادة الإعمار، أو مواجهة تهديدات مثل “داعش”، أو أزمات اللاجئين) القوى الإقليمية للتعاون بدلاً من الصراع في سوري.
ـ الدبلوماسية الدولية: أي تفاهم أو اتفاق بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا مثلاً) حول سوريا قد يفرض على الحلفاء الإقليميين اتباع نهج أكثر توافقاً.
ـ قوة الرواية الوطنية السورية: رغم الانقسامات، لا يزال هناك إحساس بالهوية السورية والذاكرة التاريخية المشتركة الذي يمكن البناء عليه إذا أزيلت عوامل الإذكاء الطائفي والإقليمي.
الشروط الضرورية لتحقيق الوحدة
ـ توافق إقليمي ودولي على صيغة سياسية وترتيبات أمنية في سوريا تحفظ الحد الأدنى من مصالح الجميع دون أن تعطي أحداً تفوقاً كاملاً.
ـ إرادة حقيقية لدى النخب السورية؛ لتقديم مصلحة البلد على المصالح الحزبية والطائفية والمصلحة الشخصية.
ـ عملية مصالحة وطنية حقيقية مع آليات عدالة انتقالية معقدة لمعالجة جرائم الحرب والانتهاكات الهائلة من جميع الأطراف.
ـ بداية إعادة إعمار تلمس حياة الأهالي وتوفر حافزاً مادياً للاستقرار.
ان الضاغط الإقليمي يعمل حالياً كمفرق وليس كموحد. فرص الوحدة الوطنية على المدى القريب شبه معدومة في ظل استمرار سوريا كساحة صراع إقليمي. أي تقدم نحوها سيكون تدريجياً وبطيئاً جداً، وربما يبدأ بترتيبات أمنية (هدوء متقطع، مناطق خفض تصعيد دائمة) تليها خطوات سياسية تدريجية تحت ضغط الإرهاق الجماعي.
يبقى الطريق الأكثر واقعية هو الانتقال من “حرب بالوكالة” إلى “تفاهمات إقليمية” حول سوريا، قد تفتح الباب لمزيد من الاستقرار الداخلي الذي تبنى عليه وحدة وطنية قد تستغرق أجيالاً.
No Result
View All Result