No Result
View All Result
رودي تحلو
بعد عمرٍ طويل في دروب الضوء، ترجل المصوّر “كوكو” عن صهوة الشهرة بهدوء، كما يليق برجلٍ عاش عمره كلّه خلف العدسة. برحيله، لا تفقد مدينة قامشلو مصوّرًا فحسب، بل تطوي صفحةً كاملة من ذاكرتها البصرية، وتودّع عينًا كانت ترى الجمال قبل أن نراه نحن.
إنه كريكور كيفوركيان، المعروف بلقب المصوّر كوكو، أول مصوّر أرمني في مدينة قامشلو، وأحد أعمدتها الثقافية غير المعلنة. رجلٌ لم يكتب التاريخ بالكلمات، بل بالصور، وترك للأجيال أرشيفًا صامتًا ينطق بالحياة.
البدايات.. شغف مبكر وطريق شاق
بدأ كوكو رحلته مع التصوير عام 1953، حين التحق بالعمل لدى المصوّر “كرانينك”، أول مصوّر محترف في قامشلو. لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، فقد ترك مقاعد الدراسة مبكرًا ليتفرغ لتعلّم فن التصوير، متدرّبًا لعامين كاملين على يد أستاذه، مكتسبًا أساسيات المهنة بحب وصبر.
لاحقًا، التقى بمحطة مفصلية أخرى في حياته، عندما قدم إلى قامشلو مصوّر محترف من مدينة حلب. وما إن سمع هذا الأخير بموهبة كوكو، حتى استدعاه للعمل معه. كان أجره حينها أربع ليرات سورية شهريًا، مبلغًا متواضعًا، لكنه كان كافيًا ليغذّي حلمًا كبيرًا. استمر كوكو في العمل معه عشر سنوات، حتى بلغ الثامنة عشرة، وقد اكتسب خلالها خبرة واسعة وصقل موهبته الفطرية.
الكاميرا الأولى.. تضحية من أجل الحلم
حين قرر الاستقلال، واجه كوكو أول اختبار حقيقي، دفع 600 ليرة سورية بدلًا عن الخدمة العسكرية، ثم اتخذ خطوة جريئة أخرى. كان والده يمتلك عربة خضار تجرّها دابة، فطلب منه بيعها ليشتري كاميرا. لم يتردد الأب، وباع وسيلة رزقه دعمًا لحلم ابنه.
سافر كوكو إلى حلب، فتعرّف على مصورين نصحوه بالتوجه إلى شارع بارون – محلات أردو. هناك، اشترى كاميرا مع كامل عدّتها، بلغت قيمتها خمسة آلاف ليرة سورية، بينما لم يكن يملك سوى ألف وخمسمائة ليرة. ولإكمال الصفقة، وضع هويته الشخصية رهنًا لدى المحل، في مشهد يلخص حجم إيمانه بمهنته.
من إسطبل إلى استوديو
عاد كوكو إلى قامشلو، وبدأ عمله في غرفة كانت في الأصل إسطبلًا لحصان. رمّمها بيديه، طلى جدرانها، ووضع فيها بعض الكراسي، لتتحول إلى أول استوديو تصوير خاص به. من هذا المكان المتواضع، انطلقت مسيرته الحقيقية، وبدأ اسمه يُعرف بين الناس.
توثيق المدينة والحدث
لم يكن كوكو مصوّر مناسبات عادية فقط، بل كان شاهدًا على محطات تاريخية مهمة. خلال افتتاح مهرجان الحبوب في الحديقة الكبيرة بمدينة قامشلو، افتتح جناحًا خاصًا له، بحضور وزير الدفاع ووزير الزراعة، وكان يصوّر في اليوم الواحد ما يقارب ثلاثين فيلمًا. كما كان من بين المصورين الذين وثّقوا زيارة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس أركان الجيش توفيق نظام الدين إلى المدينة، مسجلًا بعدسته لحظات بقيت في الذاكرة الوطنية.
عدسات الزمن
تنقلت كاميرات كوكو مع تطور الزمن والتقنية. بدأ بكاميرات مثل أكفا كوداك، تيرنايا، وسوليدا، ثم اعتمد طويلًا على الكاميرات الروسية، وعلى رأسها كييف، التي استخدمها ثلاثين عامًا، وكان يصفها بمحبة بأنها “سفينة الصحراء” لما تمتاز به من قوة وتحمل. ومع ظهور التصوير الملوّن، انتقل إلى استخدام كاميرات كانون، بريتيكيا، وسوني.
إرث لا يزول
من أشهر العبارات التي كان يرددها كوكو: «خير على خير». وهي جملة تختصر فلسفته في الحياة والعمل؛ البساطة، والرضا، والإيمان بأن الخير يتكاثر حين يُمنح بإخلاص.
رحل المصوّر كوكو اليوم، بعد مسيرة طويلة من الجدّ والعمل، تاركًا خلفه إرثًا بصريًا لا يُقدّر بثمن، وذاكرةً محفورة في وجوه الناس وشوارع المدينة وأفراحها وأحزانها.
برحيله، تفقد قامشلو أحد حرّاس ذاكرتها، لكن صوره ستبقى، شاهدةً على زمنٍ كان فيه الضوء يُلتقط بالقلب قبل العدسة.
No Result
View All Result