No Result
View All Result
بدرخان نوري
يُمثّل إلغاء الكونغرس الأمريكيّ لعقوبات قيصر ضمن قانون موازنة الدفاع 2026، بالتزامن مع تطبيق بنود اتفاق 10 آذار 2025 بين دمشق وقسد، منعطفاً حاسماً في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد، ويعني توازي مستويين من الانفتاح؛ الأول على الخارج بالتواصل مع العالم، والآخر على الداخل بدمج قوى وطنيّة وشراكتها في إدارة المرحلة الانتقاليّة، وبذلك فالمسألة لا تقتصر على إنهاءِ العزلةِ الاقتصاديّة لسوريا. بل إنّ هذه الخطوات تعززُ الأمنَ والاستقرار الداخليّ وتفتح المجالَ لتدفقِ الاستثماراتِ، إعادة الإعمار، وتوحّد الجغرافية الوطنيّة، وتُعدُّ بدايةً للتعافي الاقتصاديّ والمعيشيّ.
قيصر من الماضي
صوّت مجلس الشيوخ الأمريكيّ في 10/10/2025 لصالح إلغاء “قانون قيصر” ضمن مشروع وزارة الدفاع للعام المالي 2026 الذي تضمّن بنداً لإلغاء “قانون قيصر” للعقوبات على سوريا، ثم أقرَّ مجلس النواب الأمريكيّ في 11/12/2025 مشروع قانون الموازنة، بعد التصويت بأغلبية 312 مقابل 112 صوتاً، لكن المشروع عاد مجدداً إلى مجلس الشيوخ بسبب تعديلات لا علاقة لها بسوريا، وأقرّه الأربعاء بشكلٍ نهائيّ ورفعه للرئيس الأمريكيّ للتوقيع عليه. ما مهّد الطريق لبدء المسار التشريعي لإلغائه نهائياً، والأربعاء 17/12/2025، صوّت مجلس الشيوخ الأمريكيّ بأغلبيّة لصالح النص النهائيّ لقانون الموازنة نفسه.
والخميس 18/12/ 2025؛ صادق الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب على قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي يتضمن موازنة قياسية لوزارة الدفاع تتجاوز 900 مليار دولار، لتكون الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، إضافةً لبنود تنهي العمل بالعقوبات المعروفة باسم “قانون قيصر”.
وينص القانون على إلزام الإدارة الأمريكيّة بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس لمدة أربع سنوات، تتناول تقييم أداء الحكومة السوريّة الانتقالية في مجالات مكافحة الإرهاب، والتصدي لتجارة المخدرات، وضمان حقوق الشعوب والأقليات، إضافةً إلى جهودها في خفض التوتر والسعي إلى السلام مع دول الجوار.
وكان الكونغرس الأمريكيّ قد أقرَّ في كانون الأول عام 2019 “قانون قيصر” لحماية المدنيين ومعاقبة النظام البائد على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيّة بحق الشعب السوريّ، ودخل حيّز التنفيذ في 17 حزيران 2020.
عقوبات قيصر كانت تهدف إلى محاسبة الحكومة السورية وحلفائها روسيا وإيران على جرائمهم. كما كانت تهدف إلى ثني المستثمرين الأجانب عن التعامل مع الحكومة السوريّة، في محاولة لمنع مكافأة جرائم الحرب. وفيما يتصل بالنفط ومصادر الطاقة، نصَّ القانون على فرض عقوبات على كلّ من يعمد إلى توفير السلع أو الخدمات أو التكنولوجيا أو المعلومات أو أيّ دعم من شأنه توسيع الإنتاج المحليّ في مجالات الغاز الطبيعيّ والنفط والمشتقات النفطيّة. كما شمل القانون ردع الأجانب عن عقد الاتفاقات المتعلقة بمسألة إعادة الإعمار. ومثّلتِ العقوبات الأمريكيّة أبرز التحديات التي واجهت الاقتصاد السوريّ، إذ حدّت من حركة الاستثمار والتبادل التجاريّ. ويشكّل رفعها مؤشراً على تحوّل في مقاربةِ المجتمع الدوليّ تجاه سوريا بعد التغيراتِ السياسيّة التي شهدتها.
كما فتح رفع العقوبات عن سوريا باباً أمام أسئلة داخليّة عميقة تتجاوز البُعد الاقتصاديّ، إلى اختبارٍ حقيقيّ لطبيعةِ الإصلاح السياسيّ وإمكان الانتقالِ من إدارةِ الأزمة إلى بناء سوريا مستقرةٍ قائمةٍ على المشاركة.
لا يمكن قراءة قانون الدفاع الوطنيّ الأمريكيّ على أنّه مجردُ إجراءٍ تشريعيّ لإلغاء عقوبات، بل هو نتاجُ حصيلةٍ تاريخيّةٍ متراكمة للسياسة الخارجيّة الأمريكيّة، وتعكسُ متغيراً واضحاً في آلياتِ الضغط، وتحولاً من استراتيجية “معاقبة الشعوب” والتدمير الكليّ للاقتصادِ، إلى استراتيجيّة “معاقبة الأفراد” عبر المراقبة. فاستبدل عقوبات قيصر الجماعيّة بمنظومة آلياتِ المراقبة والمتابعة.
2026 بداية جديدة لقسد
لا يقتصر اتفاق 10 آذار الموقع بيّن رئيس السلطة الانتقاليّة أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطيّة مظلوم عبدي، على البعد العسكريّ والأمنيّ ولا حتى الإداريّ، بل يتعداه ضمنيّاً إلى صياغةِ توافقٍ سياسيّ وإداريّ عام، بما يُسهم في توحيد المواردِ والاقتصاد الوطنيّ. وبالتالي فهو مختلفٌ عن عمليةِ الدمج وفق النموذج الذي أعلنته المجموعات المسلحة المختلفة، والتي اقتصر على مجردِ تغيير في الشكلّ والاسم فيما بقيت الارتباطاتُ والعلاقةُ على حالها، ذلك لأنّ قواتِ سوريا الديمقراطيّة تجسّدُ مشروعَ حلٍّ سياسيّ متكاملٍ، وهي في تركيبتها وأسلوب عملها تجسّدُ كلَّ الشعاراتِ والعناوين التي تطرحها واقعاً عمليّاً، وتضم في صفوفها سوريين من خلفيات إثنيّة وعرقيّة ودينيّة مختلفة.
وإذا كان الوجود العسكريّ الفعليّ لهذه القوات يقتصر على مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، فإنّ حاضنتها الشعبيّة باتت اليوم تشمل مناطق مختلفة في سوريا، وأضحت معقد آمال السوريين، وهذه القضية تتجاوز آراء الأفراد والمواقف الشخصيّة، بالنظر إلى ما ساد البلاد من توجهاتٍ فكريّة أحاديّة وما وقع من أحداث دمويّة وفوضى أمنيّة في العديد من المناطق.
والحقيقة أنّ تنفيذ مضمون الاتفاق يعني انفتاح سلطة دمشق على كامل الداخل السوريّ، وهذا ما من شأنه أن يعزز وحدة البلاد ويخفف من حدة الاحتقانات التي سادت المشهد السوريّ من خلال خطاب الكراهيّة والتهديد والوعيد، كما أنّ تنفيذ الاتفاق يجنبَ البلادَ تداعياتِ صراعٍ مسلح محتملٍ لطالما سعت إليه أنقرة عبر تعطيل تنفيذ الاتفاق وتفجير الوضع على خطوط التماس مع قوات سوريا الديمقراطيّة في العديدِ من المواقع. بل أنّ كثيرين قلبوا الساعة الرمليّة وبدأوا العد العكسيّ بانتظار انتهاء العام الحالي. فيما بقي الموقف هادئاً في شمال وشرق سوريا في تأكيد على الثوابت المعلنة والمتوافقة مع مضمون اتفاق آذار.
في موقفٍ حاسمٍ قال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطيّة: “أريد أن أقولَ إنَ نهاية هذا العام بالنسبة لنا هي بداية وليست نهاية. وهناك بعض الأشخاص، وبالأخص الأعداء، يقولون إنّ قضية شمال وشرق سوريا وقسد ستنتهي مع نهاية العام، لأنّ اتفاق 10 آذار ينتهي مع نهاية السنة”، وأضاف عبدي: “أريد التأكيد أنّ 2026 سيكون بالنسبة لنا بداية جديدة، وسننجز خلاله قضايا مهمة تخدم شعبنا وتثبت حضورنا”
وأشار إلى وجود مجموعات ضمن وزارة الدفاع السوريّة ذات خلفيّة متطرفة وأنّ هؤلاء مطالبون بتغيير عقليتهم للمشاركة مع قسد في بناء الجيش وقبولهم من قبل القوى الدوليّة.
الحقيقة أنّ قسد لم تكن في لحظة ارتجال سياسيّة عندما وقّعت اتفاق آذار، وهي تدرك أنّ مساحات الاختلاف مع الطرف الآخر، إلا أنّ ذلك لا يتعارض مع إيمانها بتعددية سوريا والاختلافات فيها، وهذا صلب مشروعها السياسيّ بإقامة نظامٍ تعدديّ لا مركزيّ، وبذلك تعكس تصريحات القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ثقةَ هذه القوات بمواصلةِ مسارها السياسيّ والأمنيّ، وتؤكّد استمرارَ المشاريع والخطط في شمالِ وشرق سوريا.
بريطانيا تعاقب متورطين بالعنف في سوريا
وفيما أعلنت واشنطن إلغاء عقوبات قيصر عن سوريا، أعلنت المملكة المتحدة، الجمعة 19/12/2025، فرض حزمة جديدة من العقوبات استهدفت أفراداً ومنظماتٍ متورطةً في أعمالِ عنفٍ وانتهاكاتٍ جسيمةٍ بحق المدنيين في مختلف المناطق السوريّة، في إطار مساعيها المستمرة لملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوريّ.
وتشمل العقوبات المفروضة تجميد الأصول وحظر السفر والاستبعاد من تولي المناصب الإداريّة، وفرضت بحق المدعو محمد الجاسم (أبو عمشة) متزعم مرتزقة “سليمان شاه/ العمشات”، والمدعو سيف بولاد متزعم مرتزقة “الحمزة”، كما شملت العقوبات ثلاث مجموعات مسلحة هي: مرتزقة “السلطان مراد”، و”سليمان شاه”، و”الحمزة”، وقد فُرض عليها تجميد كامل للأصول، وهذه المجموعات تحظى بدعمٍ استثنائيّ من أنقرة وشاركت في القتال وفق الأجندة التركيّة في احتلال مناطق سوريّة وكذلك في ليبيا وأذربيجان، كما ارتكبت الكثير من الانتهاكات في المناطق الخاضعة للاحتلال التركيّ وبخاصة ضد المواطنين الكرد في عفرين وسري كانيه.
كما طالتِ العقوباتُ المدعو غيث دلا، القائد العسكري السابق في النظام وقائد مجموعة موالية له، والمدعو مقداد فاتحة، القائد العسكري السابق وقائد مجموعة مسلحة موالية للنظام، إضافةً إلى رجلَي الأعمال السوريّين ـ الروسيين مدلل خوري وعماد خوري، اللذين وُجهت إليهما اتهامات بالمساهمة بتمويل أنشطة نظام الأسد السابق.
وقد وردت هذه الأسماء في وثيقةٍ صادرةٍ عن مكتب تنفيذ العقوبات المالية في وزارة الخزانة البريطانيّة (OFSI)، مرفقةً بسببِ الإدراج على قائمة العقوبات، ومرجعية كلّ اسم مدخل ضمن القائمة.
وفي تعليقها على القرار، قالت وزيرة الخارجية إيفيت كوبر: “إن المملكة المتحدة، وبعد أكثر من عام على تحرير سوريا من “النظام الأسديّ الوحشيّ”، لا تزال تقف إلى جانب الشعب السوريّ وتساند مسار الانتقال السياسيّ الشامل”. وأضافت أنّ “العدالة والمساءلة تشكلان ركناً أساسيّاً لأيّ تسويةٍ سياسيّةٍ مستدامة”، مؤكدةً إنّ العقوبات الجديدة توجّه رسالةً واضحة لكلّ من يسعى إلى تقويضِ مستقبل سوريا السلميّ، وأكّدت الحكومة البريطانيّة إنّ هذه الإجراءات تأتي ضمن التزامها الدائم بتحقيق المساءلة عن الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، سواء من قبل النظام السابق أو من جهات أخرى.
وجددت لندن تأكيدها الالتزامَ بدعم إعادةِ إعمار سوريا وإنعاش اقتصادها، مشيرةً إلى أنّها كانت قد عدّلت في 24 نيسان الماضي لوائح العقوبات المفروضة على سوريا، وألغت قيوداً عن قطاعاتٍ حيويّة مثل المالية والتجارة والطاقة، بهدف تسهيل الاستثمار الضروريّ وتعزيز الاستقرار الإقليميّ. وتوضح الحكومة البريطانيّة أنَّ تجميدَ الأصول يمنع أيَّ تعاملٍ ماليّ مع الأشخاص أو الكيانات المدرجة على لوائح العقوبات، بينما يقضي حظر السفر بمنعِ دخولهم أو إقامتهم في المملكة المتحدة، إضافةً لاستبعادهم من تولّي مناصبَ إداريّةٍ في الشركاتِ المرتبطة بها.
التعافي الحقيقيّ يبدأ بالمحاسبة الشاملة
وفي تأكيد على أنّ سوريا تحت المجهر الدوليّ وتُراقب فيها الأوضاع عن كثبٍ قالت الأمم المتحدة إنّ الوضع في سوريا لا يزال هشّاً بفعل توترات طائفيّة وخطابات كراهية وتضليل، وتقارير عن إعدامات وخطف، وتوترات عسكريّة داخليّة وغارات خارجيّة، وتهديدات الإرهاب، ويقتضي من الحكومة الانتقاليّة تعزيز الشفافيّة والمساءلة والمصالحة الوطنيّة، وحماية التعايش.
قالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو إنّ الشعبَ السوريّ يواصل التأكيد على “إيمانه الراسخ بالسلام والاستقرار والازدهار والعدالة”، بعد مضي عام على سقوط النظام البعثي، مضيفةً أنّ الآمال والتوقعات عالية، “والتحديات المقبلة جسيمة”. وجاء ذلك في كلمة ألقتها روزماري أمام مجلس الأمن الدوليّ الخميس 18/12/2025 للاستماع إلى البعثة التي عادت من سوريا.
وأفادت روزماري، بأنّ السوريين عادوا إلى ديارهم بأعداد كبيرة، بمن فيهم أكثر من مليون لاجئ وما نحو مليوني نازح داخليّاً، وقد رفعت العديد من الدول العقوبات الثنائية المفروضة على سوريا، بما في ذلك إلغاء الكونغرس الأمريكيّ لقانون قيصر.
وقالت روزماري ديكارلو، إن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يبدأ إلا من خلال محاسبة شاملة على الماضي، بما في ذلك معالجة مصير المفقودين، وضمان المساءلة عن الفظائع، “ومواجهة أهوال الحرب دون أيّ مساومة”. وأضافت أن الحوار الشامل بين جميع مكونات المجتمع السوريّ، والمصالحة الوطنيّة الحقيقيّة، ورفع العقوبات، والدعم الدولي المستمر، ستكون ضرورية لأمن سوريا والمنطقة، فضلاً عن استعادة ثقة المستثمرين ووضع الأساس لإعادة إعمار البلاد.
لعلّ رفع العقوباتِ يعني نهاية أحدَ أهم الآثار السلبيّة لتركةِ النظام البائد، ولكنه بالوقت نفسه بداية اختبار حقيقيّ لإمكانيّة ترجمة الانفتاح الدوليّ والانفراج السياسيّ إلى نهضةٍ وطنيّةٍ شاملة. وبذلك تتطلب المرحلة القادمة رؤية استراتيجيّة قوامها المبادرة بما يتيح انتقال سوريا من ميدانٍ اشتباكٍ مسلّح لأطراف خارجيّة وتحويلها إلى دولةٍ فاعلة ومنتجةٍ. والأمر يتطلب مراجعة شاملة للسياسات والأولويات، وفتح المجال أمام النقد البنّاء والإعلام الحر والشراكة السياسيّة، فالديمقراطية والشفافيّة تشكلان ضمانة للاستقرار وبناء الثقة، وليستا ترفاً سياسيّاً.
No Result
View All Result