No Result
View All Result
الحسكة/ رغد محمد – عام 2025 الذي شهد منذ بداياته أحداثاً بارزة ونقاط تحول دراماتيكية بعد سقوط النظام السابق، لم يغير واقع المرأة السورية، بل زادها تعمقاً، رغم أنّها لعبت دوراً محورياً في مختلف المراحل التي مرت بها سوريا، لكنها قوبلت ولا تزال بحالة من نكران الواقع ومحاولات الهيمنة بسبب الأنظمة التي تعاقبت على الحكم. لكنها؛ ورغم ذلك استطاعت وضع بصمة في تاريخ سوريا، وعلى وجه الخصوص بعد النجاحات، التي حققتها نساء شمال وشرق سوريا اللاتي قدن ثورة المرأة بكل عزيمة وإصرار.
في سوريا عموماً، باتت النساء بين واقعين متناقضين تماماً، ففي شمال وشرق سوريا تلعب المرأة دوراً ريادياً مهماً، قادت وانتصرت وحصدت ثمار نضالها، لا سيما في السياق السياسي والإداري وحتى العسكري، وعلى الجانب الأخر تعيش النساء في المناطق السورية الأخرى في بيئات صعبة ومضطربة، نتيجة للصراعات المستمرة والأيديولوجيات السائدة التي تتحكم اليوم في مصير البلاد، لتبقى المرأة تراوح مكانها وتخوض صراعاتٍ وجودية ما بين الإقصاء والإلغاء والتهميش والهيمنة الذكورية على مسار حياتها بمختلف المجالات.
عامٌ مليء بالانتهاكات
اليوم وفي ظل سيطرة هيئة تحرير الشام على زمام الأمور في سوريا، يبدو أنّ المجتمع السوري غافل عن ركن أساسي من أركان الحقوق والحريات التي ناضل لأجلها السوريون عموماً والمرأة السورية خصوصاً، التي وجدت نفسها أمام واقع يزداد فيه القمع وتغيب فيه أي بوادر حقيقية للتغيير، ولم يعد صوتها غير مسموع وحسب -بل بات صوتها بعرف من هيمن على المشهد “عورة”-فلم يتحقق لها ما يليق بتضحياتها طيلة سنوات الأزمة، وكأن التاريخ يعيد نفسه ليدور في حلقة مفرغة من المعاناة والقهر.
فما بين الأمل والخوف، والتحدي واليأس، ما زالت المرأة السورية تبحث عن ذاتها في خضم واقعٍ مأساويٍ في تفاصيله، تتحكم به أدوات الاستبداد والإقصاء، لكن ورغم ذلك يصر معظمهن على أنّ إرادتهن أقوى من أي حكم، وأكثر إصراراً من أي مهيمن مستبد.
الأرقام والإحصائيات مفزعة، فمنذ اللحظات الأولى من سيطرة هيئة تحرير الشام، بقي معدل الجرائم والانتهاكات في تزايد مستمر. حيث تشير معظم الأرقام الصادرة عن جهات حقوقية أنّه وخلال الشهر الأول من العام 2025 قتلت 146 امرأة و53 طفلاً، وفي شباط قتلت 46 امرأة، وفي شهر آذار قتلت 144إمرأة.
الهجمات الشرسة التي طالت الساحل السوري زادت من إحصائيات الجرائم وتنوعت بين القتل والتهجير، ففي نيسان قتلت 40 امرأة، وفي أيار قتلت 19 امرأة، وفي حزيران قتلت 31 امرأة، وفي تموز قتلت 89 امرأة.
أما في آب قتلت 80 امرأة، وفي أيلول قتلت 20 امرأة، وفي تشرين الأول قتلت 18 امرأة، وفي تشرين الثاني قتلت 20 امرأة، جل هذه النساء قتلن في عمليات الإعدام الميداني، حسب تقرير وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد بلغت حالات القتل على الهوية نحو 3071 حالة قتل، بينها 296 حالة قتل طالت النساء، أغلبها وقعت خلال أحداث الساحل.
إقصاء اجتماعي وسياسي ممنهج
وعلى المستوى الاجتماعي لعبت المرأة دوراً حيوياً مباشراً في تأمين العائلة، والحفاظ على سلامتها، ففي السويداء على سبيل المثال أدى انهيار مؤسسات الدولة وزيادة الهجرة بين الرجال وقتل معظمهم على أساسٍ طائفي في الأحداث الأخيرة، كما ساهم الحصار في وضع معظمهم بخانة البطالة وأرغم البعض الآخر على حمل السلاح، كل هذا عزز من الدور البارز للمرأة الدرزية، فقد تولت كثير من النساء إدارة الأراضي الزراعية، ومتابعة شؤون الأسرة والعمل في أنشطة كانت لسنواتٍ طويلة من اختصاص الرجل، ولا يسمح لهن بأن يخضن فيها، لكن المرأة لم تثنها الظروف وسارعت لسد الفجوات حفاظاً على المجتمع والأسرة من الانهيار.
ومع كل ذلك ظلّ الخوف من التغيير السريع عاملاً كابحاً لتطور دور المرأة، وتصحيح مسار ترسبات التاريخ التي سلبت المرأة معظم أدوارها؛ لأنّ المجتمع الحديث لم يعتد رؤية المرأة في مواقع القيادة المجتمعية فبقي تمكينها يجري عبر المبادرات وليس عبر مؤسسات رسمية، وهو ما جعل الحضور النسوي في الحياة السياسية ضعيفاً رغم مشاركته القوية في الفضاء الاجتماعي.
لم يترافق سقوط النظام البعثي مع إصلاح قانوني جذري يكرّس المساواة، بل بقيت القوانين ذات الطابع المحافظ المؤثّر على وضع المرأة، مثل قوانين الأحوال الشخصية، والعمل، والتمثيل السياسي على حالها أو عُدِّلت تعديلات طفيفة لا تمسّ جوهرها، ونتيجة غياب نصوص ملزمة لكوتا نسائية أو ضمانات مشاركة، أصبحت مشاركة المرأة رهينة “مزاج” القوى السياسية المحلية وليس التزاماً قانونياً.
على الرغم من وجود نساء مؤهلات في القانون والاقتصاد والإدارة العامة، لم تُستثمر خبراتهن في عمليات التخطيط المؤسسي، وغالباً ما يجري تفضيل رجال أقل خبرة لكنهم ينتمون إلى شبكات اجتماعية أو علاقات حزبية أو عسكرية، وهذا التفضيل القائم على الولاء بدلاً من الكفاءة جعل المرأة خارج دائرة صناعة القرار حتى في المجالات التقنية التي تمتلك فيها خبرة واضحة.
المناخ الاجتماعي المحافظ في عدة مناطق سورية، بعد سقوط النظام السابق لعب دوراً إضافياً في تضييق مشاركة النساء، فالتهديدات الأمنية واللغة المتشددة تجاه خروج المرأة للعمل العام، وغياب الحماية القانونية ضد التحرش والتمييز، جعلت كثيرات يبتعدن عن المشاركة السياسية والإدارية، ليس بسبب غياب الرغبة، بل لانعدام البيئة الآمنة والحاضنة.
إنّ قراءة تجربة المرأة في مؤسسات الدولة السورية بعد سقوط النظام تكشف أنّ التغيير السياسي لم ينجح في تفكيك البنى الذكورية العميقة فالمرأة بقيت خارج دوائر التأثير الأساسية، بينما استمرت هياكل السلطة الجديدة في تكرار النهج القديم نفسه، وربما أكثر تضييقاً مع فارق الشكل فقط، وبذلك يبدو أن سقوط النظام البعثي لم يؤسس تلقائياً لمرحلة أكثر عدلاً بل كشف هشاشة التغيير ما لم يُدعَم بقوانين ضامنة وإرادة سياسية حقيقية وإصلاح ثقافي واجتماعي طويل الأمد.
فعلى سبيل المثال تم الإعلان عن نتائج ما سمي انتخابات مجلس الشعب، الذي طغى عليه طابع التعيينات في السادس من تشرين الأول 2025 حيث ضم 119 ممثلاً وممثلة عن 49 دائرة انتخابية، مع استبعاد كل من السويداء والحسكة والرقة. لكن؛ ورغم غياب الشرعية الشعبية وتشكيك الكثيرين في آلية التعيين وتسميتها زوراً بالانتخابات، اللافت هو الإعلان عن فوز ست نساء فقط من أصل 1578 مشاركاً ومشاركة في هذه الآلية.
فلم يكن من المفاجئ نسب التمثيل المتدنية جداً للنساء، والتي بلغت 4% وهي النسبة التي تساوت مع ذوي الاحتياجات الخاصة، ومصابي الحرب حيث تم تبريرها بأنّ هذا يعكس الواقع الاجتماعي السائد في سوريا، وأنّ الاعتماد الآن كما يروج البعض سيكون على الثلث الأخير، الذي يعينه رئيس الحكومة السورية الانتقالية “أحمد الشرع” لترميم القصور في نسب التمثيل النسوي.
وفي قراءة أولية للنتائج تبدو نسبة تمثيل النساء في المجلس الجديد أقل من أي فترة سابقة، حتى تلك التي كانت في عهد النظام السابق، والتي تراوحت بين 10% و13% فالمرأة السورية، التي حصلت على حق التصويت عام 1949 وحق الترشح عام 1953 عندما ترشحت “ثريا الحافظ” وأخريات، وتجاوزت العوائق السياسية والاجتماعية لتواجدها من خلال حصة نسائية تم فرضها عام 1958 في مجلس الأمة المشترك فتواجدت النساء لأول مرة ممثلات بـ “جيهان الموصللي” من دمشق، و”وداد الأزهري” من اللاذقية في مجلس الأمة إبان الوحدة مع مصر وهذا مؤشر خطير ويبعث برسائل مقلقة.
نساء شمال وشرق سوريا.. بارقة أمل
في حين تواجه المرأة السورية تحديات مرتبطة بالبنى الاجتماعية المحافظة أو المتشددة، وما خلفته عليها السلطة الحالية في دمشق من ترسباتٍ وإقصاءٍ ممنهج، تسير المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا في اتجاه مختلف تماماً، إذ شكّل العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية نقطة تحول حقيقية في تاريخ المشاركة النسوية في المنطقة على مختلف الصعد التشريعية والتنفيذية والقضائية، فالنظام القائم في المنطقة اعتمد منذ بداياته مبدأ التمثيل المتساوي، وتمثيل وجود المرأة كشريك في صناعة القرار عبر نظام الرئاسة المشتركة، الذي يطبق في المؤسسات.
ويعدُّ هذا المثال الحي، الذي ينم عن العدل والمساواة والذي يخلق الأمل لدى باقي النساء السوريات، حيث أنّ نظام الرئاسة المشتركة يضمن أن تكون نسبة تمثيل المرأة في المجالس والهيئات لا تقل عن 50%، وهذا النموذج بات مثالاً يحتذى به لجميع النساء حول العالم، لأن التجربة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها من أبرز التجارب الناجحة، التي يُستند إليها في النقاش حول مستقبل المرأة بشكل عام، والمرأة السورية خصوصاً.
ففي مدن وبلدات شمال وشرق سوريا حيث تتواجد المرأة الكردية والعربية والسريانية بصف واحد وجنباً إلى جنب، هذه اللوحة الفسيفسائية تشكلت في ظل الإدارة الذاتية، وهنا أصبحت المرأة جزءاً طبيعياً من المشهد العسكري والسياسي والمدني، فقد ظهرت وحدات حماية المرأة كرمز عالمي، وأسهمت في تغيير صورة المرأة المقاتلة، التي تحارب التطرف وتدافع عن مجتمعها، وهو ما انعكس بدوره على الحياة المدنية.
وتشغل النساء مناصب في البلديات، ومجالس العدالة، وهيئات الاقتصاد، ومؤسسات التعليم، وجاء العقد الاجتماعي لتدون النساء حقوقهن قانونياً لحماية حقوقهن في الإرث والعائلة والعمل، وتمنع من خلاله تزويج القاصرات، وتوفر آليات واضحة لمعالجة العنف الأسري عبر مؤسسات وتنظيمات تدافع عن حقوق المرأة.
ومع أنّ التجربة في شمال وشرق سوريا واجهت تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية، فإنّها بقيت الأكثر وضوحاً في توفير نموذج مؤسسي لحقوق المرأة، في حين تفتقد المناطق الأخرى لنظام قانوني جامع بسبب الانقسام السياسي وما تحمله منظومات المجتمع من إرث ثقيل على المرأة الحرة. كما وأنتجت النساء في مناطق شمال وشرق سوريا قصص نجاح لنساء كنّ خارج أي ساحة من ساحات حقوقهن المشروعة في السابق، ونتيجة ذلك ظهرت طبقة نسوية قيادية جديدة، حضرت في الإعلام والسياسة والإدارة، ما جعل التجربة النسوية في شمال وشرق سوريا إحدى أهم تجارب المنطقة.
النضال النسوي مخرج للأزمة
وعلى الرغم من اختلاف الظروف بين النساء السوريات، فإنّ القاسم المشترك بينهن هو محاولة إعادة تعريف الذات بعد انهيار دولة كانت تفرض أدوارا محددة وفق منظومة سلطوية، وتستخدم المرأة أحياناً كصورة تجميلية دون تمكين حقيقي، فسقوط النظام القمعي وتولي هيئة تحرير الشام التي تسيطر بإيديولوجية تقصي دور المرأة وتعمل على كتم صوتها في المجلات كافة فاقم المعاناة النسوية على كل الصعد.
وهو ما دفع المرأة السورية لأن تقف بين خيارين إما الاستسلام للفوضى، أو السعي لخلق دور جديد، وقد اختارت الكثيرات الطريق الثاني، ففي دمشق وريفها وحمص وحماة ودرعا، ظهرت مبادرات نسوية داخل الأحياء لإعادة التعليم، وتشغيل مكتبات صغيرة، ومراكز تدريب مهني، وصحافة محلية نسائية، ومشاريع نساء يعملن من المنزل، إضافة إلى محاولات للترشح ضمن المجالس المحلية الناشئة رغم كل المعوقات، التي توضع في طريقهن وعلى رأس هذه المعوقات غياب ضمانات الحماية وتهديدات السلاح، الأمر الذي يجعل الوجود النسوي هشاً لكنه قائم.
فمعظم الشهادات الميدانية تفيد أنّ المرأة السورية اليوم لم تعد كما كانت قبل سقوط النظام، ليس لأنها حصلت على حقوق دستورية أو قانونية في عموم البلاد، بل لأنها باتت أكثر قدرة على التعبير رغم القيود خاصة بعد اطلاعها المباشر وغير المباشر على تجربة النساء بشمال وشرق سوريا؛ تلك النساء اللواتي نفضن غبار النظرة الدونية، وبنين مستقبلاً تقوده المرأة بجميع المجالات.
وفي المقابل ما زالت التحديات ضخمة، وهو ما يعقد المشهد أكثر على الأرض، فالظروف القاسية اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً إضافة إلى بقاء العقلية الذكورية في كثير من المجتمعات، وتنامي النزعات المحافظة في بعض المناطق نتيجة ردود الفعل تجاه الطائفية والمذهبية والقومية لكن بالإصرار والعزيمة والنضال يمكن للمرأة أن تغير هذا الواقع.
فمن خلال نضال المرأة العلوية والدرزية واللواتي هن مثال بارز على مقاومة المرأة في تلك المناطق، لا زلن يحاولن جاهدات تجاوز صدمة الحرب وإعادة بناء ذاتهن خارج الهيمنة السائدة في سوريا، والتي تتمثل عناوينها بالإقصاء والتغييب عن مراكز صنع القرار، وهنا بدأن في اكتشاف قدرتهن على الحضور في الفضاء العام سعياً لضمان شراكة متكافئة لخلق فرصٍ ومساحات جديدة في الحياة العامة.
إنّ مستقبل المرأة السورية مرهون اليوم بشيئين، قدرة المجتمعات المحلية على قبول التحول التدريجي في الأدوار، وقدرة المؤسسات الناشئة على إنتاج قوانين عادلة وحامية، وبين هذين الطريقين تتشكل ملامح مرحلة جديدة تشبه السعي الطويل نحو الحرية، والتمثيل الحقيق والفعلي للمرأة بالمجالات كافة.
فالنساء السوريات يمثلن اليوم إحدى أقوى القوى المجتمعية في صياغة سوريا الجديدة، لقد تحوّلت المرأة من عنصر صامت في قصة طويلة من الاستبداد إلى فاعل رئيسي في إعادة رسم المشهد رغم كل شيء، وهذه ربما هي البداية الحقيقية لسوريا مختلفة، وهذا ما تعمل عليه التنظيمات النسوية والمبادرات المحلية خصوصاً في شمال وشرق سوريا وذلك بالمساندة الداعمة لنيل المرأة السورية حقوقها.
وبما أن المعيار الأساسي لحرية أي مجتمع يقاس بمدى حرية المرأة، فلا يمكننا أن نقول عن سوريا قد تحررت إلا بعد أن تتحرر النساء ويكون لهن كلمتهن وقرارهن، وأن يشاركن بشكل فعلي وفعال في رسم مستقبل سوريا؛ لأن المرأة على مر التاريخ كانت رائدة الحضارة وعنوان السلام الحقيقي والمستدام، ولطالما كانت رأس الحربة في مواجهة الظلم والاستبداد وناضلت عبر التاريخ لتحقيق الأمن والاستقرار.
No Result
View All Result