No Result
View All Result
محمد عيسى
في قلب البادية السورية، تتقاطع الجغرافيا القاسية مع تاريخٍ مثقلٍ بالحروب والانكسارات، عادت تدمر لتفرض نفسها بوصفها عقدةً أمنية وسياسية تختبر مآلات المرحلة السورية الجديدة. ليست المدينة الأثرية مجرّد موقعٍ رمزي؛ إنها مرآة للصراع على الدولة، وعلى معنى الشراكة الدولية في محاربة الإرهاب، وعلى من يمتلك الشرعية الميدانية والخبرة المتراكمة في مواجهة مجموعات أثبتت، مراراً، قدرتها على التسلّل والضرب من الداخل. هجوم الثالث عشر من كانون الأول، الذي استهدف اجتماعاً مشتركاً لمسؤولين من قيادة الأمن السوري مع وفد من قوات التحالف الدولي في البادية، لم يكن حادثاً أمنياً معزولاً؛ بل لحظة كاشفة لحدود الجاهزية، ولمفارقات التحالفات، وللدور المحوري الذي لعبته قوات سوريا الديمقراطية في معركة ممتدة منذ أكثر من عقد ضد مرتزقة «داعش».
تدمر عقدة الجغرافيا والذاكرة الدامية
حين اجتاحت مرتزقة داعش تدمر في أيار 2015، كانت تسعى إلى ما هو أبعد من السيطرة على مدينةٍ في عمق البادية. أرادت تثبيت نموذج الرعب، وتفكيك الرموز، وتوجيه رسالة إلى العالم عبر تفجير المعابد التاريخية وتنفيذ الإعدامات العلنية. بين 2015 و2016، دمّرت المرتزقة معالم أثرية تعود لآلاف السنين، وأعدمت مدنيين وعسكريين، قبل أن تخسر المدينة تباعاً أمام هجمات مضادة قادتها القوات الحكومية بدعم روسي، ثم أمام ضربات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. بحلول آذار 2019، انهارت السيطرة الإقليمية الواسعة للمرتزقة بعد سقوط آخر جيوبه في الباغوز على يد قوات سوريا الديمقراطية في 2019، لكن الهزيمة لم تكن نهاية الحرب؛ إذ تحوّلت «داعش» إلى خلايا متنقلة تستثمر اتساع البادية وصعوبة ضبطها. الأرقام في تلك المرحلة كانت واضحة: آلاف الغارات الجوية، ومئات العمليات البرية، ومخزون بشري من العناصر الفارين نحو الصحراء. وبينما أُعلنت الهزيمة العسكرية، بقي التحدي الأمني قائماً، مع تسجيل عشرات الهجمات المتفرقة سنوياً في محيط تدمر ودير الزور وحمص الشرقي. كانت البادية مساحة اختبار للقدرة على الإمساك بالأرض، لا على إعلان النصر فقط.
دمشق على خط التحالف الدولي
العام الجاري لم يكن مجرّد محطة سياسية عابرة في المسار السوري، بل شكّل منعطفاً حاداً كشف هشاشة البنية التي قامت عليها المرحلة الانتقالية منذ سقوط نظام بشار الأسد. زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن الشهر الماضي، وما رافقها من إعلان رسمي لانضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد «داعش»، قُدّمت بوصفها اختراقاً دبلوماسياً كبيراً وخروجاً من عزلة استمرت سنوات. في الكواليس، جرى الترويج للخطوة على أنها انتقال استراتيجي نحو «محور غربي» جديد، يفتح الباب أمام الدعم السياسي والأمني والاقتصادي، ويمنح الحكومة الانتقالية شرعية دولية طال انتظارها. غير أن هذه الصورة اللامعة سرعان ما اصطدمت بواقع مختلف تماماً؛ لأن السياسة في سوريا لا تُقاس بحجم الاستقبالات الرسمية ولا بعدد البيانات المشتركة، بل بمدى القدرة على ضبط الأرض ومنع الانفجار من الداخل.
بعد أسابيع قليلة فقط من ذلك الإعلان، جاء هجوم تدمر ليقلب المشهد رأساً على عقب. اجتماع أمني مشترك، يفترض أنه خُصص لوضع خطط مواجهة خلايا «داعش» في البادية، تحوّل إلى مسرح دموي أُطلقت فيه النار من داخل المنظومة الأمنية نفسها. الرواية الرسمية لوزارة الداخلية السورية، التي تحدثت عن «تسلّل» عنصر يحمل أفكاراً تكفيرية، لم تُخفِ حجم الفشل بقدر ما سلّطت الضوء عليه. فالتقييم الأمني الصادر بحق المنفذ في العاشر من كانون الأول، والذي حذّر من تطرفه، لم يمنعه من البقاء في موقعه المسلح حتى الثالث عشر من الشهر نفسه، أي يوم تنفيذ الهجوم. ثلاثة أيام فقط تفصل بين التشخيص والكارثة، لكنها كانت كافية لكشف خلل بنيوي عميق في أجهزة أُعيد تشكيلها بسرعة، من دون تدقيق كافٍ أو آليات صارمة للرقابة والمساءلة.
هذا الحدث لم يكن مجرد «اختراق أمني» كما حاولت الحكومة الانتقالية تصويره، بل دليل إضافي على عجزها عن إدارة ملف بالغ الحساسية مثل مكافحة الإرهاب. فالتسرّع في ضم آلاف العناصر إلى الجيش والأمن، بدافع ملء الفراغ واستعراض السيطرة، جرى على حساب الفحص الأيديولوجي والمهني، ما حوّل بعض المؤسسات إلى بيئات رخوة قابلة للاختراق. والأخطر أن الهجوم وقع في لحظة سياسية دقيقة، كان يفترض أن تُظهر فيها دمشق نفسها كشريك موثوق للتحالف الدولي، فإذا بها تقدّم دليلاً عملياً على العكس تماماً: دولة لم تحسم بعد ولاء مؤسساتها، ولا تملك السيطرة الكاملة على أدواتها الأمنية، وتراهن على الخطاب السياسي لتعويض ضعفها الميداني.
الأسئلة التي فجّرها الهجوم تجاوزت هوية المنفّذ. هل نحن أمام خلية نائمة تمكّنت من اختراق جهاز أمني حديث التشكيل؟ أم ردّ فعل فردي على تحوّلات أيديولوجية داخل حكومة انتقالية لم تُقنع جميع المنتسبين إليها؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: هشاشة في النواة الأولى للجيش والأمن، في ظل فراغين خلّفهما سقوط نظام بشار الأسد، واستقطابات واسعة لعشرات آلاف العناصر خلال فترة قياسية دون تدقيقٍ كافٍ في الخلفيات.
المشهد كان صادماً للتحالف الدولي. مروحيات أميركية تدخلت لإجلاء المصابين إلى قاعدة التنف. حالة استنفار أُعلنت داخل المؤسسات العسكرية والأمنية السورية. تعليمات جديدة صدرت للحد من الاختراقات. لكن الأهم أن الحادث أعاد طرح سؤال الثقة: من هو الشريك الأكثر جاهزية وموثوقية في حربٍ طويلة النفس ضد تنظيمٍ يتقن الضرب من حيث لا يُتوقع؟
نقاش البنتاغون ومعيار «الجاهزية»
لم يكن هجوم تدمر مجرّد حادث أمني عابر في نظر واشنطن، بل تحوّل سريعاً إلى مادة نقاش ساخنة داخل أروقة وزارة الدفاع الأميركية، حيث يُعاد منذ أسابيع تقييم مفهوم «الجاهزية» لدى الشركاء المحليين في سوريا. فبالنسبة للبنتاغون، لا تُقاس الجاهزية بالخطابات السياسية أو بالإعلانات الدبلوماسية، بل بسجلّ ميداني طويل وقدرة مثبتة على منع الاختراق، وهو ما أعاد تلقائياً، وضع قوات سوريا الديمقراطية في صدارة النقاش بعد أن كشفت أحداث تدمر هشاشة المؤسسات الأمنية التابعة للحكومة الانتقالية. داخل الوزارة، برزت كتلة وازنة تدفع باتجاه الاستمرار، بل وتعزيز التحالف مع «قسد»، مستندة إلى وقائع يصعب تجاوزها: أكثر من عقد من القتال المشترك ضد «داعش» من دون تسجيل حوادث إطلاق نار من الداخل أو انهيارات أمنية مشابهة، وقدرة مستمرة على ضبط مناطق شاسعة، وبناء شبكات استخبارية محلية تراكمت منذ مقاومة كوباني عام 2014، وتبلورت خلال معارك الرقة في 2017، ثم اكتملت في دير الزور بين عامي 2018 و2019.
في المقابل، تنظر الإدارة الأميركية بقدر كبير من التحفّظ إلى الجيش السوري الذي أُعيد تشكيله بعد سقوط النظام السابق. فضمّ عشرات آلاف العناصر خلال فترة زمنية قصيرة، وتحت ضغط سياسي لاستعراض «استعادة الدولة»، جرى من دون منظومة تدقيق صارمة أو برامج تدريب كافية، ما جعل هذه القوات، في التقدير الأميركي، «غير جاهزة» لخوض معركة مع تنظيم يعتمد على الاختراق والتسلل والعمل من داخل المؤسسات نفسها. من هنا، لم يعد الدعم اللوجستي أو الاستخباري مسألة تلقائية، بل بات مشروطاً بإصلاحات بنيوية عميقة، يتقدمها مطلب اندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن وزارة الدفاع، ليس كحل إداري، بل كضمانة عملية لرفع مستوى الجاهزية الميدانية. فواشنطن ترى أن محاربة «داعش» لا تُدار بالقرارات السياسية ولا بإعادة تدوير الشعارات، بل بخبرة تراكمت في ساحات القتال وبقوات خضعت لاختبار النار مراراً.
وتربط دوائر القرار الأميركية هذا النقاش بسياق أوسع يتجاوز هجوم تدمر نفسه. فوفق تقديرات البنتاغون، فإن تزايد الهجمات في البادية سيقود حتماً إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية وربما توسيع عمليات التمشيط شمالاً وشرقاً. غير أن عامل الضغط الأبرز يبقى احتمال التصعيد الإسرائيلي جنوب سوريا، وهو سيناريو تخشاه واشنطن لما يحمله من مخاطر انهيار السيطرة وتفكك التوازن الهش. لذلك، تدفع الولايات المتحدة باتجاه تسويات داخلية مع «قسد» والسويداء، بالتوازي مع تفاهمات إقليمية، بهدف تثبيت الاستقرار ومنع انزلاق الحكومة الانتقالية إلى اختبار ميداني لا تملك، حتى الآن، أدوات النجاح فيه.
قسد ذاكرة القتال وجاهزية الجغرافيا
منذ مقاومة كوباني في خريف 2014، رسّخت قوات سوريا الديمقراطية نفسها كقوة محلية قادرة على مواجهة «داعش» في أصعب الظروف. الأرقام هنا ليست سرداً بطولياً فقط؛ بل مؤشرات أداء: آلاف الشهداء، وعشرات آلاف الجرحى، وتحرير مدن استراتيجية، وتفكيك شبكات تمويل وخلايا نائمة. في الرقة وحدها، عام 2017، خاضت «قسد» معركة استمرت أشهر، أنهت وجود ما تسمى بـ«عاصمة الخلافة». وفي دير الزور، بين 2018 و2019، أُغلقت آخر الجيوب.
اليوم، تؤكد «قسد» جاهزيتها لنقل المعركة إلى أي بقعة في سوريا. بيانها الذي دان هجوم تدمر لم يكن مجرد موقف سياسي؛ بل إعلان استعداد عملياتي. تقول القوات إنها لن تسمح للمرتزقة بإعادة تنظيم صفوفه أو تهديد أمن المنطقة والعالم. هذا الاستعداد يستند إلى بنية تنظيمية خضعت لسنوات من العمل مع التحالف الدولي، وإلى معرفة دقيقة بالجغرافيا والبيئة الاجتماعية، وإلى خبرة في مكافحة التطرّف داخل المخيمات والسجون، حيث يُحتجز آلاف من عناصر داعش.
الفرق الجوهري هنا هو معيار «الاختبار». قوات سوريا الديمقراطية اختُبرت في النار، في معارك مفتوحة، وفي إدارة مناطق ما بعد التحرير. أما الأجهزة الناشئة، فما زالت في طور التشكّل، عرضة للاختراق، ومطالبة بإعادة تقييم شاملة للكوادر، وتراتبية خالية من الشوائب الأيديولوجية التي قد تنخر الجسد من الداخل.
هجوم تدمر ليس نهاية الشراكة ولا بداية قطيعة؛ إنه إنذار. إنذار بأن محاربة «داعش» ليست ملفاً يُدار بالتصريحات، بل بمنظومة أمنية متماسكة، وبشركاء مجرّبين. الحكومة الانتقالية، في هذه المرحلة الحرجة، أمام خيارين: إما إعادة تقييم واسعة للكوادر، وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية بتراتبية مهنية، وفتح الباب أمام اندماج حقيقي لقوات أثبتت جاهزيتها؛ أو ترك الباب موارباً أمام اختراقات قد تعيد البلاد إلى دوامة فوضى تفقد الإدارة السيطرة.
التواريخ هنا ليست محايدة. من 2014 إلى 2019، كُتبت فصول الهزيمة العسكرية لـ«داعش» بدماء المقاتلين المحليين. من 2025 فصاعداً، يُكتب فصل جديد عنوانه: من يمتلك الخبرة ليحمي ما تحقق؟ واشنطن، بحساباتها الباردة، تميل إلى من جرّبتهم في الميدان. والبادية، بجغرافيتها القاسية، لا تعترف إلا بمن يعرف طرقها ومساراتها وخلاياها.
بين تدمر وواشنطن، اختبار نار للتحالفات الجديدة. نجاحه أو فشله سيُقاس بقدرة سوريا على تحويل الشراكة من إعلان سياسي إلى واقع أمني، وبمدى استعدادها للاعتراف بدور قوات سوريا الديمقراطية كعمود فقري في معركة لم تنتهِ بعد. في ذلك، وحده الميدان يملك الكلمة الأخيرة.
No Result
View All Result