No Result
View All Result
قامشلو/ ملاك علي – نزحت “فاتن خضور” المواطنة السورية من الطائفة العلوية من حمص، بعد تعرضها مع عائلتها لسلسلة من الانتهاكات الخطيرة، التي وصفتها باستهداف ممنهج للمدنيين على أساس طائفي، وتأتي هذه الشهادة في إطار توثيق روايات المدنيين المتضررين؛ بهدف إظهار الواقع الإنساني الذي عاشته عائلات سورية كثيرة، وتسليط الضوء على آثار هذه الانتهاكات على حياة الأفراد والمجتمع، ومسارات النزوح القسري التي فُرضت عليهم نتيجة غياب الأمان والحماية.
في ظل استمرار الانتهاكات الجسيمة التي طالت المدنيين في عدد من المناطق السورية خلال السنوات الأخيرة، تتوالى شهادات الناجين التي تكشف عن أنماط استهداف قائمة على الانتماء الطائفي، وعمليات قتل واختفاء قسري وانتهاكات ممنهجة بحق فئات محددة من السكان. وفي مدينة حمص، إحدى أكثر المناطق، التي شهدت توترات أمنية متصاعدة، اضطر آلاف المدنيين إلى النزوح القسري بحثاً عن الأمان، بعد أن أصبحت حياتهم مهددة بشكل مباشر.
نزوح قسري وانتهاكات طائفية
وبهذا الصدد وخلال لقاء خاص، روت المواطنة “فاتن خضور” من الطائفة العلوية، من مدينة حمص، تفاصيل نزوحها القسري وما تعرّضت له هي وعائلتها من انتهاكات وصفتها بـ “الممنهجة” على أساس طائفي، مؤكدة أنّ هذه الظروف أجبرتها على مغادرة مدينتها بحثاً عن الأمان.
تقول فاتن: إنّها اضطرت للنزوح في شهر تشرين الأول بعد تصاعد أعمال القتل والانتهاكات في حمص، موضحة، إنّ الاستهداف كان يتم “على الهوية فقط” دون أي اعتبار لكون الضحية مدنياً أو عسكرياً، وتشير إلى أنّ اختطاف الفتيات كان يترافق مع نقلهن إلى إدلب، حيث يتم بيعهن في أسواق معروفة بين الأهالي، مؤكدة أنّ هذه المعلومات كانت متداولة على نطاق واسع في المدينة نتيجة تكرار الحالات.
وتحدثت فاتن عن تفاصيل محاولتها الأولى للخروج من حمص برفقة زوجها وطفليها، عبر حافلة نقل عام، حيث تم توقيفهم عند آخر حاجز للأمن العام: “سألوا زوجي عن طائفته، وعندما قال إنه علوي، تم إنزالنا جميعاً من الحافلة”.
وحسب ما قالته، اختفى الزوج لست ساعات، فيما تم احتجازها مع طفليها في مبنى مهجور، حيث تعرضوا للإهانة المتعمدة: “كانوا يدخلون المكان لقضاء حاجتهم أمامنا بهدف الإذلال، وكنت أخشى في كل لحظة أن يقتلوا زوجي”.
بعد ساعات، أُعيد الزوج في حالة صحية حرجة نتيجة التعذيب الشديد، وأُجبر تحت الضرب على التوقيع والبصم على تعهّد بعدم الانضمام إلى قوات سوريا الديمقراطية، ورغم ذلك، تم منع العائلة من متابعة طريقها وإعادتها قسراً إلى حمص، فيما تؤكد فاتن، أنّ اسم زوجها عُمم لاحقاً على الحواجز الأمنية، ما جعل تحرك العائلة شبه مستحيل، قبل أن يتمكنوا بعد عدة أيام، وبمساعدة شخص ضامن للحواجز، من مغادرة حمص والوصول إلى قامشلو، وتصف ما كان يجري في المدينة بأنّه نمط ثابت من الانتهاكات: “أي شاب علوي كان يُؤخذ، حتى لو كان ذاهباً إلى عمله بعد أيام، يُطلب من أهله استلام جثته”.
وتضيف، إنّ الأهالي كانوا يعثرون على آثار خياطة في أجساد الضحايا، ما يشير إلى نزع أعضائهم الداخلية، مؤكدة أنّ هذه الممارسات كانت تتم في مشفى الوليد بحمص، حسب ما كان معروفاً بين السكان.
تشير فاتن إلى أنّ تشييع الضحايا كان يخضع لقيود صارمة، حيث لم يكن يُسمح إلا لشخصين فقط من ذوي القتيل بحضور الدفن، مع منع إقامة جنازات أو نقل الجثمان إلى المنزل: “كان الدفن يتم مباشرة من المشفى إلى القبر، دون وداع أو عزاء”.
الرعب اليومي والنزوح نحو الأمان
فيما تتحدث فاتن عن الخوف الدائم الذي سيطر على حياة السكان في حمص، مشيرة إلى أنّ الرعب كان يرافقهم في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وتقول: إنّها في إحدى المرات كانت تسير مع أطفالها في الشارع عندما سمعت شخصاً يتحدث بلغة لم تفهمها، ما دفعها للاختباء فوراً داخل حاوية قمامة خشية الاختطاف أو القتل، مؤكدة أنّ أي تأخير كان قد يكلّفهم حياتهم: “إنّ الأهالي باتوا يعرفون مصير المختفين مسبقاً، حيث كان يُنظر إلى اختفاء الشبان العلويين على أنّه حكم بالإعدام، فيما تُختطف الفتيات ويتم بيعهن”، كما تشير إلى أنّ منازل السكان كانت تُعلَّم بعلامات طائفية واضحة لتسهيل المداهمات، وسحب الشباب والفتيات العلويين، في مشهد يعكس حجم الاستهداف المنهجي الذي عاشته المدينة.
وتعبّر المواطنة عن خيبة أملها العميقة مما آلت إليه الأوضاع، قائلة: إنّها كانت تعتقد أن سقوط النظام البعثي سيجلب قدراً من الأمان، إلا أنّ الواقع كان انتقالاً من ظلم إلى ظلم أشد وتؤكد أن اتهام العلويين جماعياً بدعم النظام السابق غير دقيق، منوهة على أنهم كانوا ضد الظلم، وأن بشار الأسد نفسه مارس الظلم بحق طائفته، وتوضح أن تسليم السلاح بعد سقوط النظام، على أمل الاستقرار، جعل المدنيين بلا أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم، مستذكرة حادثة مؤلمة ما زالت عالقة في ذاكرتها، حين أعطى والدها شقيقتها علبة سم خلال إحدى الهجمات، معتبراً أنّ الموت أهون من الإهانة.
وتختتم بالحديث عن وصولها إلى قامشلو، حيث شعرت للمرة الأولى بالأمان الحقيقي، مؤكدة أنها لاقت دعماً إنسانياً ومجتمعياً كبيراً، وأنّ زوجها انضم لاحقاً إلى القوات العسكرية، التي وفّرت لهم الحماية، معتبرة أنّ ذلك كان سبباً رئيسياً في نجاتهم.
No Result
View All Result