No Result
View All Result
حمزة حرب
مثّل قانون قيصر منذ دخوله حيّز التنفيذ عام 2020 أحد أقسى أدوات الضغط التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد النظام السوري السابق إذ نجح في عزل دمشق اقتصادياً، ومنع أي مسعى دولي لإعادة تأهيل السلطة السابقة دون شروط سياسية وحقوقية واضحة. ولذلك؛ فإن رفعه اليوم لا يمكن قراءته كخطوة معزولة بل كتحول في مقاربة واشنطن للأزمة السورية، وللتوازنات الإقليمية ولمعادلات ما بعد سقوط النظام.
سعي واشنطن لرفع قانون قيصر عن سوريا يمثل محطة مفصلية في مسار التعاطي الدولي مع الملف السوري، ليس بوصفه إجراءً تقنيًا يطال منظومة عقوبات اقتصادية فحسب، بل باعتباره تحوّلًا سياسياً عميق الدلالة، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة مليئة بالأسئلة أكثر مما تحمل من الإجابات. فالقرار جاء محملاً بتناقضات السياسة الدولية، وبثقل سنوات من العزل والخنق الاقتصادي، وبإرث ثقيل من الانتهاكات التي لم تُغلق ملفاتها بعد ولا زالت مستمرة الى يومنا الحاضر.
جذور القانون
قانون قيصر جاء تحت يافطة حماية المدنيين السوريين كواحد من أكثر القوانين الأمريكية إثارة للجدل والتأثير في مسار الأزمة السورية ليس فقط باعتباره حزمة عقوبات اقتصادية ومالية، بل بوصفه وثيقة سياسية وإعلامية وحقوقية وُلدت من رحم الجرائم الممنهجة التي ارتكبها النظام السوري السابق بحق شعبه فمنذ اللحظة الأولى لإقراره تجاوز القانون حدود النص التشريعي التقليدي، ليتحول إلى أداة ضغط دولي ورسالة سياسية واضحة وسلاح إعلامي في معركة السرديات حول المسؤولية عما جرى في سوريا طوال سنوات الحرب والأزمة.
جذور القانون تعود إلى واحدة من أكثر الشهادات صدمة في تاريخ النزاعات الحديثة، ففي عام 2014 كُشف النقاب عن آلاف الصور المسربة التي وثّقت جثث معتقلين قضوا تحت التعذيب في مراكز احتجاز النظام السوري المصور العسكري المنشق، الذي حمل الاسم المستعار قيصر ولم يكن حينها كاشفاً عن اسمه الصريح الذي كشف النقاب عنه بعد سقوط النظام السوري أسامة عثمان، فلم يكن ناشطاً سياسياً ولا حقوقياً، بل موظف مكلف بتصوير الجثث لأغراض إدارية وأمنية داخل مؤسسات الدولة حينها.
إلا أن ما شاهده يومياً من أجساد هزيلة، ووجوه مشوّهة وأرقام مكتوبة على الجباه دفعه إلى اتخاذ قرار محفوف بالمخاطر وهو تهريب الصور إلى خارج البلاد وكشف ما يجري خلف الجدران المغلقة، حيث قدرت الجهات الحقوقية عدد الصور بأكثر من خمسين ألف صورة، تعود لآلاف الضحايا الذين قُتلوا في ظروف تشير بوضوح إلى التعذيب الممنهج والتجويع والإهمال الطبي المتعمّد.
وعندما عرضت هذه الصور على لجان تحقيق دولية وخبراء قانونيين، لم تُقرأ بوصفها مادة إعلامية فقط بل كأدلة جنائية متكاملة تظهر نمطًا ثابتاً من الجرائم، يمكن أن يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية هذا التحول من صورة صادمة إلى دليل قانوني كان الخطوة الأولى في مسار انتهى بتشريع قانون قيصر. حيث شكّلت هذه الوثائق نقطة انعطاف في طريقة تعامل الكونغرس مع الملف السوري، فبعد سنوات من التردد والانقسام حول جدوى التدخل أو العقوبات بات لدى المشرعين مادة ملموسة يصعب تجاهلها أمام الرأي العام الأمريكي والدولي، حيث بدأ العمل على مشروع قانون يربط بين المساءلة الحقوقية والضغط الاقتصادي، ويمنع أي محاولة لإعادة تعويم النظام السوري أو دمجه مجددًا في المجتمع الدولي دون مقابل سياسي وأخلاقي واضح. فأُدرج قانون قيصر رسمياً ضمن موازنة الدفاع الأمريكية ودخل حيّز التنفيذ في حزيران 2020 وقد حمل اسمه دلالة رمزية مباشرة تحيل إلى الشاهد الذي نقل الحقيقة من داخل مؤسسات القمع وإلى الضحايا الذين لم يسمح لهم بالكلام فلم يكن اختيار الاسم تفصيلًا عابراً بل جزء من البعد الإعلامي للقانون الذي أراد واضعوه أن يبقى مرتبطاً بالجرائم لا بالأرقام المجردة.
تفاصيل القانون
قانون قيصر نصّ على فرض عقوبات واسعة النطاق على النظام السوري السابق وعلى كل شخص أو جهة تقدّم له دعماً مباشراً أو غير مباشر وتشمل هذه العقوبات مسؤولين حكوميين وضباطًا عسكريين وأجهزة أمنية إضافةً إلى شركات محلية وأجنبية تعمل في قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والطاقة والبناء والهندسة والطيران والمصارف كما يمتد أثر القانون إلى أي جهة تشارك في مشاريع إعادة الإعمار أو تزويد النظام بالوقود أو الموارد المالية ما لم يكن ذلك ضمن أطر إنسانية واضحة.
لم يُصمم القانون ليكون عقوبة عشوائية بل ربط بمجموعة شروط سياسية وحقوقية صريحة فقد نص على إمكانية تعليق أو تخفيف العقوبات في حال التزم النظام بوقف الهجمات على المدنيين والإفراج عن المعتقلين السياسيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق والانخراط الجدي في عملية سياسية وفق قرار مجلس الأمن 2254 بهذا المعنى حاول القانون الجمع بين العصا الاقتصادية والجزرة السياسية واضعاً سلوك السلطة في صلب المعادلة.
الحقوقي ورئيس المكتب السياسي لمجلس وسط وغرب سوريا “مصطفى رستم” بيّن لصحيفتنا “روناهي” إن “إلغاء كل قانون قيصر يعني إلغاء مفاعيله وبالتالي حتى الأشخاص المدرجين ضمن المعاقبين بهذا القانون ستسقط العقوبة عنهم لأن إلغاء العقوبة مرتبط بإلغاء مفاعيلها فلا عقوبة ولا تجريم إلا بنص فإذا ألغى النص التغت العقوبة وهذا مؤشر خطير لا يمت للعدالة بصلة لأن القانون أساسه حقوقي ووضع للمحاسبة فكيف تسقط المحاسبة ويُسيّس الأمر؟”.
مصطفى رستم أوضح إن “الأمر لا يتوقف على قانون قيصر فكان هناك سابقة فقادة المجموعات المسلحة من أنس خطاب إلى أبو أحمد حدود إلى مرهف أبو قصرة فهؤلاء أيضاً كانوا مجرمين وموضوعين على قوائم الإرهاب فيجب محاسبتهم، فهذه الخطوات التي تتخذ اليوم هي ازدواجية المعايير وتعتبر سابقة على مستوى العالم من انتهاك القانون الدولي وميثاق روما وقانون الجنائية الدولية فالعدالة الانتقالية لم تطبق بأي شكل من الأشكال في سوريا؛ فكيف لهذه الأسماء أن تقدّم للمجتمع الدولي ما يطلبه من أمن وأمان وغيره”.
كما بيّن إن “الواقع السوري مع هذه الازدواجية في التعاطي لن يحقق أدنى معايير الأمن والاستقرار، فالنظام السابق كان مسؤولاً عن انتهاكات جمة وبموجب ذلك أصدر قانون قيصر كنوعٍ من إنصاف الضحايا فمن سيُنصف ضحايا الساحل والسويداء التي تتحمل الحكومة الحالية المسؤولية المباشرة عنهم وحدثت جرائم يندى لها جبين الإنسانية”.
على أرض الواقع، شكّل قانون قيصر ضربة قاسية للاقتصاد السوري المنهك أصلاً فقد وسع نطاق العقوبات السابقة، وأغلق العديد من الثغرات التي كان النظام يستخدمها للالتفاف على القيود الدولية وأدى ذلك إلى تراجع حاد في الاستثمارات وشلل في مشاريع إعادة الإعمار وصعوبة بالغة في الحصول على العملة الصعبة كما ساهم في تعميق عزلة النظام عن النظام المالي العالمي ورفع كلفة أي تعامل اقتصادي خارجي.
ورغم إن القانون تضمّن استثناءات إنسانية واضحة تشمل الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية إلا أن تطبيق هذه الاستثناءات اصطدم بواقع معقد فقد استخدمت السلطات العقوبات ذريعة لتشديد قبضتها على السوق واحتكار توزيع المواد وفرض قيود إدارية وأمنية على المنظمات الإنسانية. حيث عكست التداعيات بشكلٍ مباشر على حياة السوريين ولم تبقَ محصورة في دوائر السلطة فقد شهدت الليرة السوريّة تدهوراً متسارعاً وارتفعت أسعار السلع الأساسية وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة ومع توسع رقعة الفقر باتت قطاعات واسعة من المجتمع عاجزة عن تأمين احتياجاتها اليومية.
القانون شكّل لحظة مفصلية وعلامة فارقة في تاريخ الصراع السوري لأنه جمع بين الشهادة الفردية والتشريع الدولي وبين الصورة الصادمة والقرار السياسي وهو مهما اختلفت التقييمات حول نتائجه يبقى شاهداً على أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم وأن توثيق الحقيقة قد يتحول ولو بعد حين إلى أداة قادرة على محاصرة أكثر الأنظمة عنفاً وفرض حضور الضحايا في قلب المعادلات الدولية.
رفع عقوبات قيصر بين الصوابية والتسرع
رفع قانون قيصر ومهما كان يعبّر عن التغيير الكبير في السياسة الأمريكية تجاه سوريا إلا أنه أثار جدلاً واسعاً بين من رآه صائباً لجهة زوال مسبباته بسقوط النظام السابق وبين من وصفه بالقرار المتسرع مستنداً الى استمرار الانتهاكات والتجاوزات بحق الشعب السوري.
بانتهاء المرحلة التي كان يستهدفها القانون، فالتشريع صُمّم أساسًا لمعاقبة نظام قائم، وتجفيف موارده، ومنع استمراره عبر الاقتصاد ومع زوال ذلك النظام، بات الإبقاء على العقوبات الشاملة فاقدًا لجزءٍ كبير من مبرراته القانونية والسياسية، بل ومُهدِّدًا بإعاقة أي مسار انتقالي أو محاولة لإعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة.
أما واشنطن فأوصلت رسالتها بأنها على استعداد للتعاطي مع الواقع السوري الجديد والانخراط في ترتيبات ما بعد الصراع بدل الاكتفاء بسياسة الردع والعقاب لكن هذه الخطوات لا تعني إهمال ملف الجرائم بل فصل مسار العقوبات الاقتصادية الشاملة عن مسار العدالة الانتقالية لذا كانت الخطوة مشروطة بعدة بنود أولاً حماية المدنيين وعدم ارتكاب انتهاكات وتحقيق العدالة الانتقالية ومحاربة الإرهاب.
من جهته الحقوقي والخبير في العلاقات الدولية الدكتور “خالد جبر” يؤكد لصحيفتنا رفع عقوبات قيصر عن سوريا مرتبط مباشرةً بمدى التزام الحكومة الجديدة بالمطالب الأميركية، لكن ذلك لن يكون تلقائياً ولا شاملاً فالمشكلة لم تعد في سقوط نظام الأسد شكلياً، بل في استمرار أشخاص ومنظومات مصنّفة أميركياً على لوائح الإرهاب أو متورطة بانتهاكات جسيمة داخل بنية الحكم الجديدة.
د. خالد جبر أضاف أن الولايات المتحدة تشترط عملياً إبعاد الشخصيات المدرجة على لوائح الإرهاب بالإضافة الى خطوات حقيقية في العدالة الانتقالية وضمان حقوق الشعوب والأقليات وتفكيك أو إصلاح الأجهزة الأمنية فالحكومة الانتقالية غير قادرة بالكامل على تلبية الشروط بسبب توازنات داخلية وبقاء مراكز قوة قديمة.
منوهاً إلى إن “السيناريو الأرجح هو رفع جزئي ومشروط للعقوبات مع استمرار الضغط الأميركي وليس انفتاحاً كاملاً أو اعترافاً سياسياً نهائياً والدليل على ذلك إن هذه الحكومة وسلوكها لا زالا تحت المراقبة الأمريكية وسيُقدم تقرير بخصوص ذلك من الرئيس الأمريكي للكونغرس كل 180 يوم لمدة أربع سنوات وهو ما تحدثنا عنه بأنه رفع مشروط وحذر ومؤطر. هذا يدفعنا للتأكد من أن واشنطن لا تثق بسلوك الحكومة الانتقالية التي تحتفظ بين ثناياها بعناصر إرهابية وما حدث في تدمر ومقتل جنود أمريكيين على يد عنصر أمن تابع للحكومة هو خير برهان على ما تحمله عناصر الحكومة من أفكار متطرفة وتشكل خطر على المجتمع الدولي وواشنطن تحديداً”.
ورغم إنه يُنظر إلى رفع القانون إنه انفراجة اقتصادية كبيرة إلا إن الانفتاح الاقتصادي المحتمل لا يعني بالضرورة تحسناً سريعاً في الواقع المعيشي فالاقتصاد السوري الخارج من حرب طويلة لا يعاني من العقوبات وحدها بل من تدمير واسع للبنية التحتية وانهيار الثقة وتفكك المؤسسات وانتشار الفساد فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل انتهت مسببات انهيار الاقتصاد بعد؟ هل توقف الفساد؟ هل انتهت المحسوبيات؟ هل يوجد برامج تنموية حقيقية تمتلكها الحكومة الانتقالية؟ هل تسيطر أصلاً على قرارها في بناء مشاريعها الوطنية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة سيفتح لنا تفسيرات منطقية لانهيار الاقتصاد أما قانون قيصر وإن ساهم بانهيار الاقتصاد لكنه كان شماعة علّق عليها النظام السابق كل فشله الاقتصادي والسياسي.
قانون قيصر استند في جوهره إلى توثيق جرائم ضد الإنسانية وحمل اسم شاهد على التعذيب والقتل الممنهج ورفعه دون مسار واضح للمحاسبة قد يفسر لدى البعض على أنه تراجع عن الالتزام الأخلاقي الذي مثّله القانون عند إقراره لذلك تبدو واشنطن مطالبة بتوضيح كيفية الفصل بين إنهاء العقوبات الشاملة والاستمرار في دعم آليات المساءلة القضائية.
ورغم الشروط والرقابة الأمريكية لسلوك الحكومة الانتقالية المرغمة على تقديم بدائل حقيقية عن حقبة نظامٍ مستبدٍ لكن قرار الرفع شكل مادة إعلامية دسمة لإعادة صياغة السردية حول سوريا فبعد سنوات كان فيها قانون قيصر رمزاً للعقاب والضغط بات رفعه رمزاً لمرحلة جديدة لم تتبلور معالمها بعد. لذا؛ فإن الحكومة الانتقالية وماكينتها الإعلامية روجوا له على إنه انتصار للواقعية السياسية وضرورة إنقاذ المجتمع، بينما هو في الحقيقية قرار متسرع في شكله ومضمونه؛ لأن الحكومة الانتقالية لا تستطيع تقديم الضمانات المطلوبة، فالأمن والاستقرار المعدومين هما خير برهان على إن سوريا لا زالت تحت وطأة الانتهاكات والتطرف وربما ينتظرها مستقبل قاتم، كما يقول مراقبون.
No Result
View All Result