No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
ترتبط الموسيقا بالقصيدة ارتباطاً وثيقاً خلال عصور الأدب السابقة، ابتداءً بالعصر الجاهلي وصولاً إلى العصر الحديث، وحين كان الصوت المادّة الخام للموسيقا منذ معرفتها، فلابد أن يصبح اللسان مقوّماً لأوزانها أو مقاماتها إذا ما تحدّثنا بلغة الموسيقا وحدها، وعليه فنستطيع أن نقول: الموسيقا منحت مقاماتها لمبدعيها، وكذلك القصيدة نسجت أوزانها بقريحة شعرائها فأصبحت كلتاهما مدارس علمية أُسِّست على قواعد أكاديمية ثابتة تقبل التطوير، ولكنها عصيّة على محو أبجدياتها الخالدة.
القصيدة الكلاسيكية
كان الشعراء في العصر الجاهلي يقولون الشعر على سجيته موزوناً باللسان، فلا يقبل عجز البيت في القصيدة الاختلاف في العروض عن وزن صدر البيت، وكذلك تقع القافية على القافية والروي على الروي، كما إذا استخدم الشاعر جوازاً فتسقطه قريحته الموسيقية عفو الخاطر على كامل أبيات القصيدة تباعاً دون جهد أو تكلّف ضمن بناء فني وموسيقي يكبر بالصورة الشعرية والتكثيف الشعوري وفق المقام الشعري والحالة النفسية وقدرة الشاعر على البيان، لتأتي بحور الشعر فيما بعد دراسة علمية مفصلّة للخليل بن أحمد الفراهيدي الذي وضع بحور الشعر مستخلصاً إياها من تجارب الشعراء، التي كانت نظاماً علمياً متكاملاً يحتاج إلى بحث وتدوين يصبحان مدرسة للأجيال المتعاقبة، إلى ذلك اشتهر شعراء المعلّقات من امرئ القيس إلى عنترة العبسي إلى عَمر بن كلثوم وغيرهم، حيث تتّسم قصائدهم بقوّة البناء القائم على نظام الشطرين ضمن شكل عمودي يتألف من عدّة خصائص تتجلّى بوحدة الوزن والقافية، حيث يتألّف البيت الواحد من وزن بحر تام تُسمّى التفعيلة الأخيرة من صدر البيت فيه “العروض” كما تُسمّى التفعيلة الأخيرة من عجز البيت فيه “الضرب” كما تتألف القافية في البيت من آخر ساكن إلى أقرب ساكن مع المتحرك الذي قبله، ويكون روي القصيدة هو الحرف الذي تنتهي به جميع أبيات القصيدة، وبذلك يكون شكل القصيدة الكلاسيكية مدرسة علمية إبداعية بحد ذاته يحتاج دراسة معمقة وموسّعة تتكامل فيما بينها، كما تتكامل برمّتها مع مضامين القصيدة البلاغية وأدواتها في البيان والمعنى والبديع لتكون بذلك نصاً إبداعياً وجمالياً وشعورياً كاملاً
أصل التحديث في القصيدة
تطوّرت الحياة من العصر الجاهلي إلى يومنا هذا كثيراً بكافة المجالات، وكذلك كان لزاماً أن تتطوّر المفردة ودلالاتها والقصيدة وموضوعاتها وكذلك شكلها الذي أصبح مقام جدل واسع بين الشعراء والنقّاد والمتابعين على مدار القرون الماضية، ولا نستطيع أن نقتصر بمصطلح التحديث في القصيدة على عصر الشعر الحديث فقط، فإذا ما أردنا البحث عن بدايات التحديث في القصيدة فيأخذنا ذلك إلى عصر الشعر الأندلسي وما كان يقابله في ذلك الحين في المشرق في العصر العباسي، وهما عصر واحد ذي جناحين أضفا على الشعر ألواناً جديدة لم يعرفها الشعراء من قبل، ويرجع ذلك نقّاد إلى فتح آفاق التواصل لأول مرة مع الآداب والفنون الغربية من فرنسا والبرتغال وحكم الأندلس، الذي دام لأكثر من ثمانية قرون، وتمدّن القصيدة وامتزاجها بالطبيعة الخلّابة في تلك البلاد، نتج عن ذلك كله أدب وليد بهي المظهر رقيق المضمون تجلّى حيناً بالشكل الكلاسيكي آنف الذكر، وتجلّى أحياناً أخرى بالموشّحات الأندلسية الشهيرة، التي مازالت تصلح قطعاً غنائية إلى عصرنا هذا، وهنا نستطيع أن نقول: إن القصيدة العربية عرفت أشكالاً حديثة بالشكل تبدّى بوحدة المقطع بدل وحدة البيت، لكن مع الاحتفاظ بالوزن الذي بدأ يتغيّر شكله تدريجياً باستخدام مجزوء هذا البحر أو مقطوف ذاك باستخدام زحاف أو علة استنبطها الشعراء من الدوائر العروضية للبحور الخليلية المعروفة، والأمثلة جمّة على هذه الأشكال الإبداعية الرائعة.
روّاد القصيدة الحديثة وجدل التّحديث
شهد العصر الحديث في القصيدة تحوّلات كبيرة في بنية القصيدة الكلاسيكية، لتتفتّق عن نفسها بأشكال جديدة تمثّلت بتوظيف المعنى الحديث والمفردة العصرية في القالب التقليدي، ولتتفتّق في الوقت ذاته عن أهزوجات موزونة تحوّلت إلى شكل جديد للقصيدة عُرفت فيما بعد بقصيدة التفعيلة، انبرى لها في القرن التاسع عشر عدد من الشعراء في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وربما أن الشاعر العراقي بدر شاكر السّيّاب أسّس لها بشكل كبير في العراق مع الشاعرة نازك الملائكة. اللذين استطاعا تجاوز الشكل المألوف إلى أشكال جديدة حافظت على العروض داخل القصيدة لكنها تجاوزت وحدة البيت والنص بما ينسجم مع روح العصر، وتجلّى ذلك عند السياب بقصيدة “أنشودة المطر” الشهيرة، كما كان شعر نزار قباني في سوريا نقلة كبيرة للقصيدة بشكليها التقليدي والحديث، حيث اعتبر عدد من النقاد هذه النقلة ثورة على قيود القصيدة الكلاسيكية ومنهم من اعتبر ذلك خرقاً لقواعد الشعر التقليدية، ولا نستطيع أن نتجاوز شعر محمود درويش وما حققه في القصيدة، الذي منحها طابعاً فلسفياً ورمزياً فريداً يتناول أعماق النفس الإنسانية ويطرح من خلالها قضايا الوطن والحب والوحدة ضمن عالم يألفه الشاعر دون غيره، تتخاطر هذه السرديات في شعر وكتابة القصة عند جبران خليل جبران الذي تعدّى بشكل القصيدة واضعاً إياها بوزنين مختلفين متقابلين في البداية والنهاية ضمن نص واحد في قصيدة “المواكب” متحدياً بذلك المتزمتين لشكل القصيدة المألوف، والمدافعين عن الهوية القديمة للشعر العربي، برأي يقول لكل زمان رجاله، ولكل قصيدة شعراؤه ومحبّوه، فاكتبوا دون أن تتجاوزوا على أدبيات تاريخ القصيدة
وبذلك نجد أن القصيدة تغيّرت ملامحها دون أن تفقد تأثيرها ودورها في النفس والتاريخ، ونجد جمهور الأدب مازال منقسماً بين مشجّع للتغيير والتطوير، وبين منتقد الأشكال الحديثة، التي تكسر وحدة القصيدة وعروضها وشكلها التقليدي، واستخدام الشاعر فيها الصورة الحديثة والمفردة البسيطة، معتبراً ذلك خرقاً للهوية الشعرية الخالدة بمضمونها القائم على الوقفة الطللية والفخر على طريقة القدامى، واستحضار التاريخ في كل مفاصل الشعر الحديث.
No Result
View All Result