الحسكة/ محمد حمود – في مهرجانٍ تتقاطع فيه الثقافات وتتداخل الهويات، وتتلاقى الأصوات على مسرح واحد، بدت المرأة في الدورة الثالثة من مهرجان أوركيش الموسيقي، وكأنها النبض الحقيقي للحدث، والروح التي تمنح الفن اتساعه ومعناه.
في مدينة الحسكة تتقاطع الثقافات وتتداخل الهويات، أطلّت الدورة الثالثة من مهرجان أوركيش الموسيقي منصة فنية وإنسانية حقيقية، تجمع بين الأصوات المتنوعة، والهويات الثقافية المختلفة على خشبة مسرح واحد، وفي هذا السياق، بدا حضور المرأة في المهرجان نبضاً حقيقياً للحدث، وروحاً تمنح الفن اتساعه ومعناه، لتصبح الحاضرة أكثر من مجرد فنانة أو عازفة، بل رسالة قوية تتحدى الحرب والصراعات، وتنقل صوت السلام وسط الأزمات.
فمنذ اللحظة الأولى، التي امتلأت فيها قاعة سردم بالألوان والألحان خلال اليومين الأول والثاني، بدا واضحاً أن دور المرأة لن يكون عابراً، بل محورياً في صناعة الحدث، فقد كانت النساء يتقدمن الصفوف، سواء على خشبة المسرح أو في اللجان التنظيمية وبين الوفود الثقافية، مؤكدات بالقول: “إن الفن ليس ترفاً، بل خيار مقاومة وأسلوب حياة”.
حضور نسائي مكثف في فرق هلال زيرين
وتحت شعار “بالثقافة الكومينالية تحيا أصوات وألحان الشعوب”؛ انطلق في الثامن من كانون الأول فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان أوركيش الموسيقي بمشاركة 23 فرقة موسيقية، والذي بات أحد أبرز الفعاليات الفنية في إقليم شمال وشرق سوريا، نظراً لدوره في حفظ التراث الموسيقي، وتعزيز حضور الفنون المحلية رغم ظروف الحرب وعدم الاستقرار.
هذا وشهد المهرجان مشاركة أكثر من 11 فرقة نسائية، معظمها تابع لهلال زيرين، مثل فرقة فجين من حلب، وفرقة هيلين جودي من الرقة، وفرقة دليلا من عامودا، وفرقة ألفتريا من ديرك، وفرقة كَرستيرك من الحسكة، وفرقة الشهيد أسمر من كوباني. هذه المشاركة الكبيرة تعكس التنظيم الكبير والتزام الاتحاد بتعزيز حضور المرأة في الفنون، ومنحها مساحة للتأثير المباشر في صناعة الفعاليات الكبرى.
كما أن حضور النساء لم يقتصر على الأداء، بل شمل قيادة الرؤية الثقافية للمهرجان، والتواصل مع المجتمع المحلي، والتعبير عن الهوية الثقافية للشعوب المختلفة. فمن خلال هذا الدور، أثبتت المرأة أنها قادرة على توسيع نطاق تأثيرها الفني والاجتماعي، وأن صوتها يمكن أن يكون أداة لتغيير المعادلات، وإيصال رسائل السلام والمقاومة في الوقت نفسه.
المشاركة الأرمنية
وكل امرأة من شعوب المنطقة تغنت وتألقت على الخشبة بأسلوبها الخاص فظهرت النساء الأرمنيات المشاركات بلوحة من الألوان الهادئة والعميقة، التي تميّز الزي الأرمني التقليدي، وقد كانت الأزياء مزخرفة بنقوش ذات طابع تاريخي، مطرّزة بخيوط ذهبية وفضية، تعكس حياة الأرمن في جبالهم ووديانهم، وتروي قصصاً عن الهجرة والبقاء.
هذا وقد قدّمت فرقة “سايات نوفا” الأرمنية، التي مثّلت الشعب الأرمني في اليوم الثاني من المهرجان، مجموعة من الأغاني التراثية الأصيلة، التي أعادت الجمهور إلى تاريخٍ طويل من الشعر والغناء والاحتفالات الشعبية.
وبينت الناطقة باسم اتحاد المرأة الأرمنية في شمال وشرق سوريا “أناهيد قصبيان”: “إن وجود المرأة في مهرجان أوركيش لم يكن حضوراً عابراً، بل رسالة صامدة وسط الحروب والصراعات، وتحمل المرأة الفن أداة مقاومة، وتنقل صوت السلام الذي يحتاجه عالمنا المثخن بالجراح”.
فتضيف أناهيد: “المرأة قوة تغيّر المعادلات، وتزرع الأمل وتعيد كتابة قواعد الحياة في زمن الخوف”، فإنها تعيد وضع الفن في سياقه الحقيقي. فالموسيقا في مهرجان أوركيش لم تكن مجرد عروض احتفالية، بل إعلاناً مشتركاً من نساء وفنانين ومثقفين بأن الطريق نحو السلام لا يُعبَّد بالسلاح فقط، بل بالأغنية، وبالإصرار على الاحتفال بالحياة”.
وتمنت في ختام حديثها أن يمتد مهرجان أوركيش القادم إلى كل الشرق الأوسط، ليتحول المهرجان من حدث محلي إلى مشروع إقليمي كبير يضع المرأة في مركز صناعة السلام.
المشاركة الكردية
كما شاركت النساء الكرديات على خشبة المسرح بأزياء تقليدية تعكس التنوع الثقافي للمنطقة، فاجتمعت الألوان الزاهية مع التطريز اليدوي الدقيق، الذي يحكي قصص الحياة اليومية والهوية الكردية.
الأغاني التراثية التي قدمتها هذه الفرق مزيج بين الإيقاعات الشعبية والموسيقا الحديثة، فعكست تجربة المرأة الكردية في الحفاظ على تراثها، وفي الوقت نفسه إيصال رسالة حديثة عن القوة والمقاومة.
أشارت الناطقة باسم لجنة التدريب في مؤتمر ستار “آهين علي” إلى أن المشاركة النسائية الكردية كانت “حضوراً راقياً ومؤثراً، جمع بين التراث الكردي والفن المعاصر”.
وأكدت، إن التفاعل الكبير بين الجمهور والفنانين كان دليلاً على أن الموسيقا، لا تزال قادرة على جمع المكوّنات، وإيصال رسالة السلام حتى في أصعب الظروف.
من جانبها، أكدت الفنانة “يارا أحمد“، أن “دور المرأة اليوم صار أعمق من مشاركة فنية، بل صوتاً للسلام أمام الحروب”. وأضافت: “وجودها في مهرجان أوركيش تأكيد إن الفن ليس ترفاً، بل رسالة تحمل بعداً إنسانياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً”.
يارا التي عاشت الحرب والأمل معاً، ترى أن المرأة “قادرة على إيجاد مساحة ضوء في قلب الألم، وأن تزرع الأمل وتغير نضرة المجتمع بأكمله”، واختتمت حديثها برسالة موجهة إلى كل امرأة تشارك أو تتابع المهرجان: “نحن النساء نريد سلاماً ونوصله من خلال أعمالنا الفنية والثقافية”.
ومن خلال متابعة المهرجان لم تكن المرأة الكردية مجرد مقدمة عروض موسيقية، بل صوتاً للهوية والمقاومة الثقافية، ورسالة توصل للمتلقي، أن الثقافة والفن قادران على مواجهة الحرب والتحديات الاجتماعية والسياسية.
الفن قوة لتغيير المعادلات
لم تقتصر المشاركة النسائية على الكرديات والأرمنيات، بل كان للمرأة العربية حضور فاعل ومؤثر على خشبة المسرح، وقد شاركت العديد من الفرق العربية مثل “درة الفرات” و”دفات الفرات” وفرق محلية أخرى، حيث كانت جزءاً من العازفات والمغنيات والراقصات.
وقدمت هذه الفرق عروضاً موسيقية تجمع بين التراث الشعبي والموسيقا الحديثة، لتعكس تجربة المرأة العربية في الحفاظ على تراثها ونقله للأجيال الجديدة، في طابع حديث إذ حملت الأغاني توزيعات جديدة، وجعلت المسرح عرساً ثقافياً متنوعاً؛ فحضور النساء العربيات لم يقتصر على الأداء الفني، بل شمل المشاركة في التخطيط والتنظيم وإدارة الفرق، ما يبرز دورهن في صناعة القرار الفني والثقافي داخل الفعاليات الكبرى. كما كانت عروضهن منصة لتأكيد الهوية العربية، ورفع صوت النساء في المجتمع، وإظهار قدرة المرأة على مواجهة التحديات والتعبير عن القضايا المجتمعية الهامة من خلال الفن والموسيقا.
كما أكدت المشاركات أن الطريق نحو السلام لا يُعبّد بالسلاح فقط، بل بالغناء والفن، والإصرار على الاحتفال بالحياة رغم كل ما يحيط بها من صعوبات، وبهذا، يتحول مهرجان أوركيش من حدث موسيقي محلي إلى منصة إقليمية تضع المرأة في مركز صناعة السلام، وتجعلها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المنطقة.
المهرجان يوسع النظرة النسائية
وفي مشهد يعكس البعد الإقليمي للحضور النسائي، جاءت رسالة الفنانة السورية عتاب أبو سعدة من السويداء لتؤكد أن تأثير المرأة في مهرجان أوركيش يتجاوز حدود الجغرافيا. وشددت عتاب على أهمية استمرار المهرجان في تعزيز التواصل الثقافي بين الشعوب، لتصبح المرأة هنا جسراً إضافياً بين المناطق والشعوب، وليس فقط بين الفرق الموسيقية المشاركة.
أما الرئيسة المشتركة لاتحاد المثقفين في مقاطعة الجزيرة “فيروز رشك” فقد ذهبت إلى أبعد من البعد الفني الخالص، مؤكدة أن حضور المرأة في المهرجان ليس حدثاً طارئاً، بل جزءاً من مشروع سياسي واجتماعي كامل في شمال وشرق سوريا.
ونوهت فيروز، أن المرأة هي روح الفن، ومهرجان أوركيش أعطى للمرأة الحيز الأكبر، وهذا يؤكد أن التجربة الديمقراطية في شمال وشرق سوريا خطت خطوات كبيرة نحو احترام المرأة.
وتبين فيروز، إن المهرجان جاء في إطار التجربة الديمقراطية التي تتبناها الإدارة الذاتية، والتي جعلت تمكين المرأة ركناً أساسياً في الحياة العامة، بما في ذلك الثقافة والفن، وهنا يصبح مهرجان أوركيش مساحة لإظهار هذه التجربة، لا فعالية موسيقية فحسب.