No Result
View All Result
(وضع المرأة السوريّة نموذجاً)
كردستان يوسف
مرَّ عامٌ على السقوط الدراماتيكي لنظام البعث وفرار بشار الأسد، وعام على تشكيل الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع.
يوم السقوط الذي بدأ بفرحة عارمة وأمل بحياة ديمقراطية، تحول سريعاً إلى خيبة أمل مريرة بل ومرعبة للشعوب السورية خلال الأشهر الأولى من تسلّم الحكم ورثة فكر متطرف على غرار فكر داعش الإرهابي.
لا يزال العلويون في الساحل وضواحي دمشق، والدروز في السويداء، وريف دمشق يعيشون تحت وطأة تهديد الإبادة الطائفية، بعد موجات من عمليات القتل والذبح التي تعرضوا لها دون وجه حق، فقط كونهم دروز وعلويين وتحت حجج واهية، كما تعرّض الكرد في دمشق وحلب لخطرٍ حقيقي، وتستمر المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا باحتلال عفرين وسري كانيه وغيرها من المناطق والأرياف.
وازدادت حدة خطابات الكراهية والعنف ضد الشعب الكردي في مناطق سكناهم التاريخية، تحت ذريعة “محاربة الانفصاليين”، وهم الذين يسعون لبث الشقاق بين الشعوب وإعدام الثقة بينها من خلال أعمالهم الإرهابية وأفكارهم الجهنمية، وتصريحاتهم الذاهبة في اتجاه هتك النسيج الاجتماعي وتهديد السلم الأهلي، وتبديد الثقة بين الشعوب.
في خضم هذه الحالة المعقدة، تبرز قضية المرأة وأحوالها في ظل عام كامل بعد السقوط، حيث يتجلى تناقض صارخ بين منطقتين تسيران في اتجاهين مختلفين تماماً.
ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية، يسود خطاب ديني متطرف مدعوم بخطاب سلطوي مستند إلى إعلان دستوري هش، حيث تقلص التمثيل السياسي للمرأة فعلياً إلى وزيرة واحدة في التشكيلة الحكومية، وعضوة وحيدة في لجنة الصياغة الدستورية، وتثير الصيغة الدستورية الجديدة التي تجعل “الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع” مخاوف من تكريس القوانين التمييزية القائمة في مجالات الأحوال الشخصية والميراث والعقوبات، والتي لا تزال مُجحفة بحق النساء، بل إن سياسات الحكومة الانتقالية، كما تصفها ناشطات، تعمل على طمس هوية المرأة، من خلال إقصائها وتهميش دورها في المؤسسات والعمليات الانتخابية، وفرض قيود على حريتها الشخصية في الملبس والعمل والتعليم.
هذه المخاوف لا تبقى حبيسة الأطر السياسية، بل تمتد لتهيمن على الحياة اليومية والتعليم، ففي ظل غياب ضمانات الأمن، تعيش طالبات الجامعات تحت وطأة الخوف من العنف والاعتقال التعسفي، حيث تشير تقارير إلى استمرار هذه الممارسات، فقد دفعت موجات الخطف والاعتقال على الطرق الكثيرات إلى التخلي عن فكرة السفر من مدنهن البعيدة إلى مراكز التعليم في حلب أو دمشق، مفضلات الجلوس في البيوت على المخاطرة بحياتهن. لقد حولت الإبادة الطائفية في الساحل والسويداء أحلام التعليم العالي لكثيرات إلى كابوسٍ من الخوف والشلل.
على الصعيد الثقافي والإعلامي، يشهد الحضور النسائي تراجعاً ملحوظاً، فغياب الصحافة المستقلة والحرة، وانحسار الإنتاج الدرامي والبرامج التلفزيونية، واختفاء الوجوه الإعلامية النسائية، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة سلبية، ففي فضاء عام يسيطر عليه خطاب قومي وديني ضيق، لم تعد المرأة تجد المساحة أو الجرأة للعمل الإعلامي أو الثقافي، ما أدى فعلياً إلى انخفاض مستوى مشاركتها الفكرية والثقافية، خوفاً من المحاسبة والاعتقال التعسفي.
على النقيض تماماً من هذا المشهد، تقدّم مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا نموذجاً مختلفاً، وتجعل من تحرير المرأة شرطاً لتحرير المجتمع بأكمله، وقد تجسدت هذه الفلسفة في هياكل الإدارة الذاتية، أبرزها نظام “الرئاسة المشتركة” الذي يتقاسم فيه كل منصب قيادي امرأة ورجل، ونظام الكوتا الذي يضمن تمثيلاً لا يقل عن 50% للنساء في جميع المجالس، هذا التمكين المؤسسي لم يقتصر على السياسة، بل امتد إلى التعليم، حيث تكتظ جامعات روج آفا بالطالبات من كافة شعوب سوريا وتخصصاتها، في بيئة تحاول توفير قدر من الأمان والمساواة.
الأكثر لفتاً هو التطور الملحوظ في النشاط الثقافي والمدني للمرأة، فقد شهدت هذه المناطق زيادة كبيرة في عدد أعضاء الاتحادات الثقافية والأدبية من النساء، وأصبح حضور المرأة عاملاً حيوياً في الفعاليات الثقافية، وتجلى هذا بشكل ملموس في معرض الشهيد هركول الدولي للكتاب في قامشلو، حيث بلغت نسبة مشاركة المرأة نسبة عالية من إجمالي المعروضات في الدورة التاسعة لعام 2025، كما أن المعرض لم يشهد أعداداً كبيرة من الزائرات فحسب، بل أيضاً تزايداً واضحاً في عدد الكتب الموقعة بأسماء كاتبات وشاعرات وباحثات من المنطقة، ما يشير إلى صعود صوت المرأة الإبداعي والفكري في فضاء عام يشجع التوجه الثقافي والمعرفي والفكر التحرري للمرأة
بعد عام من التغيير، يمكن القول إن المعركة الحقيقية حول مستقبل المرأة السورية هي معركة بين مشروعين أحدهما، في مناطق الحكومة الانتقالية، الذي لا يزال يحمل بذور إعادة إنتاج التهميش تحت غطاء ديني متطرف أو قومي شوفيني، ويواجه صعوبة في الفصل عن ممارسات الماضي القمعية. والثاني، في مناطق الإدارة الذاتية، يقدم نموذجاً طموحاً للمساواة، رغم التحديات الكبيرة في التطبيق وسط تحديات صعبة.
ببساطة، ومن خلال طرح سؤال؛ هل ستكون المرأة السورية في المستقبل رقماً في معادلة سياسية تحكمها أولويات أخرى، أم ستكون أساساً حقيقياً لمعادلة مجتمعية جديدة؟ الإجابة، كما يبدو، لن تأتي من خطابات السياسيين، بل من الإسراع بتطبيق بنود اتفاقية 10 آذار، وتعزيز قدرة النساء السوريات على فرض وجودهن وصوتهن في رسم مستقبل بلدهن، فمستقبل سوريا الديمقراطية مرهون بهذا الصراع، وبقدرة النساء على تحويل تضحياتهن إلى مكاسب دستورية ومؤسسية دائمة، تضمن كرامتهن وحقوقهن في وطنٍ للجميع.
No Result
View All Result